الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني (الحلقة 2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني (الحلقة 2)

بريس تطوان

  • إذا وقع الاتفاق بين الطرفين يجتمع أهل العروسين لقراءة الفاتحة في الزاوية الريسونية أو زاوية الحاج علي بركة يوم الجمعة غالبا, مع إشهاد العدلين، فيبارك الحضور للعروسين وأهلهما بعبارات متداولة مثل: ”مبارك ما عملتم“، ”الله يكمل بالفرح“، وغير ذلك، وفي هذا كله دلالات سيميولوجية عميقة، حيث إن الاجتماع في الزاوية يدل على سيادة الجو الصوفي بتطوان، إلى جانب اعتقاد أهل تطوان في الأولياء والصالحين، وأنهم ببركتهم سيمنحون الزوجين السعادة والهناء، وقراءة الفاتحة في الخِطبة تدل سيميولوجيا على الوازع الديني، وأنها مدعاة لحصول البركة والخير بين الزوجين، وهذا الاجتماع يدل أيضا على أن الزوجة بكر وأنها وزوجها من وجهاء البلد وأعيانهم، إذ جرت العادة أن البكر وأولاد الأعيان و الوجهاء هم من يحق لهم قراءة الفاتحة في الزاوية الريسونية، أما الثيب وأولاد الفقراء أو الناس العاديون فيكتفون بالخطبة في دار الزوجة أو في مكتب العدلين. وهذا يدلنا سيميائيا أيضا على التعدد الطبقي والتفاوت الاجتماعي بين أهل تطوان.
  • سرت العادة عند التطوانيين أن نوعية الصداق يختلف من طبقة الأغنياء إلى طبقة المتوسطين أو الفقراء، أما الطبقة الأولى فتطلب في مهر بناتها الثياب الفخمة والحلي الفاخر دون المال, وأما الطبقة الثانية فتكتفي بالمال فقط.

 

 

 

 

 

وهذا لا ريب فيه يحمل دلالات سيميائية  وهي أن الصداق الجيد في المجتمع التطواني  لا يرتبط بالمال بل بالثياب الفخمة والحلي والجواهر التي هي رأس مال الزوجة وكنزها.

  • أما حفل الإملاك في تطوان فقد جرت العادة أن الصداق يقدم للعروس في ذلك اليوم على ظهور خادمات أو إماء مزينات يسمين بالولاول، لأنهن ينقلن الصداق على ظهورهن في الأزنقة والدروب ويقلن: ”يو يو  يو يو ”. وهذا العمل  لا شك  فيه يطوي دلالات سيميولوجية تتمثل في إشهار النكاح وإعلانه للناس, وأيضا قصد التباهي والتفاخر بهذا الصداق الذي سيقدم للعروس.

أما نوعية الطعام في هذا الحفل فيختلف من طبقة إلى طبقة, أما الطبقة العادية فتكتفي فيه بالشاي والفقاص وألوان خاصة من الحلوى, أما المُوجِدون وعِلية القوم فيقدمون فيه أربعة وجبات: اللحم بالتفايا ثم اللحم بالخضرة ثم الدجاج المحمر ثم المسمنة، وهذا يدل سيميائيا على التفاوت الطبقي بين الساكنة التطوانية ويدلنا أيضا على أن اللحم هو أفخر وأجود الأطعمة وعليه المعتمد في العرس التطواني.

  • وَتقدم في حفل الإملاك أو العرس التطواني في جميع مراحله حلوى الفَقَاص أو الفَقَاقص، وتعدُّ مكونا رئيسا في طبسيل الحلوى، خاصة أن شكلها المدور المَدحيَّ بماء الورد والزنجلان والمسك, الأبيض اللون, الرطب الملمس، السريع المساغ، يدل سيميائيا على الصفاء والنقاء وطهر الزوجين ويسرهما كحلوى الفقاص.

 

 

  • بعد حفل الإملاك يقف الاحتفال أياما معدودوة ليبدأ أهل العروس في أيام العرس التي تدوم سبعة أيام, أولها يوم العجين وهو خاص بإعداد الحلويات التي ستقدم في العرس, حيث يجتمع نساء الحي وأسرة العريس في منزل أهل العروس يحضرن الحلوى في جو يغمره الفرح والزغاريت، وهذا يحيلنا سيميائيا على التكتل الجماعي والوحدة والتكافل الذي تميز به أهل تطوان.
  • كما أنه في هذا اليوم تكلف أم العروس خادمة لها أو أمة سوداء مزينة تسمى بالعراطة باستدعاء الناس والأقارب ليحضرون مراسم العرس وأيامه، فيجيبها الناس بالقبول والدعاء، وهذا يدلنا على أهمية عملية الاستدعاء في المجتمع التطواني حيث تكلف له أمة سوداء لوحدها، وتزين وتلبس اللباس الحسن.
  • أما اليوم الثاني وهو يوم الهدية فتقوم فيه قيامة منزل أهل العروس, حيث تقدم المدعوات مزينات مثقلات بأفخر حليهن وجواهرهن لابسات أبهى الثياب، وهذا يدلنا سيميائيا على طبيعة المرأة التطوانية التي تعتني بجمالها ومحاسنها على غرار المرأة الأندلسية.
  • تميز مشهد العرس التطواني لدى النساء بنوعين: صنف يقال له الحضَّارات وهن النساء المدعوات المزينات كما سبق، وصنف يقال له النَّظَّارَات، وهن عجائز فقيرات غير مدعوات ولا مزينات، يجلسن في الباب من أجل ملاحظة الحضَّارات ومشاهدة جمالهن والتعليق على عيوب كل واحدة منها، بقولهن: ”فلانة مَسرَارة“، أي صاحبة سر، وقولهن: ”فلانة مَنزوعة“، أي سرها منزوع، وهذا يدلنا سيميائيا على التعددية الطبقية في المجتمع التطواني كما قدَّمنا, وأن الفئة الفقيرة عانت نفسيا واجتماعيا، كما يدلنا على اهتبال النساء التطوانيات بمظهرهن الجمالي وأنهن يصرفن من أجل جمالهن كل ما لديهن خوف انتقاص قدرهن أو خدش حسنهن من قِبَلِ أحد.
  • في يوم الهدية يأتي نسوة فقيرات لمنزل العرس ويضربن بالدفوف أمام الحضارات قائلات:

الصّْلاَةْ عْلَى النْبِي – الرْضَا لْمُولاَيْ عْلِي

وهذا يدلنا سميائيا على الخلفية الدينية التي تُجَوِّز ضرب الدف في العرس خلاف آلات الأوتار. كما أنه يدلنا على ارتباط الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم باعتباره مظهر الجمال والكمال الذي يرين بعضه في النساء الحاضرات.

الدَّلالات السيميائية في مشهَد العُرس التِّطواني

كتاب: ”عمدة الرَّاوين في تاريخ تطَّاوين“

للعلاَّمة الموسُوعي الفقيه المؤرخ: أبي العباس أحمد الرَّهُونِي تـ: 1373هـ

إعداد: محمد بن سفَّاج/المدرسة العليا للأساتذة بمرتيل – مسلك اللغة العربية


شاهد أيضا