الحلقة الثالثة من رواية “مأساة الأميرة الثائرة بالأندلس” - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحلقة الثالثة من رواية “مأساة الأميرة الثائرة بالأندلس”

 

المشهد الثالث: في ضيافـة الأميـرة

 رغم ما سببته لي من مشاكل ما زلت متعاطفا مع هذه الأميرة ذات الصوت الجميل. كما وجدت نفسي وفيا لها، وهذه نقطة ضعفي، أبقى وفيا إلى آخر رمق ولا أكترث لعواقبه الوخيمة. لكن تعلمت فيما بعد أن هذا الوفاء هو الذي يعطي مصداقية لحياتنا وتفسيرا لوجودنا ونجاحا لعملنا وحلاوة ولذة لشغبنا. أما زلتم تذكرون كيف تدخلت الشرطة والمطافئ وحسموا بسرعة في وجود هذه البقرة المسكينة بالساحة الفسيحة بقرطبة فقط لأنها عبرت عن أفكارها ومشاعرها وأحاسيسها في الشارع وأمام الملأ. وكيف قيدوها بطريقة همجية لا تليق بأميرة عالمة وشاعرة ذات جاه وشأن أتت من عمق التاريخ الأندلسي، ووضعوها على ظهر شاحنة لا تليق بمقامها كأميرة ذات جاه وحسب ونسب ثم انطلقوا. لكن شيئا من الوفاء المغربي مازال بداخلي دفعني أن لا أتخلى عنها، فتسلقت الشاحنة خفية وارتميت بداخلها. ورغم آلامها أسمعتني ونحن داخل الشاحنة عتابا قويا وكررت قولها لي: أنتم شعب فقد ذاكرته. ابتلعت عتابها ولم أرد عليها مخافة أن أعمق جراحها وآلامها بعد كل ذلك التعذيب الذي تعرضت له. حينها عم صمت رهيب لمدة طويلة إلى أن استسلمت المسكينة  للنوم، ونامت مثل طفل صغير بعدما وضعت وجهها على كتفي !!

الشاحنة تسير والأميرة نائمة على كتفي بعدما تألمت كثيرا بما فعلوه بها، وأنا ممدد أمامها أنظر إلى السماء، ظهرت لي النجوم بسماء قرطبة أكتر جمالا وبهاء، لكنني أحسست كأنها تهنؤني على عملي هذا وعلى تضامني مع هذه الأميرة وشجعتني على أن أواصل هذا العمل  حتى أجد حلا لمشكلتها. لكن كيف يمكن أن أساعد هذه الأميرة؟ وكيف يمكن أن أخرجها من جسد هذه البقرة التعسة؟ فأنا جد جاهل بهذه الأمور ولا أفهم في هذه المواضيع. قد أفهم في حل عملية رياضية أو أن أساهم في تنمية مستدامة وأخفف من الفقر عن طريق سياحة مسؤولة وأشياء ملموسة، أما أن أخرج أميرة من بقرة فهذا موضوع لا أستوعبه ولن أستسيغه أبدا. فكرت أن أستعين ببعض الفقهاء لكن خفت أن أدخل في متاهات لا مخرجات لها كإصلاحاتنا التعليمية.

بدأت الشاحنة تسير بسرعة أكثر وأنا أتأمل في السماء وإلى الغيوم كيف تتحرك لكن ما أثار انتباهي صمود النجوم، فبرغم السرعة المفرطة التي تسير بها الشاحنة، وبرغم تغيرات الغيوم وتقلباتها تبدو لي ثابتة في مواقعها ومواقفها، ذكرني ذلك بمواقف رجالاتنا العظماء. نظرت إلى البقرة، ووجهها على كتفي، فوجدتها أكثر جمالا مما كانت عليه حين التقيتها أول مرة رغم المحن والإهانة التي تعرضت لها في تلك الساحة الفسيحة وأمام الملأ. حينها تذكرت ما قاله أحد الشعراء حينما كان في حرب شريفة يدافع فيها عن وطنه وكانت امرأته تساعده، وعندما التفت إليها وجدها ازدادت جمالا وبهاء رغم الحرب، فقال قولته الشهيرة: هل الحروب يا ترى تعمق السواد في العيون؟ حينها فهمت أن المعارك الشريفة يجب أن لا تنسحب منها لأنها هي التي ستزيدك سناء وبهاء وهناء ومصداقية وإن خسرتها.

يُتبع …

 

عتاب بقرة قرطبية

رواية تحكي مأساة الأميرة الثائرة بالأندلس

عبد الوهاب إيد الحاج

 


شاهد أيضا