الحسرة على ما ضاع.. ضياع أيضا! - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحسرة على ما ضاع.. ضياع أيضا!

يقال أننا لا نعرف قيمة ما نملك إلا بعد أن نفقده، لكننا في الواقع نعرف قيمته .. غير أننا لم نتصور أبدا أننا قد نفقده يوما .. هذا ما يمكنه أن يحدث معنا ونحن نشاهد حياتنا الاعتيادية خلف نافذة الذكرى، إذ لم نتوقع يوما أن يصبح فنجان القهوة الصباحي في المكان الذي نحبه حلما، والفضاءات التي نزورها بشكل يومي … أمنية، الأشخاص، الأصوات، حتى الروائح.. هي أشياء نتخبط فيها كل يوم، نعيش بها وفيها وبداخلها… ولم نظن أنها يمكنها أن تنفلت من بين أيدينا يوما.
في حديثي مع صديقتي، ذات مساء من المساءات البيتية الكورونية، ونحن نسترسل ما فعلناه طيلة اليوم بالتفاصيل المملة، استوقفتني قائلة: أ تعلمين.. أحدثك وأشاهد روبورتاجا يعرض اللحظة على التلفاز وتفاجأت بجمال بعض المناطق المغربية وسحرها .. كيف لم نكن نرى هذه الأماكن ونحن أحرارا؟ كيف جعلنا من لحظات كان بامكانها أن تكون ذكرى، حسرة اليوم،؟
نعم عزيزتي، لقد لخصت الطبيعة البشرية، في جملة واحدة، نحن هكذا دوما، يحدث أن نتشرب الزبد ونتغاضى عن الأعماق، ثم نحلم بالزرقة وقد اجتاحنا الجفاف… نحن مخلوقات تنوح خلف شخص ميت كان أبعد منها بعد السماء عن الأرض .. ثم تهدي قبره ورودا وقد نسيت ملامح وجهه من عمق الغربة بينها وبينه… نمارس أنانيتنا على الآخر ونتجبر ربما، ثم نجلس القرفصاء ونرثي اللحظات الجميلة التي قضيناها معا… نهمل الورد إلى أن يجتف رحيقه ثم نقول يا ليتنا بادرنا بالري في الوقت المناسب…هكذا نحن .. هذا الأمر ليس بالغريب عنا، ولن يكون.
تأخذنا عجلة الحياة ونركض نحو القادم وقد تجاوزنا ما بين أيدينا من لحظات، لنظفر جدائل شيبنا في النهاية ونقول يا ليت الشباب يعود يوما.. لأخبره ما فعل بي المشيب.. ونحن لا ندرك أننا نضيع المشيب هو الآخر في التحسر على الشباب، ولا استمتعنا بالشباب ولا استغلينا فترة المشيب… هذه حكاية البشرية فوق الأرض، تعيش أزمنة مختلفة في زمن واحد، وتفسد يومها بكاء على الماضي وتفكيرا في القادم..
وفي كل مرة نشد فيها الرحال نحو الحياة، ننسى في طريقنا إليها أن نعيش، ننسى كيف يمكنها أن تضيع منا بين لحظة وثانية.. كيف يمكنها أن تصير سرابا.. أن تتلاشى أمامنا .. وأن تصبح الحسرة على ما ضاع منا ضياع أيضا.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

دع الأيام تفعـل مـا تشـاء
وطب نفساً إذا حكم القضـاء
ولا تـجزع لحادثـة الليالـي
فما لحوادث الدنيا بقـاء
وكن رجلاً على الأهـوال جلدا
وشيمتك السماحـة والوفـاء
(…)
ورزقك ليس ينقصـه التأنـي
وليس يزيد في الرزق العناء
ولا حـزن يـدوم ولا سـرور
ولا بؤس عليـك ولا رخـاء
إذا ما كنت ذا قلـب قنـوع
فأنت ومالـك الدنيـا سـواء
ومن نزلـت بساحتـه المنايـا
فلا أرض تقيـه ولا سمـاء
وأرض الله واسـعـة ولكـن
إذا نزل القضاء ضاق الفضاء
دع الأيام تغـدر كـل حيـن
فما يغني عن الموت الـدواء


شاهد أيضا