الحلقة 16 من رواية “مأساة الأميرة الثائرة بالأندلس” - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحلقة 16 من رواية “مأساة الأميرة الثائرة بالأندلس”

بريس تطوان

فعندما دخل الجيش ولم يجد الأميرة اعتقل “صياد السحرة” وأخذه معه إلى إشبيلية ومعه القارورة الثانية. وها أنا الآن أبحث عن قارورة الخلاص لكي أعيد لأميرتنا انسانيتها.

بدأت تنظر إلي وهي تقول: الناس هنا كل ما يعرفونه أن الأميرة الثائرة اختفت وأنها ستعود. وأن “صياد السحرة” كانت عليه حراسة مشددة وكان يمرر رسائل لأجدادنا منها قوله من حين لآخر: إن خلاص الأميرة يكمن في الطابق الثاني من الصومعة الذهبية. وإلى يومنا هذا لا نعرف ماذا كان يقصد إلى أن سمعت روايتك هاته عن أميرتنا وكيف تحولت إلى بقرة.

همت بالانصراف فقلت لها ابقي معي أكثر فلدي عدة أسئلة حارقة يجب أن أعرف الجواب عنها لأنها تؤرقني وترهقني وتؤلمني، قالت لي لا أستطيع سأذهب: بدأت أستعطفها وانا أقول لها ابقي بعضا من الوقت، حاولت ان أمنعها من الاختفاء من جديد فأخذتها من ذراعها وأنا أستعطفها بصوت مرتفع فإذا بي أحس بلطمة قوية على وجهي أيقظتني من تلك السنة من النوم فوجدت نفسي قابضا على دراع إحدى الأمريكيات الشبه عاريات الجالسات بجانبي وانا اتوسل إليها. نثرت يدها وقالت لي ما هذه الوقاحة وبدأت هذه الأمريكية توبخني على فعلتي هاته وأنا أعتذر لها وأشرح انني كنت نائما أحلم. لكن لا أحد صدق روايتي هاته. واستمرت الأمريكية في توبيخي وتهديدي ومعاتبتي بقوة هي وزميلاتها إلى درجة أنهن أحضرن الشرطة وأخذوني إلى المخفر بتهمة التحرش الجنسي. وكما تعلمون فهذه التهمة قد يصل حكمها في الدول الأوروبية إلى 30 سنة بالتمام والكمال بالخصوص إذا كانت الضحية أمريكية.

غريبة هي تقلبات الزمن. كنت أبحت عن حل لإطلاق سراح أميرتي من تلك البقرة فإذا بي أنا المسجون ابحث عن تحرير نفسي. أردت فقط أن أستريح قليلا فأخذتني سنة من النوم فوجدت نفسي خارج المسار. وقع لي ما يطلق عليه الخبراء “حوادث النوم المفاجئة”. فكثيرة هي حوادث الطرقات التي سببها سنة النوم هذه. لهذا أنصحكم أن لا تسهوا ولا تغفلوا ولو ثانية واحدة عندما تكونون في مهمات صعبة ومعقدة مثل ما أنا فيها الآن. وإلا فستوضعون في مواقف حرجة وسرليالية وسيضحك منكم الأصدقاء قبل الأعداء. ففي غفلة من النوم، وأنا أستاذ جامعي، أصبحت متهما بالتحرش الجنسي وجميع جرائد اشبيلية وقنواتها الفضائية والأرضية المحلية منها والجهوية والوطنية تتحدث عن الأستاذ الجامعي الذي أراد هتك عرض أمريكية في فضاء عمومي وفي واضحة النهار بإشبيلية المدينة الأكثر كثافة سياحية في العالم. ومنهم من ذهب بخياله بعيدا حيث اعتبر أن هذا العمل يدخل في إطار الأعمال الإرهابية الدولية المنظمة والمدروسة.

وفي كل وقت وحين تظهر على القنوات التلفزية صوري وصور مسرح الجريمة، المقهى التي ارتكبت فيها هذه الجريمة العظمى حسب تحليلاتهم وندواتهم المتلفزة والتي استدعوا لها خبراء الاجرام والهجرة السرية والتحرش الجنسي. جريمتي هاته ذرت على إعلامهم المرئي والمسموع والمقروء أرباحا ضخمة وأموالا طائلة، ليس فقط في اشبيلية بل حتى المدن والدول المجاورة. وموضوع الإرهاب هذا أصبح ينعش الحركة الاقتصادية لعديد من الدول المتقدمة لكنه يدمر ويمحي دولا بأكملها بالخصوص تلك الموجودة خارج الطاعة والهيمنة الإمبريالية الجديدة.

لكن تجربة السجن هاته كانت مفيدة لي للغاية رغم أنني لم أمكث فيه إلا بضعة أيام. أولا إنني لاحظت ان السجن ممتلئ  بأولئك المهمشين والفقراء والغجر الذين يحومون حول الصومعة الذهبية وضفاف الوادي الكبير والشوارع المجاورة له، وكأن أتباع الأميرة والمتعاطفين معها هم النسبة الكبيرة من نزلاء هذا السجن. حينها تساءلت هل مازالت تصفية أصدقاء الأميرة ومسانديها والمتعاطفين معها مستمرة إلى يومنا هذا؟ وفي السجن تعلمت الشيء الكثير عن هؤلاء الغجر واستفدت من مجالستهم. لقد علموني في برامجهم التكوينية الخفية داخل السجن الطرق التي تحررك من الخوف الأزلي من السجن، وشعورك بالسعادة رغم أنك مسلوب الحرية.

مرت ثمانية أيام وأنا في أكبر سجن بإشبيلية تحت الحراسة النظرية. لا أخفيكم سرا إن قلت لكم إن هذه الأيام التي قضيتها في السجن كانت من أسعد وأجمل أيام حياتي. والتكوين الذي تلقيته على يد هؤلاء الغجر والمثقفين المهمشين الحكماء فاق بكثير ما تعلمته داخل الجامعات. لم أنس قط تلك الجلسات الجماعية داخل السجن والحوارات الهادئة والمناقشات الطويلة التي كانت تستمر إلى ما لا نهاية. ففي السجن لك ما يكفي من الوقت ان تعبر عن افكارك، وكذلك لك ما يكفي من الوقت لكي تصغي وتنصت إلى ما يقوله الآخرون وتستوعبه. كانت هذه الجلسات السجنية تذكرني بالجلسات المطولة والهادفة بالهضبات الرملية بنواحي مرزوكة حيث كان شعارها “الجيمات الثلاث”: جمر وجماعة وجرة. ويقصد بالجمر الشاي، وبالجماعة مجموعة من الأحباب والأصدقاء، وجرة طول مدة الجلسة.

في اليوم التاسع فتح باب الزنزانة حوالي العاشرة صباحا فنادى حارس السجن على اسمي قلت أنا هو، قال لي اجمع حقيبتك وتفضل معي. لم يكن معي أي شيء حتى الحقيبة اليدوية التي كان لي فيها بعض الأوراق والكتب تركتها في المقهى عندما “لكطو عليا” على حين غرة. خرجت من الزنزانة وتوجهت مع السجان إلى قاعة كبيرة فتحها السجان وقال لي تفضل دخلت القاعة فإذا بي أرى صديقي المرشد السياحي جالسا على طاولة مستديرة الشكل وبجانبه الأمريكية التي أمسكت ذراعها وأنا نائم، عندما نظرت إليه غمزني فهمت من غمزه أنه يقول علي ان أتصرف كما لو أنني لا أعرفه، نحن المغاربة نفهم بعضنا البعض بسرعة ولو بالإيحاء. قبالة المرشد والأمريكية يجلس مدير السجن وهو يتفحص بعض الأوراق، نظر إلي وابتسم ابتسامة لها أكثر من دلالة ثم قال لي اجلس أستاذي. ثم قال لي: هذه الأمريكية جاءت إلى هنا بعد أن قدمت تنازلا عن الشكاية التي تقدمت بها ضدك وهذا المرشد السياحي جاء معها ليساعدها، جاءت بنفسها بعدما علمت انك أستاذ جامعي وتريد أن توصلك بنفسها إلى مقر إقامتك  بسيارتها.

مرة اخرى لم أفهم شيئا وأردت أن أنسحب من المشهد بهدوء كما يفعل الشرفاء عندما لا “يقشعون” شيئا، لكن هذه الشابة الأمريكية أرادت وألحت أن توصلني هي بنفسها وبسيارتها إلى مقر إقامتي. غريب ما يقع لي، من السجن وتهمة التحرش الجنسي إلى السيارة الفخمة التي تقودها الامريكية الشابة التي اشتكت بي لدى الشرطة !!!….. فهمت فيما بعد ان ذلك المرشد اتصل بالأمريكية بعدما سمع من نادل المقهى أنه رآني نائما قبل أن أشد على ذراعها وهو متأكد أنني لم أفعل ذلك بمحض إرادتي بل بتأثير النوم والحلم. فبحث عنها وشرح لها حقيقة الامرواقنعها بأنني رجل طيب كما قالت اميرتي وتلك الغجرية وهذا الصديق الجديد وأنني من المستحيل أن أتحرش بالنساء فهذا الفعل أستقبحه على غيري فكيف أرضاه على نفسي؟

إن هذا المرشد السياحي مغربي قح. لقد قام بمجهود جبار لإنقاذ “ولد البلاد” من مخالب 30 سنة من السجن وهذه خاصية المغاربة خارج المغرب حيث إنهم يتضامنون فيما بينهم إلى أقصى حد. نافذة السيارة مفتوحة على مصراعيها ويدي خارجها تريد قبض الريح الذي افتقدته في السجن وأنا أتأمل في هذه الغرائب والعجائب المتناقضة والمتسارعة. السيارة تسير وأنا بجانب أمريكية شابة وجميلة تقود بي سيارة فخمة وسط إشبيلية عاصمة الأندلس، تحملني إلى مقر إقامتي. لم يخطر في بالي إلا المثل المغربي الذي يقول “إذا عطاك العاطي ما تحفر ما تواطي”..

جلوسي بجانب هذه الشابة الأمريكية ذكرني بجلوسي مع أميرتي القرطبية لكن شتان بين الجلستين. فهذه الشابة الأمريكية عبارة عن كومة من اللحم لا تنطق إلا “بالهامبوركر” و”الكيتشوب” والميونيز”. أما أميرتي القرطبية فشيء آخر لا وجه للمقارنة بتاتا. كانت أميرتي تتحفني بأشعار جميلة وقصائد موزونة وحكايات رائعة لم أنسها طوال حياتي. تعلمت منها الشيء الكثير. كلامها حلو عذب سلس يتسرب إلى القلب بدون عناء ولا تكلف، نظراتها ثاقبة وحدسها صائب وفراستها صادقة، تشعرك بأنك إنسان لك قيمة وشعور وإحساس وأن لك دورا في هذه الحياة لا يتطلع إليه إلا أنت. عتابها لي ولكم له معنى وحلاوة، كما كانت من حين لآخر تبوح لي بأسراركم لو صرحت بها لأعادوني للسجن ثانية لكن لا باس، فالغجر علموني كيف لا أخاف وإن سجنت، سأحكي لكم كل ذلك في ما تبقى من الكتاب إن شاء الله، فصبرا جميلا.

 يُتبع…

عتاب بقرة قرطبية

رواية تحكي مأساة الأميرة الثائرة بالأندلس

عبد الوهاب إيد الحاج

 

 


شاهد أيضا