الصحراء المغربية بين أوهام الجزائر و حنين اسبانيا - بريس تطوان - أخبار تطوان

الصحراء المغربية بين أوهام الجزائر و حنين اسبانيا

إلى أي حد استطاع المغرب تجاوز أطماع الجارتين؟ 

تعتبر قضية الصحراء المغربية من أقدم النزاعات المفتعلة في القارة السمراء. كما هو معروف تاريخيا، استقلال المغرب لم يكن بشكل كامل سنة 1956 بل ظلت مناطق شاسعة بالجنوب المغربي تحت سيطرة الإدارة الاسبانية بما في دلك بعض الجزر في المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط. هذا المعطى دفع بالمغرب إلى بذل الكثير من الجهود سواء تلك المتعلقة بحواره مع الجارة الجزائر أو مع الجارة الشمالية “اسبانيا” من أجل تحرير هذه المناطق و عودتها إلى أحضان الوطن بشكل سلمي و دون إراقة للدماء.

الجزائر نهجت  سياسة المراوغة و سوء النية، خاصة في عهد احمد بن بلة الذي رفض التفاوض مع المغرب بشأن بعض الخلافات الحدودية و تجاهل مجهودات الملك الراحل الحسن الثاني الذي زاره في الجزائر بغرض تبديد تلك الخلافات و بناء علاقة حسن الجوار و التعاون، بيد أن القيادة الجزائرية الفتية تجاهلت المساعي المغربية و فضلت إشعال فتيل الحرب مع المغرب في أكتوبر من عام 1963 و التي عرفت تاريخيا باسم حرب الرمال. التعنت الجزائري لم يكن متوقعا خصوصا و أن البلد حصل على استقلاله بشكل متأخر مقارنة مع بعض بلدان المنطقة و ساعده في ذلك المغرب بكل الوسائل المتاحة. كما أن الجزائر لم تكن تتوفر على الآليات اللوجستية و العسكرية للدخول في صراع مسلح و هي دولة لم يمر على استقلالها سوى سنة واحدة. هذه المعطيات تبين بالملموس نوايا الجزائر و حلفائها ( الحركات التحررية في أفريقيا و امريكيا الجنوبية و الكاريبي…) آنذاك للتوسع على حساب الأراضي المغربية و خاصة من جهة المحيط الأطلسي، النقطة الاستراتيجية التي تقض مضجع حكام الجزائر. بعد فشل مخطط الحرب الهادف إلى زعزعة استقرار المغرب و فرض واقع جديد في المناطق الحدودية، لجأت الجزائر إلى خطة الحرب بالوكالة عن طريق افتعال نزاع في الصحراء المغربية و ذلك بصناعة و احتضان كيان وهمي بغرض المطالبة باستقلال الصحراء عن المغرب، من اجل  بلقنة المنطقة لصالحها. هذا الكيان الوهمي بدا جليا منذ بدايته انه لا يمثل نفسه بل يعمل تحت إمرة العسكر الجزائري المتحكم في دواليب الحكم في البلاد

الكيان المزعوم تأسس سنة 1973 و أطلق عليه اسم                                            POLISARIO

كلمة «بوليساريو»  هي اختصار لإسم الجبهة باللغة الإسبانية المكون من الحروف الأولى لجملة “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” والتي تعني باللغة الإسبانية:    Frente Popular  de Liberación de Saguía el Hamra y Río de Oro.

بعد المسيرة الخضراء التاريخية( 6 نوننبر 1975)  و التي حققت نجاحات كبيرة و ارغمت الإسبان على قبول التفاوض بشأن الانسحاب السلمي من الصحراء المغربية

( الاتفاقيات الثلاثية بمدريد و التي حضرها المغرب بالإضافة إلى  موريتانيا و اسبانيا، و ذلك يوم 14 نونبر 1975)،   و قد عزز موقف المغرب و قراره  الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، حول الوضع القانوني لإقليم الصحراء، والذي انتهى إلى أنه، إبان الاستعمار الإسباني، كانت توجد روابط قانونية بين المغرب والصحراء…

بعد انسحاب موريتانيا من الصراع في الصحراء المغربية سنة 1979، انحصر الصراع  في المنطقة بين وكلاء الجزائر( البوليزاريو) و المغرب، و بذلك ظلت المنطقة تشهد توترات عسكرية إلى حدود سبتمبر 1991 حيث تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار في المنطقة، و قد أسندت لبعثة المينورصو التابعة للأمم المتحدة مهمة مراقبة تطبيق الاتفاق المذكور . و كانت هناك محاولات لتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء المغربية الا أن هذه الخطة تم اجهاضها نظرا لاستحالة تحديد من لهم الحق في التصويت من غيرهم. و قد شكل مقترح المغرب للحكم الذاتي الموسع في الأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية سنة 2007 حلا واقعيا و قابلا للتطبيق. بناء على مقترح المغرب بدأت مفاوضات بين البوليزاريو و المملكة  المغربية ( مفاوضات منهاست) برعاية الأمم المتحدة، غير أن تعنت البوليزاريو و هروبه إلى الوراء، اقبر كل هذه المحاولات لتقريب الرؤى و تجميد هذا الصراع المفتعل. بالمقابل نجح المغرب في كسب تعاطف و تأييد عدد كبير من الدول لمقترحه و مساعيه الرامية لتسوية شاملة لملف الصحراء المغربية.

يمكن القول كذلك أن التفاعل الإيجابي و الواقعي للديبلوماسية المغربية مع هذا الملف مكنها من سحب مقترح الاستفتاء من مخيلة صناع القرار في الامم المتحدة و بات مقترحا غير قابل للتنفيذ و النقاش. بعد وفاة زعيم جبهة البوليزاريو محمد عبد المراكشي ( 2016) و المحاولات اليائسة و المتكررة لخلق بلبلة في المناطق الجنوبية عن طريق تسخير بعض النشطاء لإثارة الفوضى و اللعب على ملف حقوق الإنسان، و الذي كان آخر فصولها قيام مجموعة من المحسوبين على جبهة البوليزاريو بقطع و محاصرة المعبر الحدودي الكركارات، دخل هذا الكيان و صنيعته الجزائر مرحلة اليأس و الفوضى الإعلامية المكشوفة. خصوصا و أن المغرب تمكن و بحكمة كبيرة من إقبار كل هذه المخططات البائدة دون أن تكون هناك مواجهات مباشرة مع أي طرف، حيث نهج مبدأ السلمية، في احترام للشرعية الدولية،  في تدخلاته و كسب بذلك تأييدا منقطع النظير من طرف دول من مختلف القارات. لقد كشف تدخل المغرب في معبر الكركارات لتأمين حركة السير و استتباب الأمن، خبايا عصابة تفتقد لكل مقومات الدولة المزعومة، كما أبان عن حقد مكونات بعينها داخل الدولة الجزائرية التي تسخر الإعلام الرسمي لاستمالة آراء الشعب الجزائري، المهضومة حقوقه ، بهدف حجب المشاكل الداخلية المخيفة. ما حدث مؤخرا من حملة إعلامية شرسة من طرف المؤسسة العسكرية الجزائرية على المغرب، كرس بما لا يضع مجالا للشك ضلوع الجزائر في النزاع الذي افتعلته في الصحراء المغربية و تدخلها المباشر في هذه القضية تحت مسمى البوليزاريو. وقد شكل موضوع القنصليات التي يتم افتتاحها اتباعا في الأقاليم الصحراوية للمغرب شوكة في حلق صناع القرار في الجزائر  و صفعة قوية لعملائها في تندوف. و يعتبر الاعتراف الامريكي بمغربية الصحراء بمثابة نقطة مفصلية و مكسب مهم للديبلوماسية المغربية  في مساعيها لتسوية هذا الملف و المراهنة على تنمية شاملة في المنطقة، بينما تسبب للجهات المعادية في شبه سكتة قلبية جعلتهم يختفون عن المنابر الإعلامية رويدا رويدا.  في هذا السياق يعلق المحلل السياسي المكسيكي المطلع على قضايا المغرب العربي رومان لوبيز فيليكانا، في حوار مع وكالة المغرب العربي للأنباء قائلا:”  إن  تحركات “البوليساريو”، بالكركارات، بدعم من الجزائر، في خرق للشرعية الدولية،  دليل على اليأس في سياق الدعم الدولي للمقاربة المغربية المتعلقة بوحدته الترابية،

وتناول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة الأمريكيتين في بويبلا بالمكسيك مضمون القرار الأخير لمجلس الامن ودينامية افتتاح قنصليات للعديد من الدول بالداخلة والعيون، فضلا عن مسيرة التنمية في كافة المجالات بالأقاليم الجنوبية للمغرب…

تجدر الإشارة إلى أن الأستاذ رومان لوبيز فيليكانا ألف  كتاب تحت عنوان “مشكلة الصحراء: آفاق جيواستراتيجية”، والذي تطرق فيه على الخصوص للروابط التاريخية العميقة التي تربط الأقاليم الصحراوية بالدولة المغربية، مستعرضا العوامل الاقيليمة والدولية التي ساهمت في إطالة عمر هذا النزاع.

ما قيل عن الجزائر في علاقتها بقضية الصحراء المغربية قد يقال عن اسبانيا و باقي الدول التي ما فتئت تدعم هذا الكيان الوهمي و لا سيما بعض الدول التي كانت تزعم و تتغنى بالتحرر و مساندة الشعوب في تقرير مصيرها و هي  تمارس على شعوبها  الديكتاتورية المطلقة و سالبة للحقوق:  ليبيا امعمر القذافي و كوبا فيديل كاسترو على سبيل المثال لا الحصر.

بالنسبة لاسبانيا ظل موقفها الرسمي متذبذب و تحكمه الظرفيات السياسية و المصالح الاقتصادية. لكن تظل اسبانيا ملاذا آمنا لنشطاء الإنفصال في الصحراء و يحضون بدعم من طرف بعض القوى السياسية و المدنية في البلاد. كما أن الإعلام الاسباني ساهم بشكل كبير في ترويج أطروحة الانفصال في الصحراء، سواء عن طريق مقالات صحفية مكتوبة أو برامج مسموعة و مرئية، بحيث أن الإعلام الاسباني يغطي كل صغيرة و كبيرة عما يجري في الصحراء المغربية و بأسلوب يغلب عليه طابع الانحياز للطرف الآخر على حساب المغرب، و تعتبر جريدة الموندو اليمينية الواسعة الانتشار من أبرز هذه المنابر الإعلامية انتقادا للمغرب. كما يعتبر الصحفي اكناسيو سيمبريرو من أشد المنتقدين للمغرب و خاصة في تعاطيه مع قضية الصحراء المغربية. يذكر أن سمبريور عمل مراسلا في الرباط  لمختلف المنابر الإعلامية الاسبانية  لما يناهز ثلاثة عقود من الزمن، و قد غادر الرباط مرغما بعدما تقدم رئيس الحكومة المغربية السابق عبد الإله بن كيران بشكاية ضده على أثر نشره فيديو للقاعدة اعتبرته الدولة المغربية ترويجا للإرهاب.

على مستوى الدوائر الرسمية في اسبانيا و كما تطرقنا سلفا فإن موقف الحكومات الاسبانية المتعاقبة( الحزب الاشتراكي و الشعبي) لا تخرج عن نطاق دعم المساعي الأممية في إطار المبادرة المغربية. لكن بالنسبة للمغرب، كدولة شريكة لإسبانيا و نسيج العلاقات معها يشمل كل المجالات، هذا النوع من المواقف المحتشمة  لا يعكس حجم العلاقات الاقتصادية و التجارية بين البلدين و الطفرة التي عرفتها في العقدين الأخيرين. حيث أضحت اسبانيا منذ 2012 الشريك التجاري  الأول  للجار الجنوبي و الثاني  اقتصاديا باكثر من 1000 شركة مستثمرة في المغرب. نهيك عن العلاقات في مجالات الهجرة و الأمن  و محاربة الجريمة المنظمة و الإرهاب كما يشكل المغرب سوق إستراتيجية و بوابة أفريقيا و من ثم الامتداد الطبيعي للسوق المغربية نحو القارة السمراء .    إلا ان تصريحات بعض الأحزاب الفتية في اسبانيا و خاصة حزب بوديموس الذي لا يزال يحن إلى الصحراء و عقليته لم تنضج بعد، جعلت من الموقف الاسباني عقب الأحداث الأخيرة غير مفهوم و يخضع للمزايدات دون استحضار لمصالح البلد و ضرب عرض الحائط العلاقات الثنائية و الحركية التي تعرفها. علما ان بوديموس من الأحزاب المشكلة للحكومة الحالية التي يترأسها زعيم الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني بيدرو سانشيز. و الأدهى من كل هذا والأمر هي تصريحات وزيرة الخارجية الإسبانية أرانتشا غونزاليس لايا، التي تنتمي منذ تعيينها إلى الحزب الحاكم رغم أنها تعتبر من الوزراء التكنوقراط  ذات الخبرة الكبيرة في الاتحاد الأوروبي و دهاليز منظمة التجارة العالمية، حيث دعت إلى ضرورة تعيين مبعوث  أممي للصحراء و أن القرارات الأحادية الجانب غير مقبولة…في إشارة إلى اعتراف الولاية المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء. هذا النوع من التصريحات فيه من العداء الشيء الكثير للمصالح المغربية، يبدو أن  تخوف اسبانيا على مصالحها الاستعمارية في أفريقيا( المغرب) هو الدافع وراء مثل هذه التصريحات الغير المسؤولة من رئيسة الديبلوماسية الاسبانية.

مجمل القول يمكن التأكيد على كون الجزائر تحولت بفعل الأحداث الأخيرة إلى طرف مباشر في قضية الصحراء، هذا المتغير جعل أطروحة البوليزاريو في مهب الريح، كما عزز موقف المغرب و مقتراحاته بشأن الحل النهائي للنزاع المفتعل في الصحراء و عزل الجزائر  و جعلها ضعيفة وزاد من تفاقم مرضها. الأسرة الأفريقية أصبحت أكثر قناعة بجدية المغرب و دوره الأساسي في الربط بين الشمال و الجنوب و مساعيه الحثيثة في استتباب الأمن في المنطقة و المساهمة الفعالة في خلق محور اقتصادي نموذجي يمتد من جنوب أوروبا إلى أدغال أفريقيا. بخصوص اسبانيا فأعتقد انها أصبحت أكثر قناعة بقوة الديبلوماسية المغربية و النجاحات التي حققتها في العقدين الماضيين، و أن النظرة الاستعلائية يجب ان يعيد النظر فيها و الخضوع لمنطق رابح رابح في العلاقات الثنائية لحفظ التوازنات و تفادي ضياع كل شيء، لأن التحالفات الجديدة  قد تحدث تغيرات اقتصادية و أمنية كبيرة في المنطقة  قد لا ينفع معها الحنين إلى زمن الهيمنة البائد .

 


شاهد أيضا