الحرب على غزة: سوابق ولواحق - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحرب على غزة: سوابق ولواحق

التاريخ يعيد نفسه. هذا خطأ من أخطاء التاريخ

شارل داروين

 

إذا كان للحرب الروسية الأوكرانية وقع كبير على ثمن الطاقة، على نسبة التضخم والاقتصاد بشكل عام، فإن الحرب على غزة ما فتئت تُحدِث انقسامات وشروخا داخل المجتمعات في العالم بأسره في سياق دولي يتميز بإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية الدولية.

وإذا نظرنا إلى اصطفافات المنتظم الدولي حول الحرب على غزة، جذورها التاريخية وفاعليها الرئيسيين، يمكن أن نقول بأنها حلقة جديدة من حلقات مسلسل إنهاء الاستعمار فيما يسمى اليوم بالجنوب الكبير، فك الطوق عن المنظومة الغربية، والخروج عن قطبية جيوسياسية بدأت منذ سنة 1945.

هذا التوق إلى حلحلة التوازنات القديمة تنامى بشكل كبير في العقود الثلاثة الأخيرة وخاصة في العديد من الدول العربية نتيجةَ الإحساس بالمهانة من جراء التدخل الصارخ للمعسكر الغربي بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص في هذه الدول والعبث بمواردها البشرية والمادية. ويمكن ذكر الحرب على العراق سنة 1991، إسقاط نظام صدام حسين سنة 2003 بذرائع واهية، والحرب على سوريا وليبيا كأمثلة على هذا التدخل المُفرط واللاشرعي.

بالإضافة إلى الخسائر الهائلة في صفوف المدنيين، أدت هذه الحروب الظالمة إلى إغراقِ هذه الدول المذكورة في الفوضى والتخلف، زرعِ بذور الإرهاب الذي طال شعوبها بالدرجة الأولى، وذرِّه في مختلف بقاع العالم معقِّدة بذلك إمكانية كبح جماحه وتعطيل مفعوله المدمر. أيضا، ساهمت هذه الحروب في منح سوريا والعراق لإيران في طبق من ذهب وأوضحت بالملموس رهان الغرب على الإسلام الشيعي.

مثال آخر: الحرب التي قادها حلف الناتو على ليبيا سنة 2011 والتي، بالإضافة إلى تقسيم البلد والعودة به القهقرى، كانت السبب الرئيسي في انتشار المخزون الكبير من الأسلحة التي كان يتوفر عليها نظام القذافي في بلدان الساحل مزعزعة بذلك أمنها واستقرارها.

أيضا، يمكن اعتبار طريقة تعامل المحكمة الجنائية الدولية تجاه الحرب التي تشنها إسرائيل على أهل غزة مثالا صارخا آخر على مبدأ الكيل بمكيالين وغض الطرف عن المآسي التي تتعرض لها الشعوب العربية الإسلامية. كلنا يتذكر أنه أسابيع قليلة بالكاد بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، انتقل المدعي العام لهذه المحكمة إلى كييف للتحقيق في الجرائم التي اقترفها الجيش الروسي في حق المدنيين الأوكرانيين، بينما لم نسمع ولم نر شيئا من هذا القبيل في حرب غزة على الرغم من سقوط الآلاف من القتلى والجرحى. أكثر من ذلك، لم تقم هذه المحكمة بأي شيء يذكر تجاه المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في هذا القطاع أثناء حرب 2014.

لهذا، مع كل يوم يمر، يتأكد مليار وثمانمائة مليون شخص بأن مفهوم عالمية حقوق الإنسان يخص شعوبا وأعراقا دون أخرى.

هذه الأمثلة -من بين أخرى-تفسر من جهة الإحساس بالظلم الذي ما فتئ يتقعد في نفوس الشعوب العربية والمسلمة وتغلغلَه في فكرها، ومن جهة أخرى، بأن العنف المُمنهج والمُفرط للغرب في هذه الدول لا يؤدي إلا إلى مزيد من الحقد والرغبة في الانتقام من هذا الغرب.

وإذا كانت هناك من عبرة يمكن أخذها من تاريخ النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، فهي أن الانتصارات الكبرى عابرة وبأنها تترك مع مرور الزمن طعما مُرا في الفم. وبالفعل، إذا كان نصر إسرائيل في حرب يونيو 1976 ساحقا، فإن الأراضي التي ضمتها خلال هذه الحرب الخاطفة تنوخ بكلكلها اليوم على الدولة العبرية مُغرِقة إياها في صراع معقد مع جيرانها ومع سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة.

حين أعلن جمال عبد الناصر عن رغبته في فرض حصار على ميناء إيلات، عارض رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي إيشكول (1969-1963) بشدة رغبة جنرالات الجيش الإسرائيلي في الهجوم الوقائي على مصر. “لا يمكن أن نرد ظلما بظلم” ! أجابهم.

بقراره هذا، تعرض الرجل لحملة مُغرٍضة ليس فقط من طرف الصحافة والرأي العام بل حتى من داخل حزبه، ولكنه مع ذلك، ظل على موقفه رافضا بشجاعة مثل هذا الظلم انسجاما مع قناعاته وانطلاقا من الفكرة التي كانت له حول دولة إسرائيل. كأمير محترٍز، كان يعرف بأن أخطر ما يمكن لقائد أن يواجهه هي الأحداثَ التي يصنعها بنفسه كرد على تهديد أو استفزاز من أعدائه، وبأن أي رد فعل تحت طائلة الغضب والرغبة في الانتقام دون التفكير في عواقبه ستجعله يفقد السيطرة على الأحداث التي يسببها رد الفعل هذا.

هل هذا يعني أن القائد السياسي لا يجب أن يتصرف إزاء التهديد والعنف؟ قطعا لا.

ماكيافيلو، تلميذ أبي جعفر الصقلي، كان يحلو له أن يردد بأن الأمير لا يجب أن ينظر فقط إلى المشاكل الراهنة بل اجتناب تلك التي قد يُنتجها المستقبل. لذلك، بدل أن يتصرف حيال الحدث الأول، عليه أن يوظف جميع جهوده لاجتناب حدوثه.

وهذا الضبط ما لم يفعله ناتانياهو!

لأسباب شخصية وانتخابية، ساهم بشكل كبير في وقوع أحداث السابع من أكتوبر دون أن يُقدِّر بأن هذا سيفضي به إلى متاهة قد يعرف متى سيدخل إليها لكنه لن يعرف أبدا متى وكيف سيخرج منها.

بمعارضته للهجوم على مصر الذي كان موشي دايان وجنرالات أخرون يريدونه في أقرب وقت، كان هدف إيشكول هو اجتناب السقوط في مثل هذا الشَّرَك. ولذلك أنصفه التاربخ لأن تلك الحرب الوقائية ضد مصر كانت بداية لعدد من الأحداث: ظهور منظمة التحرير الفلسطينية، حرب كيبور سنة 1973، الانتفاضات المتتالية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، تنامي الإسلامي السياسي في فلسطين وظهور حزب الله في لبنان وأخرها أحداث السابع من أكتوبر والحرب الحالية في غزة.

بإصرارها على الاستمرار في قصف غزة بطريقة متوحشة، على منع الطعام والشراب والأدوية على أهل غزة وتحويلها إلى مقبرة ليس فقط للأطفال كما قال أنطونيو كوطيريش بل للقانون الدولي (قانون الحرب والقانون الإنساني)، أضحت إسرائيل تفقد روحها كل يوم كما تفقد مدعميها ومناصريها. هل علينا أن نذكر مرة أخرى بأن مزيدا من العنف لن يخلف إلا أحداثا جديدة وكراهية أكثر، بأنه إذا تم استعمال الحجر في الانتفاضة الأولى فقد انتقل الفلسطينيون بعدها إلى استعمال الكالاشنيكوف وإلى طرق غير مسبوقة وأكثر دموية في السابع من أكتوبر الأخير؟

لقد حاربت إسرائيل جيرانها العرب مرات ومرات: 1948، 1956، 1967، 1973 و1982. مع مصر استطاعت التوصل إلى اتفاق سلام لا يزكيه الشعب المصري مثلما لا تزكي شعوب الدول الأربعة التي وقعت اتفاقيات أبراهام هذه الاتفاقيات -ولن تزكيها- ما دامت لا تحترم حقوق الفلسطينيين.

ضد هؤلاء، خاضت إسرائيل حروبا عديدة: 1987، 2000، 2002، 2008، 2012 و2021، ومنذ السابع من أكتوبر وهي تقصف وتدمر قطاعا 75% من سكانه هم أحفاد من عاشوا نكبة 1948.

صدق أ. هاكسلي حين قال بأن “أكبر درس يقدمه لنا التاريخ هو أن لا أحد يعتبر من دروسه”.

وحين نرى رعونةَ حكومة ناتانياهو، مقتَه للحياة، حياة الإسرائليين كما الفلسطينيين، وإصرارَه على اصطدام الذاكرتين، تحويل إسرائيل إلى عدوة العالم وفتح علبة الباندورا لتخرج منها أشباح معاداة السامية على المستوى الدولي، يتأكد لنا بأن بنيامين وحوارييه المتطرفين سيُحوِّلون الشعار الذي تبثه وزارة السياحة الإسرائيلية إلى: “زورا إسرائيل قبل أن تزوركم”!

لذلك، على دولة إسرائيل والإسرائليين العقلاء أن يفهموا بأن أم المعارك هي السلم مع الفلسطينيين وهذا الأخير يمر عبر حل الدولتين، الحل الوحيد الذي يحظى بدعم المنتظم الدولي حتى لو حاربه ناتانياهو كما حماس. عدم الاعتراف بهذا الحل والعمل على نسفه يعني فقدان الذاكرة والإدمان على خداع الذات.

ليس ثمة شك بأن الوضعية الحالية شديدة التعقيد، لكنه بنزع سلاح حركة حماس وتغيير حكومة ناتانياهو بحكومة أخرى يقودها بيني غانتس أو يائير لابيد يعود الحل ممكنا أكثر من أي وقت مضى.

أن تستمر قناة الجزيرة في تل أبيب وغزة في بث صور وفيديوهات وتعليقات مضادة لإسرائيل، أن تلُح الولايات المتحدة على ضرورة عدم قطع الإنتيرنيت على غزة، أن يتنامى على مواقع التواصل الاجتماعي بل حتى في المدارس الأمريكية الخطابُ الذي يشَبِّه إسرائيل بدولة الميز العنصري السابقة في جنوب إفريقيا، أن يتم السماح بعرض لافتات من قبيل “من النهر إلى البحر، عاشت فلسطين حرة” في المظاهرات بالمدن الأمريكية والأوروبية، أن يصرح الرئيس الأمريكي مؤخرا بضرورة حل الدولتين، إلخ. ما هي إلا مؤشرات تعكس ما تخطط له الدولة العميقة في أمريكا لمستقبل هذا النزاع بعد انتهاء الحرب على غزة.

إن منطقة الشرق الأوسط منطقة محورية بالنسبة للرهانات الجيوسياسية القادمة للولايات المتحدة الأمريكية وخاصة في نزاعها المفصلي مع الصين فيما يتعلق بمشروع طريق الحرير، والقضية الفلسطينية هي بُؤبُؤه. أمريكا تعي جيدا بأن حل الدولتين هو الوحيد الذي من شأنه أن يوقف مسلسل الخروج عن التبعية للغرب الذي تكلمنا عن أسبابه ودواعيه في بداية هذا المقال.


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.