بريس تطوان
أظهرت دراسة علمية حديثة وجود تفاوت كبير في التنوع البيولوجي للخنافس المائية بحوض وادي مرتيل، مع تسجيل تراجع لافت في عدد الأنواع بالمقاطع الواقعة تحت تأثير التمدن والتلوث، خصوصا في الجزء السفلي من الحوض بالقرب من مدينة تطوان.
وسجل الباحثون 22 نوعا من الخنافس المائية في موقع تكراع داخل منتزه بوهاشم الطبيعي، مقابل نوع واحد فقط في كل من موقعي طابولة والرمانة، وهما منطقتان تقعان في الجزء السفلي من الحوض وتخضعان لضغط حضري مرتفع.
ونُشرت الدراسة في 1 يوليوز 2026 بمجلة Biodiversity Data Journal، وأعدها الباحثون أشرف كلاف، نارد بناس وكوثر الكتاني، من مختبر البيئة والتصنيف والمحافظة على التنوع البيولوجي بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان.
وحملت الدراسة عنوان “تأثير الانقطاع الهيدرولوجي والضغط البشري على تجمعات الخنافس المائية في نهر مرتيل بشمال غرب المغرب”، وركزت على دراسة تأثير التغيرات الموسمية في تدفق المياه، إلى جانب التمدن والتلوث والضغوط البشرية، على تجمعات هذه الكائنات المائية.
واعتمد الفريق العلمي على عمليات لجمع العينات في 16 موقعا موزعة على امتداد حوض وادي مرتيل، وذلك خلال أربعة فصول، من ربيع 2017 إلى شتاء 2018، مع مراعاة اختلاف الارتفاع واستعمالات الأراضي والخصائص البيئية لكل موقع.
وأسفرت عمليات الرصد عن جمع 1268 خنفساء مائية، تنتمي إلى 50 نوعا و27 جنسا و10 عائلات، ما أتاح للباحثين إجراء مقارنات بين المواقع الطبيعية والمناطق التي تتعرض بدرجات متفاوتة للتأثيرات البشرية.
وأظهر توزيع الأنواع وجود فروق واضحة بين أجزاء الحوض؛ إذ تصدر موقع تكراع قائمة المواقع من حيث التنوع بـ22 نوعاً، بينما لم يتجاوز العدد نوعا واحدا في تابولة والرمانة.
أما من حيث عدد الأفراد، فقد سجل موقع الزرقاء أعلى حصيلة، بـ194 خنفساء، من بينها 86 جرى جمعها خلال خريف سنة 2017.
وتشير النتائج إلى أن المناطق الطبيعية والمقاطع التي يتوفر فيها جريان مائي أكثر استقراراً توفر ظروفاً أفضل للخنافس المائية، في حين ينخفض التنوع والوفرة بشكل ملحوظ في اتجاه المناطق الحضرية المتأثرة بالتلوث والتغيرات التي تطال المجاري المائية.
وربط الباحثون أيضاً بين توزيع الأنواع ومؤشرات جودة المياه. فقد تبين أن المقاطع العليا والوسطى، التي تتميز بمستويات أعلى من الأكسجين المذاب، تستضيف أنواعاً أكثر حساسية للاضطرابات البيئية.
في المقابل، ارتبطت المقاطع المنخفضة وبطيئة التدفق بمستويات مرتفعة من الطلب البيوكيميائي والكيميائي على الأكسجين والموصلية الكهربائية، وهي ظروف فضلتها أنواع أكثر قدرة على تحمل الضغوط البيئية.
كما أظهر التحليل الإحصائي اختلافاً واضحاً في تركيبة تجمعات الخنافس بين المواقع الحضرية وغير الحضرية، ما يعكس تأثير التحولات التي يشهدها المجال المحيط بالوادي على مكونات النظام البيئي المائي.
وسجلت الدراسة كذلك تأثيراً للعامل الموسمي على توزيع الأنواع. فالخنافس التي تفضل المياه الجارية ارتبط وجودها أكثر بفترات ارتفاع منسوب التدفق، بينما ظهرت الأنواع المحبة للحرارة بشكل أكبر في البرك المائية المتبقية خلال فصل الصيف.
وبحسب النتائج، شكلت عائلة Gyrinidae نحو 54 في المائة من مجموع الخنافس التي جرى جمعها، فيما سجلت عائلة Dytiscidae أعلى تنوع من حيث عدد الأنواع. كما شكلت الأنواع المفترسة حوالي 73 في المائة من التجمعات المدروسة.
ويمتد حوض وادي مرتيل من المرتفعات الغابوية لجبل بوهاشم والمناطق الجبلية المحيطة به، قبل أن يتجه المجرى عبر مناطق حضرية وشبه حضرية في تطوان ومرتيل وصولا إلى البحر الأبيض المتوسط.
وتبلغ مساحة الحوض حوالي 1259 كيلومتراً مربعاً، بينما يتراوح ارتفاعه من مستوى سطح البحر إلى نحو 1782 متراً، وهو ما يفسر تنوع الظروف البيئية والهيدرولوجية على امتداد الحوض.
ويرى الباحثون أن هذا التنوع يجعل الخنافس المائية مؤشرا بيولوجيا مهما لتقييم صحة الأنهار، إذ إن ظهور بعض الأنواع الحساسة أو اختفاءها يمكن أن يكشف عن تغيرات في الظروف البيئية وجودة المياه.
وخلصت الدراسة إلى أن التغير في تركيبة الأنواع بين مختلف المواقع يمثل أحد أبرز مظاهر التباين البيولوجي داخل الحوض، محذرة من أن تدهور المواقع الطبيعية لا يؤدي فقط إلى انخفاض أعداد الكائنات، وإنما قد يغير أيضا تركيبة المجتمعات المائية بأكملها.
ودعا الباحثون إلى إعطاء المقاطع الدائمة من المجرى الأوسط لوادي مرتيل أولوية في جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي، باعتبارها ملاذا للأنواع الحساسة، خصوصاً في ظل تأثر الأنهار المتوسطية بالتغيرات الموسمية في الجريان والضغوط البشرية.
وأكدت الدراسة، في السياق ذاته، إمكانية استخدام الخنافس المائية كأداة للمراقبة البيولوجية ورصد آثار الانقطاع الهيدرولوجي والتغيرات البيئية التي تعرفها الأنهار في شمال المغرب.
ومع ذلك، فإن قراءة نتائج الدراسة تستوجب الانتباه إلى عامل الزمن؛ فهي نُشرت سنة 2026، لكن المعطيات الميدانية التي بُنيت عليها جُمعت بين ربيع 2017 وشتاء 2018. وبالتالي، فإن نتائجها تعكس الحالة والتباينات التي رُصدت خلال فترة الدراسة، ولا تشكل تقييما مباشرا للوضع البيئي الحالي لحوض وادي مرتيل في سنة 2026.
