الحكومة الإسبانية الجديدة بين الاستمرارية والتجديد - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحكومة الإسبانية الجديدة بين الاستمرارية والتجديد

كما توقعنا في مقال سابق تحت عنوان “الانتخابات التشريعية الإسبانية: النتائج والدروس”، تم يوم 16 نونبر 2023 إعادة انتخاب بيدرو سانشيز كرئيس للحكومة الإسبانية الجديدة ب 179 صوتا (من مجموع 350 صوتا) موزعة على أصوات ممثلي الائتلاف السابق بالإضافة إلى الأصوات السبعة لبرلمانيي الحزب الكاطالاني “جميعا من أجل كاطالونيا “Junts per Catalunya وصوت واحد لحزب التحالف الكاناري الذي غير رأيه واختار لأغراض براغماتية التصويتَ لصالح الحكومة.

أربعة أيام بعد ذلك، تم تقديم الحكومة الجديدة التي جاءت تحمل ثوابتا ومتغيرات:

1-الثوابت:

-نفس عدد الحقائب الوزارية كما سابِقتها أي ما مجموعه 22 حقيبة.

-نفَس أكثر من مُناصفاتي: 12 وزيرات مقابل 10 وزراء مع أربعة نواب لرئيس الحكومة كلهن نساء.

-استمرار ثلاثة من نائبات رئيس الحكومة وبنفس الحقيبة الوزارية: الأولى هي نادية كالفينيو-التقنوقراطية التي أشرفت على صياغة الشق الاقتصادي للمشروع الانتخابي لسانشيث رغم عدم انتسابها للحزب-كنائبة أولى ووزيرة للاقتصاد، الثانية هي جولانضا ديياث رئيسة تحالف “سومار” كنائبة ثانية وأيضا على رأس وزارة التشغيل، وطيريصا ريبيرا كنائبة ثالثة ووزيرة الانتقال البيئي وهي من الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني.

-تثبيت وزراء وزارات الدولة في مناصبهم: غرانضي مارلاسكا في الداخلية، آلباريص في الخارجية، مارغاريتا روبليص في الدفاع، مع منح نفوذ أكبر لفيليكس بولانيوس الذي كان وراء مقترح العفو والذي، بالإضافة لوزارة رئاسة الحكومة والعلاقات مع البرلمان، أُسندت إليه حقيبة العدل أيضا، ولو لم تُسند إليه كل هذه المناصب لأضحى أيضا نائبا لرئيس الوزراء.

-استمرار ماريا خيسوس مونطيرو كوزيرة للمالية والوظيفة العمومية مع تقلُّدِها أيضا لمنصب النائبة الرابعة لرئيس الحكومة مما يضعها في الدائرة المقربة لبيضرو سانشيث.

-إعادة الثقة في إيسابيل رودريغيث لكن هذه المرة كوزيرة للسكن وأجندة التعمير بدل وزارة السياسة الترابية وذلك من أجل تفعيل المشروع الذي أعلنه سانشيث في برنامجه الانتخابي القاضي بتوسيع وعاء السكن العمومي بنسبة 20 %.

-استمرار بيلار أليغريا في منصبها كوزيرة للتعليم مع إضافة مجال الرياضة وخلافتها لإيسابيل روضريكيث كناطقة رسمية باسم الحكومة لما يُعرف عنها من رصانة وصرامة أمام وسائل الإعلام في مرحلة دقيقة تستوجب إعمالا مستديما لمأثورة ابن المقفع: “الكلمة إذا نطقتُها ملَكتني وإذا لم أنطِقها ملكتُها”.

-بقاء لويس بلاناص في منصبه كوزير للفلاحة والصيد البحري والغذاء.

-تجديد الثقة في خوصي لويس إيسكريبا لكن هذه المرة كوزير للتحول الرقمي بدل الضمان الاجتماعي والهجرات.

-استمرار دييانا مورانط كوزيرة للعلوم والابتكار مع إضافة قطاع الجامعات التي كانت بيد حزب “بوضيموص”.

2-المتغيرات: ونعني بها التحاق وزراء جدد حسب التوزيع التالي:

*منالحزب الاشتراكي العمالي“:

– أوصكار بوينطي كمسؤول عن حقيبة المواصلات والحركية المستدامة وهو العمدة السابق لمدينة بلد الوليد والبرلماني الذي أَوكل إليه سانشيث النيابة عنه في الرد على رئيس الحزب الشعبي نونييس فييخو خلال النقاش الذي عرفته الجلسة الفاشلة لتنصيب هذا الأخير كرئيس للحكومة.

-آنا ريضونضو (النائبة السابقة لهذا الأخير أثناء توليه رئاسة عمودية بلد الوليد) كوزيرة للمساواة مما يعني استرجاع الحزب الاشتراكي العمالي لهذا الملف الذي خلقت المسؤولة السابقة عنه إيريني مونطيرو (من حزب بوضيموس) جدلا إعلاميا عقيما كاد يعصف بالتحالف الحكومي السابق وساهم بشكل كبير في تراجع عدد الناخبين لحزبها -كما للحزب الاشتراكي العمالي المترئس للحكومة- في الانتخابات الأخيرة بمختلف مستوياتها.

-جوردي هيريو عمدة برشلونة بين 2016 و2011 والرئيس السابق لهيسباصاط Hispasat وزيرا للصناعة والسياحة.

-آنخيل فيكطور طوريص ذو الأصول الكانارية كوزير للسياسة الترابية والذاكرة الديموقراطية.

-إيلما صاييث وزيرة للضمان الاجتماعي والإدماج والهجرات والتي تتوفر على تجربة كبيرة في المجال السياسي المؤسساتي بالإضافة إلى مرور موفق بالقطاع الخاص، وتنحدر من نفس الفيديرالية النافارية القوية للحزب الاشتراكي العمالي التي ينتمي إليها صانطوص صيردان الذي قاد المفاوضات بنجاح من أجل تنصيب بيضرو سانشيث وخاصة مع بوتشدومونط.

*من تحالف “سومار”:

-التحاق سيرا ريغو البرلمانية الأوروبية بالحكومة كوزيرة للشباب والطفولة. الجدير بالذكر أن هذه القيادية بحزب “اليسار الموحد” أمضت جزء من طفولتها بغزة ودافعت عما قامت به حركة حماس يوم السابع من أكتوبر 2023 بل وطالبت بطرد التمثيلية الدبلوماسية الإسرائيلية بإسبانيا مما أثار حفيظة إسرائيل. بهذا التعيين، تكون قد خلفت المنسق السابق لنفس الحزب ليس على مستوى الوزارة بل على مستوى الكوطا الحكومية المخصصة لهذا الحزب داخل تحالف “سومار”.

-بابلو بوسطيندوي كوزير للحقوق الاجتماعية خلفا لإييوني بيلارا والذي أضيف إليه قِطاعا الاستهلاك وأجندة 2030.

-إرينيسط أورطاسون من الحزب الكاطالاني “كومو” Comúكوزير للثقافة وهو رجل اقتصاد ودبلوماسي سبق له أن كان برلمانيا أوروبيا كما شغل منصب الناطق الرسمي لتحالف “سومار”.

-مونيكا كارثييا زعيمة “ماص مدريد” في السنوات الأخيرة كوزيرة للصحة وهي طبيبة وبرلمانية جهوية في برلمان مدريد وشغلت منصب الناطق الرسمي لفريق “سومار” بالبرلمان الجهوي لمدريد.

ومن خلال استقرائنا لهذه الأسماء القديمة والجديدة، يمكن استنتاج ما يلي:

-استمرارية على مستوى السياسة الاقتصادية بإبقاء كالفينيو -ولو أنها تعتبر أقوى مرشح لمنصب رئيس البنك الأوروبي للاستثمارات المزمع الإعلان عنه في نهاية هذه السنة ودعمِها بثلاثة عيارات ثقيلة وأعني بهن جولانضا دياث، طيريصا ريبيرا وماريا خيسوس مونطيرو.

-استمرارية على مستوى وزارات الدولة ونعني بها تثبيت الثقة في كل من القاضية ماركاريطا روبليص على رأس وزارة الدفاع للمرة الثالثة وهي التي تحظى باحترام كبير من طرف القادة العسكريين والتي عرفت ميزانية هذه الوزارة في عهدها ارتفاعا كبيرا، آلباريص وزيرا للخارجية للاستمرار في إدارة ملفات حساسة منها ملف المغرب والجزائر ونزاعي أوكرانيا و الشرق الأوسط، و كرانضي مارلاصكا الذي لم يكن ليعاد تنصيبه كوزير للداخلية لولا الدعم الخاص لبيضرو سانشيث بسبب الهجوم الحاد الذي تعرض إليه من طرف أحزاب وإعلام اليمين واليمين المتطرف من جراء تدبيره  لبعض الأزمات في مجال الهجرة وبالأخص لإيقافه لعدد من عناصر الحرس المدني.

-القوة النسائية لهذه الحكومة التي تضم أربعة نائبات لرئيس الحكومة وكلهن سياسيات من الطراز الرفيع وتجمعهن علاقة ثقة كبيرة مع بيضرو سانشيث.

-المستوى السياسي الكبير لمكونات هذه الحكومة والذي يتناسب مع فترة حكم قادمة تتطلب قدرة استباقية متميزة وتشبعا بثقافة الحوار والتفاوض نظرا للضغط الكبير الذي سيواجه هذه الحكومة سواء من خصومها أو حلفائها السياسيين. من هؤلاء نذكر على وجه الخصوص فيليكس بولانيوس الذي يُدعى “سمكري المونكلووا” لمهارته في تليين أصلب المواقف خاصة وأن على الحكومة تطبيق قانون العفو، مواجهة تبِعاته والحوار المستمر مع الفرق البرلمانية. أيضا، نذكر ماريا خسيوس مونطيرو المشهود لها بحنكتها التفاوضية عكس ما هو متعارف عليه لدى المسؤولين عن المالية، جوردي هيريو المعروف بلباقته وإدارته الكيِّسة للخلافات، وأوصكار بوينطي للسهر على تسليم إدارة خدمة قطارات القرب للحكومة الكاطالانية التي تم الاتفاق عليها مع حزب اليسار الجمهوري الكاطالاني.

-الرهان على السياسات الاجتماعية وخاصة ما تعلق منها بالسكن الخاص بالشباب.

– العزل الكلي والمُنتظَر لحزب “بوضيموص” الذي كما أشرنا إليه في المقال السابق وإن ظل وفيا لمبادئه اليسارية، شكل تلك الحجرة الصغيرة في حذاء الحكومة السابقة وشكل لها متاعب كبيرة فيما يخص القانون المتعلق بالحرية الجنسية المعروف ب((Solo sí es sí، حرب أوكرانيا، العلاقة مع المغرب والموقف من جبهة البوليزاريو، القانون الخاص بالمتحولين جنسيا، قانون السكن، قانون زيادة الإنفاق في المجال العسكري، قانون إصلاح الشغل، وغيرها، مما أثر بشكل سلبي على صورة الحكومة السابقة لدى الرأي العام.

وكما أشرنا أيضا في المقال السابق، فإن المقاربة السلمية لبيدرو سانشيث لمشكلة الانفصال في كاطالونيا أتت أُكلها مرات عديدة. من جهة، ساهمت في تهدئة المناخ الملتهب في كاطالونيا الذي تسبب فيه تصلب الحزب الشعبي (حكومة ماريانو راخوي) التي بدَل العمل على فض النزاعات عبر التفاوض السياسي آثرت الإفراط في إعمال القانون والرجوع إلى القضاء. بفضل هذا المنحى السلمي التفاوضي، استطاع الحزب وخاصة فيديراليته الكاطالانية PSC  بقيادة سالفادور إييا الفوز ب19 مقعدا من أصل 48 بوأته المرتبة الأولى بفارق كبير على منافسيه ولولاه لما استطاع الحزب الاشتراكي العمالي تحقيق ما وصفه المحللون السياسيون بالمعجزة الانتخابية.

لذلك، قد يبدو ظاهريا أن الخاسر الأكبر في هذه التشكيلة الحكومية الجديدة–هما الرجلان اللذان ساهما في حلحلة المعضلة الكاطالانية وأقصد بهما:

1-سالفادور إييا الذي على عكس جميع التوقعات- لم تفز فيدراليته سوى بمقعد حكومي وحيد في شخص رجل ثقته جوردي هيريو الذي ظفر بمنصب وزير الصناعة والسياحة. أقول ظاهريا لأنه إذا كان من المفترض أن تحصل الفيديرالية الاشتراكية الكاطالانية على الأقل على منصبين أو ثلاث مناصب حكومية إذا ما قارنا ما حصل عليه مع نتائج تحالف “سومار”، فإن العكس هو ما حصل أي أنه تم تقليص عدد مقاعدها الوزارية للنصف مقارنة مع الحكومة السابقة (حقيبة وزارية بدل اثنين). بيد أن الظاهر شيء والباطن شيء آخر لأن الحزب الاشتراكي الكاطلاني وإن آلت إليه حقيبتا الثقافة والمواصلات في الحكومة السابقة فإن هاتين الوزارتين فقدا أهميتهما بفعل تحويل اختصاصاتهما للجهات عكس وزارة الصناعة. صحيح أنه كان بالإمكان الحصول على مقعد أو مقعدين إضافيين، لكنها ليست أولوية سالفادور إيييا الذي زادت قوته من جهة على المستوى المركزي للحزب كما أنه يُعِدُّ العُدة للظفر برئاسة الحكومة الكاطالانية خلال انتخابات سنة 2025خاصة بعد النتائج المهمة التي حصل عليها الحزب على مستوى الانتخابات البلدية الأخيرة والتي تعتبر محورية للظفر بهذا المنصب وبالتالي حلحلة الإشكالية الكاطالانية من الداخل.

2-صانطوص صيردان الذي يتبوأ المنصب الثالث في هرمية الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والذي ساهم -بشكل كبير بمعية فيليكس بولانيوص-في تنصيب بيضرو سانشيث بإدارته الناجحة للمفاوضات مع عدد من قياديي أحزاب التحالف البرلماني وخاصة مع بوتشضومونط زعيم Junts per Catalunya. لكن يبدو أن المرحلة المقبلة التي تحتاج إلى رص الصفوف داخل الحزب جعلته يوثر الاستمرار في منصبه كمسؤول عن التنظيم -وما أدراك ما التنظيم-بالإضافة إلى حصول الفيديرالية النافارية التي ينتمي إليها على مقعد حكومي في شخص إيلما صاييث كوزيرة للضمان الاجتماعي.


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.