الحرية.. و التساؤلات الصغيرة ! - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحرية.. و التساؤلات الصغيرة !

منذ أن وعيت على الحياة وبدأت مداركي تتوسع، وأنا أسمع بالحرية كغيرها من المفاهيم التي تزرع التساؤلات في نفوس الصغار..

في بداية الأمر وكغيري من الأطفال في سني لم تكن دائرة أبحاثي عميقة، فكل ما كان بوسعي فعله هو إنتشال إجابات من فم والداي… ولا يزال الجواب الأول على سؤالي الكبير يحتل حيزا بين مكتسباتي، “الحرية هي أن تقومي بكل ما تريدينه دون أن تؤذي الآخر”.. جواب مقتضب لم يشبع نهمي المعرفي.. ثم كيف يمكن لمفهوم أسمعه يتردد على مسامعي باستمرار! أن يكون بهذه البساطة التي أخبروني بها؟!!!..
ولعل طفولتي عايشت فترة حبلى بالحريات التي يناضل خلفها عدد من المهتمين بالشأن الإنساني والاجتماعي..
فكان لابد وأن أسمع هذه الكلمة في أخبار الظهيرة كلما جلسنا ملتمين حول وجبة الغداء.. وكانت الكلمة ذاتها تأخذ حصة كبيرة في برامج المساء على القنوات المغربية…

لأكبر وتكبر معي تساؤلاتي الصغيرة، ويتضخم بداخلي النهم المعرفي، والذي وجدتني أحاول إشباعه من جديد في حصة للتربية الوطنية، هناك حصلت على إجابات كبرى باستفاضة أكثر.. وأدركت أنذاك أن حريتي تنتهي عندما أمس حرية الآخر.. ولعل أهم ما ميز الدرس أنذاك هو عدد الحريات التي أتمتع بها كإنسانة، وكان أجملها بالنسبة لي حرية التعبير عن أفكاري ومشاعري ومكنوناتي الداخلية، دون المساس بأي حق للآخر.. وكم كان جميلا بالنسبة لطفلة تعشق الكتابة والتعبير أن تسبر أغوار روحها وعقلها دون أن تجرح أو تسيء أو تؤذي الآخر…

جميل أن نتعلم هكذا قيم ومبادئ في طفولتنا، وسيء جدا أن نصطدم بالواقع وقد صرنا أباء ومعلمين ومربين لنتساءل من جديد، كيف سنتصرف الآن؟ هل ستنجح محاولاتنا في تنشئة جيل سليم.. والعالم من حولنا يشهد حروبا تقوم على عدم احترام الإختلاف البشري؟ ..
جميل أن نسعد بتطبيق ما اكتسبناه في البيت والمدرسة من أخلاق وسلوكيات تجاه الآخر ومعتقداته، ومحزن جدا أن يدوسك ذاك الآخر ويمُسك في دينك ورسولك وما تعتنقه من معتقد.. فتجهل طريقة الرد عليه! هل تعامله بالمثل؟ وأنت الذي تنتمي لدين الإسلام والسلام والذي يحثك على التسامح الديني… أم تتجاهله وذاك ما لا يمكنك القيام به بثاثا لأن الإساءة لم تلحقك أنت كفرد فقط بل طالت المبعوث الأمين والذي تشهد به كمسلم حينما تشهد بالإله الأحد …!!!

الحديث عن الإرهاب لا يمكنه أن ينحصر في الجرائم المنسوبة إلى الإسلام ظلما، والتي سَقت الإسلاموفوبيا سُمّا وساهمت في استفحالها…
الإرهاب إساءة لفظية أيضا، سلوك مشين، تطاول على المعتقدات الدينية للآخر وتعدٍ على أسس دينه…
فلا يمكن للدولة التي سمحت بنشر الرسومات المسيئة لسيد الخلق، أن تدعي ممارستها للحرية وقد مستنا كمسلمين.. لا يمكن لها أن تُدين الإرهاب وتطالب بالسلم والسلام وقد أزاحت الستار عن أفكارها الظلامية… لا يمكنها أن تعتلي المنابر في شخص مسؤوليها وتشجب التطرف وتتظاهر بالإنسانية وهي التي تجهل التسامح بمفهومه الشمولي العميق…

إن ما يحدث أمام أعيننا كمسلمين، ومع اقتراب ذكرى المولد النبوي، لهو أكبر دليل على أن الإسلام بريء مما ينسب إليه في الدول الغربية، من إرهاب وتطرف وكراهية، إذ أن الشرذمة التي تدعي انتماءها للإسلام ما هي إلا نتيجة لفكر ظلامي اقتات على سفاسف التدين…
وأن الإرهاب الحقيقي هو البغضاء الدفينة التي تنفجر بين الفينة والأخرى وتنهمر كالشلال الكاره الحاقد…
وإن رسولنا الكريم أكبر من أن يساء إليه برسم خطته يد مريضة، متطرفة وإرهابية، يد خائفة وجبانة، ولو كان بيننا اليوم، لرد عليه أزكى الصلاة والسلام بالصبر، فلَصَبر على ما يقولون ولهَجرهم هجرا جميلا كما كان يفعل عند أذيته تنفيذا لأوامر الله عز وجل، كيف لا! وهو من وصفه من عايشه وتعامل معه فقال: “يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما”.

فيا ليت المفاهيم التي تعلمت في الأمس كانت أشبه بالواقع الذي أعيش، ويا ليت الطفلة التي كنت، عاشت ما لقنوها بالفعل بعد الكبر..!

 


شاهد أيضا