الحلقة الثانية من رواية “التطاونيات”: من اختطف فطومة؟ - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحلقة الثانية من رواية “التطاونيات”: من اختطف فطومة؟

بريس تطوان

المشهد الأول: من اختطف فطومة؟

الفصل الثاني

قال سلام: لا جديد يا أبي، فعلت المستحيل، أخبرت السلطات المحلية ورجال الأمن ونشرت إعلانات عبر عدة وسائل وزرت كل الأماكن والمؤسسات وتنقلت عبر عدة مدن لكن دون جدوى.

طلب سلام من أبيه وأخته أن يتفضلا إلى الصالون وما هي إلا لحظات حتى أتت حليمة بحلويات وشاي منعنع وبدأوا يتجاذبون أطراف الحديث عن فطومة وعن حال وأحوال تطوان. فرح سي عبد الصبور بوجوده في هذه اللحظة مع ابنه وابنته وحفيدته حليمة وأسعده كثيرا هذا التجمع الاسري الجميل، الذي كان قد افتقده لانشغال سي سلام وابنته حليمه في البحث عن فطومة.

وقبل أن ينفض الجمع سأل عبد الصبور: هل تشُكان في أحد يمكن أن يكون قد اختطف فطومة؟

لم يجب أحد فعم صمت رهيب.

ثم استرسل سي عبد الصبور قائلا: وهل تعلمان إن كان لفطومة أعداء أو حساد أو خصوم؟

قال سي سلام: أنت تعرف يا أبي أن فطومة كانت امرأة طيبة ومحبوبة عند جميع ساكنة تطوان فلم تؤذ أحدا قط، ولم يشتكمنها أحد طوال حياتها، كما أنها كانت مشغولة طوال أيامها بقراءة وتصنيف المخطوطات وصيانتها وتحقيق البعض منها إنها لم يكن لديها وقت لخلق عداوات، لهذا أنا لم أستسغ هذا الاختفاء وأثر في كثيرا. ثم انهار المسكين بالبكاء.

قال سي عبد الصبور: لا تقلق يا بني وعليك بالصبر، أنا أعرفك رجلا تتحدى الأزمات الصعبة.

أجاب سي سلام والدموع في عينيه: إلا غياب فطومة يا أبي فإنني لم أستطع بعد التغلب على هذا الكابوس، ففطومة كانت كل شيء بالنسبة إلي.

قال سي عبد الصبور: هذا قضاء الله وقدره يا بني، فقلوبنا تتقطع على غياب فطومة، وأنت تعرف أنها كانت مثل ابنتي وساعدتني كثيرا في عدة أعمال قامت بها هي بنفسها. لكن علينا أن لا نفكر بالعاطفة، بل علينا أن نفكر بعقلانية حتى نجد طريقا للوصول إلى فطومة وذلك لا يتم إلا بوضع بعض الأسئلة. هل أنتم معي في هذا الطرح؟

قالت حليمة: نحن معك يا جدي فأنت صاحب تجربة طويلة.

قاطعها سي عبد الصبور: لكنني هرمت يا حفيدتي ولم تعد لي الصحة الكافية للبحث بنفسي عن فطومة. لكن يمكن أن أساعدكم في رسم بعض الطرق المؤدية لفطومة عبر طرح بعض الأسئلة التي يمكن أن توصلنا إلى مكان وجودها. فمثلا سأضع السؤال التالي: من المستفيد من اختفاء أو اختطاف فطومة؟

قالت حليمة بسرعة: لا أحد يا جدي،

قال سي عبد الصبور: لا تتعجلي يا ابنتي في الإجابة، فكري قليلا.

سكت سي عبد الصبور قليلا وعم مرة أخرى صمت رهيب داخل المنزل.

فقالت البتول: منذ سنتين حكت لي فطومة عن أحد الاسبانيين وهو صاحب دار نشر كبيرة بمدريد كان يريد شراء منها بعض الوثائق والمخطوطات النفيسة التي ورثتها عن جدتها “راضية”، لكن فطومة كانت حاسمة في هذا الأمر ورفضت رفضا قاطعا. وهذا سبب لها مشاكل لأن ذاك الاسباني هددها مرارا وتكرارا وكان يستفزها من حين لآخر عبر بعض أصدقائه هنا بتطوان.

قال سي عبد الصبور: هذه معلومة مهمة وبالتالي بالنسبة لي هذا الطريق يجب اتباعه والبحث عن هذا الاسباني والتحري عنه وتقصي تحركاته فهذا طريق يِؤدي إلى فطومة. هل هناك من معلومة أخرى؟

سكتت حليمة قليلا ثم قالت: تذكرت أنني عندما أحرزت على أحسن جائزة في المسرحية التي قدمناها مؤخرا “مذكرات بريئة مدانة” قدم لي الجائزة أحد المسؤولين جاء من مدينة فاس وقال لي إنه يعرف أمي جيدا وسألني عن حالها. فاستغربت لهذا الغريب كيف يعرف أمي ويسألني عن حالها؟

قال سي عبد الصبور: جيد هذا الغريب يجب أن نعرف اسمه ونتتبع خطواته أيضا، فهذا أيضا طريق مؤد إلى معرفة مكانها.

فكر سي عبد الصبور مليا وقال: الاسباني والغريب الآتي من فاس، لا شك أن أحدا من هذين الرجلين يمتلك سر اختفاء فطومة. وأنا سأزيدكم طريقا ثالثا. زارني في الأسبوع الفارط أحد الأصدقاء القدامى يدعى عمر وقال لي إنه أحس أنه مطارد من بعض الناس، فأخبر أخاه بذلك فقال له هناك بحي “عقبة الحلوف” منزلا كبيرا وسط عرصة يدعى “جنان بريشة”، هذا المكان يوجد به الكثير من المعتقلين. والبارحة زارني أخ عمر ليخبرني أن أخاه قد اختفى وطلب مني مساعدته. فهذا أيضا طريق يؤدي إلى مكان اختفاء فطومة. وبالتالي لدينا الآن ثلاثة مسارات يمكن اتباعها للوصول إلى فطومة، المسار الأول ذلك الاسباني الذي استفز فطومة لتبيع له الوثائق والمخطوطات النفيسة، والمسار الثاني ذلك المسؤول الغريب الآتي من مدينة فاس والذي يقول إنه يعرف فطومة ويسأل عن حالها، والمسار الثالث هو معتقل “جنان بريشة”.

سكت سي عبد الصبور قليلا وأراد أن يستمر في حديثه لكنه أحس بعياء كبير ولم تطاوعه صحته على متابعة الحديث والتفكير وبدأ يسعل سعالا شديدا فطلب من ابنته البتول أن توصله الى منزله لكي يأخذ دواءه بعدما سلم على حفيدته حليمة وابنه سي سلام بحرارة وغادر المنزل.

في صباح الغد وبينما حليمة والسي سلام يتناولان وجبة الإفطار إذ بهما يسمعان طرقات قوية ومتسارعة على الباب ذهبت حليمة بسرعة وفتحت الباب فإذا بعمتها البتول تبكي بكاء قويا دخلت وسلمت بحرارة على سي سلام وقالت له البقية في حياتك يا أخي العزيز. فهم السي سلام أن أباه قد مات كما فهمت حليمة أن أعز إنسان لديها قد فارق الحياة.

الكتاب: التطاونيات

للمؤلف: د. عبد الوهاب إيد الحاج

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا