الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني (الحلقة 1) - بريس تطوان - أخبار تطوان

الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني (الحلقة 1)

بريس تطوان

تعد مدينة تطوان من أعرق المدن المغربية وأعتقها, وتعتبر ساكنتها ثريةً بالثقافات والعادات والتقاليد, وذلك يعود أساسا إلى طبيعة أهلها الذين نزحوا إليها من الأندلس خاصّة غرناطة, إبَّان القرن التاسع الهجري, فقاموا بمزج ثقافتهم الغرناطية بعادات البربر المحلية, فأنجب هذا التلاقح بين الثقافتين, رصيدا ثقافيا مهما, وجوا بربريا مَطْليا بصَبغة أندلسية, تجلت آثاره في طقوس اجتماعية, وأحوال أُسَرية, كانت محط اهتمام الباحثين والمؤرخين.

وسأحاول في هذا المقال رصد مظاهر العُرس التطواني, باعتباره طقسا اجتماعيا, مع تبيان دلالاته السيميائية, ومعانيه السيميولوجية, اعتمادا على كتاب أرَخ لهذه القطر التطواني, وأماط اللثام عن عادات وتقاليد أهل هذه الحاضرة. وهو كتاب: ”عمدة الراوين في تاريخ تطاوين“, للعلامة الفقيه المؤرخ أحمد الرهوني تـ: 1373هـ,

تناول المؤلف الحديث عن طقوس العرس التطواني في كتابه عمدة الراوين في عشرين صفحةً من الجزء الثاني, مفصِّلا على عادته, مطنبا في تحليل تقاليد العرس وإبراز أوجه جماليته, وفي الوقت نفسه نراه ينتقد بعض مظاهر الإسراف والتبذير. وسأحاول تلخيص ذلك مبرزا أهم المحطات في العرس التطواني بشكل إجمالي.

استهل الشيخ الرهوني مؤلف عمدة الرواين الحديثَ عن العرس في تطوان بذكر سِنِّ الزواج المعتاد عند أهل هذه المدينة, ثم ذَكرَ كيفية اختيار الزوج لرفيقة حياته, وكيف يخطبها, مُنبِّها إلى مكان عملية الخطبة وقراءة الفاتحة, وأنه بعد الخطبة واتفاق الطرفين, يحدَّد المهر ويشرع أهل الزوجة في إعداد العروس لزوجها, فيقومون بالإملاك, أي حفل عقد الزواج مصحوبا بإطعام الضيوف وإرسال المهر للزوجة في طقوس عرفية وأجواء موسيقية, ثم بعد الإملاك يشرع العروسان في أيام العرس وهي سبعة أيام حسب ما ذكر المؤلف: يوم العجين- يوم الهدية- يوم تعليق الشوار- يوم الحناء- يوم النبيتة- يوم البوجة- يوم الصباح, إلا أنها قد تزيد وقد تنقص حسب ثراء الزوجين وقدرتهما المالية, ثم بدأ المؤلف يسرد خصائص كل يوم من هذه الأيام وأجواءَه وطقوسه, وما يتخلله من عادات وتقاليد, إلى أن ينتهي ذلك بليلة الدخلة, ثم بعد هذه الليلة يجتمع الأحباب والأهل بدار الزوج للتهنئة والمباركة, ويستمر الاحتفال أياما عديدة قد تصل إلى تسعة أسابيع, كل يوم وطقوسه وأجواؤه.

فهذه هي مظاهر العُرس التطواني التقليدي بإجمال, وسنعمد الآن لسبر أغوار هذه المشاهد’ وتسليط الضوء على مجرياتها للوصول إلى المعاني العميقة والمخفية خلفها؛ لأن البحث السيميائي يقتضي الغوص في بنية العلامة أو الرمز لمعرفة كيفية تركيب دلالة العلامة وطريقة إنتاجها, وسأبرز هذا على الشكل الآتي:

  • جرت العادة أن الشاب التطواني لا يتزوج حتى يبلغ ثلاثين سنة ونحوها, أي حتى بستقيم عقله ويصلح حاله, والزواج في هذا السن يحمل دلالة سيميائية وهي  الاتزان والثبات والرشد, وأن المتزوج في ذلك الوقت يكون كفءا وقادرا على مواجهة الحياة  الزوجية وتحملها. خلاف المراهق أو الحدَث.
  • وكذلك الأمر بالنسبة للبنت التطوانية فلا تتزوج إلا بين العشرين والثلاثين, وهذا في حد ذاته علامة سيميائية تدلنا على أن البنت إذا مكثت طويلا في بيت أبيها ثم تزوجت فإنها تكون شديدة التعلق بزوجها, متمسكة به, وفي هذا أيضا إشارة إلى أن المجتمع التطواني كان شديد التقديس  للعلاقة الزوجية, وأنها حياة يجب أن تستمر ولا تفسخَ بالطلاق.
  • جرت العادة عند أهل تطوان أن الرجل إذا تعلق قلبه بامرأة فلا يخطبها فورا أو سرا, بل يقوم باستشارة المقربين ثم اختبار حالها بالسؤال عنها, ثم إذا آنسها ووجدها ملائمة له يبعث من يخطبها له علانية, وهذه المراحل الثلاث جميعها تحمل دلالات سيميائية وهي الحشمة والعفاف اللذان كان يتحلى بهما المجتمع التطواني إلى جانب التثبت والتريث في اختيار رفيقة العمر.

الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني

كتاب: ”عمدة الرَّاوين في تاريخ تطَّاوين“

للعلاَّمة الموسُوعي الفقيه المؤرخ: أبي العباس أحمد الرَّهُونِي تـ: 1373هـ

إعداد: محمد بن سفَّاج/المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل – مسلك اللغة العربية


شاهد أيضا