الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني (الحلقة 3) - بريس تطوان - أخبار تطوان

الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني (الحلقة 3)

بريس تطوان

  • تقدم الهدية في هذا اليوم على ظهور الخادمات الولاول المزغرتات وينقلنها من منزل الزوج لمنزل الزوجة، على الصفة المتقدمة، وتقدم دلالة هذا الفعل سيميائيا. وينتهي هذا اليوم بالأكل ومجالس الطرب إلى الصباح.
  • وبعد هذا اليوم يكون يوم الغسيل عند بعض الأسر وهناك من يتخلى عنه، وهو خاص بالبنات الصغار حيث يحتفى بهن، ولعل ذلك إشارة إلى التفاؤل والتيمن بهؤلاء البنات فيتزوجن مستقبلا.
  • ثم يكون يوم الشوار, ومعنى الشوار: المتاع الذي تأخذه الزوجة لبيت الزوجية, وتتم هذه العملية في طقوس خاصة عند التطوانيين, حيث ينطلق الزوج من منزله في موكب رجالي بعد صلاة المغرب مصحوبا بإيقاع الطبل والمزمار, تتصدر هذا الموكب أمة سوداء تحمل في إحدى يديها شمعة كبيرة ذات أولاد, وفي اليد الآخر مرآة متوسطة وهي تُزَغرِد. ثم يصل الموكب لبيت الزوجة فيوضع الشوار على ظهر بغل أبيض داخل صندوق مزوَّق, وبعضه يحمله أهل العروس ثم ينصرف الموكب على الصفة السابقة, فيقرأ أهل الزوجة الفاتحة ثم يتفرق الجمع. وهذا الطقس يحمل دلالات سيميائية كثيرة, أما الشوار فيدل على الافتراق والخروج من ربقة منزل الوالدين, أما الموكب المصاحب للعريس فيدل على المؤازرة وإظهار الفرح مع الزوج,أما الأمة وصفتها فربما هو امتداد للثقافة اليهودية أو البربرية في المنطقة بدعوى أن ذلك يرد العين ويحمي الزوجين من السحر أو نحو ذلك. والبغل الأبيض يدل على الفرح والصفاء كاليوم الأبيض, والصندوق يدل على إخفاء سر الزوجة وعدم إظهاره, وتدل الفاتحة على حصول البركة واليمن بين الطرفين.
  • ثم بعده يقام يوم تعليق الشوار ويكون في دار الزوج مصحوبا بالإطعام.
  • ثم يأتي اليوم الرابع وهو النبيتة, وأصله المبيتة, أي الليلة التي يبات فيها بالفرح والطرب والأكل إلى قرب الفجر, ويتميز بالغناء ووضع الحناء على رأس العروس, والنساء يرددن:

رجلُه في الركاب – بالُه معكم

مولاي السلطان – عبَّاها لكم

فترد الأخريات: ”الله يربحو“. ويقلن كذلك:

قِو ن للا- حنَا وحنَاني

حِنا من الجنة – يا بياضي

فينقلب العرس إلى جنازة حيث يرسلُ كل الحاضرات دموعهنَّ بالبكاء حتى العروس, ثم بعد ذلك بمدة يزول الهم والحزن وتشتعل جذوة الفرح والطرب من جديد. وهذا كله يحمل دلالات سيميائية تتجلى في البهجة والفرح المعبر عنه بالحناء والسهر إلى الفجر, أما البكاء فيدل على حزن مفارقة الأحباب والبعد عن ديار الأهل, كما أن بكاء النساء كلهن دليل على رهف مشاعرهن وإحساسهن بوجع فراق منزل الطفولة,

  • ثم يكون يوم الحناء, وهو خاص بالنساء, وفي هذا دليل على أهمية الحناء في العرس التطواني وأنه علامة للفرح والبهجة والسرور.
  • ثم يكون يوم المحضر وهو خاص بالنساء أيضا يأكلن فيه الحوت والحليب واللحم المقلي, ولعل في تخصيصهن الأكل بهذا الطعام دليل على سأمهن من الدجاج واللحم المطبوخ فيستبدلنه بالحوت.
  • ثم يأتي يوم البوجة, والبوجة هودج صغير توضع فيه العروس, يحمله أربعة رجال, وهذا اليوم يحضره الرجال والنساء, ويكون ليلا بمنزل الزوج, مفعما بأجواء الطرب والغناء والطبل, ويقع فيه الإطعام الكثير, الذي يلازمه إسراف غالبا, فإذا اقترب الصبح انطلق موكب رجالي من منزل الزوج إلى منزل الزوجة مصحوبين بالطبالين, ويقولون: الصلاة والسلام  عليك يا رسول الله, فإذا وصلوا لدار الزوجة وجدوا أهلها ينتظرون, فيدخلون البوجة للدار, ويشرع الغياط في إنشاد أبيات شعرية كأنه يدعو فيها الزوجة للنزول والهبوط, فإذا خرجت صاحبتها نكَّافة من أجل مواساتها ومساعدتها في إزالة الثياب. فإذا وصلت البوجة لمنزل الزوج, إن كان عالما أو شريفا صعدوا بها إلى الغرفة تكريما لزوجة العالم والشريف, وإن لم يكن كذلك تركوها بالباب, ويقرأ الحاضرون الفاتحة عند خروج الزوجة ويهنئون أهلها, أما الزوج فإنه ربما يحلق لحيته وشعر رأسه, ثم يلبس الكساء والسلهام, ويدخل بيت الطرب أو العرس وهو يتهادى بين شخصين يحملان شمعتين يسميان بالوزراء, ويقعدانه على كنبة مرفوعة, ويظل هكذا حتى ينتهي الحفل وينفض الجمع مهنئا له. وهذه الأجواء لها معانٍ سيميولوجية, منها: أن حمل العروس في الهودج يدل على رفعة مكانة العروس وقدرها في ذاك اليوم, كما أن فيه فرحا بها. وتخصيصه بالليل دليل أن الليل زمان الدَّعة والتفرغ فناسب ذلك حال الناس فلا ينشغلوا عن العرس, وفي تلك الأبيات الشعرية التي ينشدها الغياط تشبيه للعروس بأميرة مدلَّلّة تخجل من الهبوط, ونلحظ التمييز الطبقي في وضع الهودج مراعاة لقدر العالم أو الشريف, كما أن قراءة الفاتحة لا زالت حاضرة معنا. إلى جانب شخص العريس في ذلك اليوم الذي يشبه حال السلطان والشخصان هما وزيراه, وهذا كله دلالة سيميائية على أن الزوجين يوم زفافهما يكونان سَيِّدَيْ البلدة كالسلطان وزوجته, وأنهما محط احترام وتقدير.
  • وبعد هذه الليلة يأتي صباح العرس, حيث يستيقظ الزوجان بأنغام الطبالين, فيخرج الزوج ويجد ببابه الولاول وهن خادمات البيت فيمنحهن غرامة يَطرن بها  ويزغرتن في كل مكان فرحا. ويتناول العريس طعاما خاصا ثم يتوارد الناس على المنزل مهنئين, ويستمر الحفل من ثلاثة أسابيع إلى تسعة, وهذا أيضا ينضوي على معان سيميائية, وهي أن تقديم العريس المالَ للولالول دليل على رضا الزوج وفرحه بزوجته, وأن استمرار الحفل بعد ليلة الدخلة ثلاثة أسابيع ونحوها, يدل على شدة اعتناء التطوانيين بالعروسين.

وبعد هذا نصل إلى أن العرس التطواني يتميز بطقوس وأجواء خاصة لا تجعله تبعا لطقس مغربي آخر, كما أن التأثير الأندلسي والغرناطي جلي في هذا الطقس الاجتماعي,كما نرى أن العرس التطواني أقرب إلى الغلو والتبذير من غيره أحيانا في إظهار الفرح والسرور بالعروسين, وبهذا تكون السميائيات قدمت لنا فضلا كبيرا في فهم أجواء العرس التطواني واستكناه معانيه الثقافية والدينية التي غابت عنا.

لائحة المصادر والمراجع:

  • عمدة الراوين في تاريخ تطاوين, أحمد الرهوني.
  • السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها, سعيد بن كراد.
  • السيميولوجيا, ما هي؟ محمد نظيف.
  • الدالالت السيميائية في  الأشكال الاحتفالية بالمغرب رقصة ”أحيدوس“ و“التبوريدة“  نموذجا.

د. رضوان العماري

الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني

كتاب: ”عمدة الرَّاوين في تاريخ تطَّاوين“

للعلاَّمة الموسُوعي الفقيه المؤرخ: أبي العباس أحمد الرَّهُونِي تـ: 1373هـ

إعداد: محمد بن سفَّاج/المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل – مسلك اللغة العربية


شاهد أيضا