الجريمة في علاقتها بالمرض النفسي - بريس تطوان - أخبار تطوان

الجريمة في علاقتها بالمرض النفسي

يساعد العلم القضاء على فهم بعض الأسرار الخفية في السلوك الإجرامي، حيث يستعين جهاز القضاء بالخبرة الطبية لتعضيد الرؤيا القضائية بمعطيات دقيقة عن شخصية المجرم وطبيعة الدوافع التي تقوده لأن يرتكب فعلا خطيرا يسبب به أذى لمن يحيطون به أو يصادفهم في طريقه وهو في أوج شهيته الإجرامية، لكن لا يمكن للعلم وعبر الخبرة التي يقدمها للقضاء أن يحل محل القضاة، أن ينوب عنهم في الحكم على أفعال المجرم هل هي قصدية إرادية أو نفسية مرضية. العلم يحلل، يفسر، يربط بين السلوك والخلفيات النفسية، بين المجرم والواقع، بين الفعل والوعي واللاوعي، بين الرغبة والإرادة، بين الصدفة والقصدية، بين المرض والسواء في الأفعال الإجرامية… هنا ينتهي دوره ليفسح المجال للخبراء القضائيين والجنائيين أصحاب الخبرة المهنية لبناء تصور متكامل عن المجرم قبل الحكم عليه…
تظل التقارير العلمية المتعلقة بدراسة وفهم السلوك الإجرامي مرجعا أساسيا قد يؤثر في الحكم القضائي لكن ليس بطريقة جوهرية، بحيث قد يستأنس القضاة ببعض العناصر النفسية أو الاجتماعية لتكوين رؤيا شمولية حول شخصية المجرم وهو ما يسمونه بالركن المعنوي في الجريمة، لكن لن يصل ذلك إلى مستوى البحث عن مخرج يبرئ المجرم من خلال توسل مبررات سيكولوجية تجعله غير مسؤول عن اقتراف جرمه. ، وحده المخبول والمعتوه والمجنون من لا يمكن متابعتهم بأفعالهم لأنهم مرضى عقليين مرفوع عنهم القلم بلغة الشرع، والخبرة الطب النفسية لا تجد مشكلة أو صعوبة في تشخيص حالة هؤلاء المرضى..
لكن في الحالات التي يختلط فيها الفعل الإجرامي بالهوس الجنسي، او بالشهية الجنسية المرضية نصبح أمام منحى آخر، لم نكون أمام مريض بالمعنى المعروف والمحدد علميا في الطب النفسي، أي ما يسمى ب “الذهان”، personnalité psychotique ، بل قد نجد أنفسنا في خضم الشخصية العصابية personnalité névrotique وهي الشخصية التي تعيش بيننا، تعمل، تنتج، تلتزم بكل الطقوس والعادات، لكنها تخفي بشكل واعي معاناتها النفسية، أي أن المريض بالعصاب يعرف أنه مريض، لكنه وحسب نظرية فرويد يمارس نوعا من الكبت لإخفاء مرضه النفسي، قد يكون ناجحا في حياته الدراسية والمهنية وقد يتزوج وينجب أطفالا، لكنه يتمتع بآليات دفاعية تحميه من أن يفتضح أمر مرضه النفسي، أما الشخص الذهاني فهو نمط مرضي آخر، هو الشخص الذي نسميه بالدارجة “الأحمق” هو الذي فقد علاقته الطبيعية بالعالم الخارجي، أي الذي لا يعرف أنه مريض، ينكر أنه مريض، أي أن آلية دفاعه هي الإنكار، لأنه لا يدرك أنه مريض وهو في حاجة إلى علاج، كالوسواس القهري، والفصام، والاكتئاب النفسي.. في هذه الحالة نكون فعلا أمام شخص مريض بمرجعية طبية علمية متفق عليها طبيا واجتماعيا، لكن في حالة الشخص العصابي نكون أمام إنسان يعرف نفسه ويتعرف على أفعاله وقيمتها الأخلاقية، لم يفقد إرادته، يعرف أنه قد يؤذي الآخرين إذا ترك شهيته الجنسية المضطربة تتحكم به، أي أنه قادر على ضبط ولجم دوافعه المرضية، وبالتالي يصبح مسؤولا عن أفعاله الإجرامية حالما يقترفها.
من هنا ليس كل من فقد سيطرته على أهوائه المرضية يعتبر مريضا نفسيا ينبغي أن يستفيد من الخبرة الطبية لتخفيف الحكم القضائي أو إحالته على الاستفادة من العلاج النفسي، حيث أن كل الناس يعانون بدرجات متفاوتة من الناحية النفسية باعتبار تنشئتهم الاجتماعية وظروفهم الأسرية ونوع الممارسات التي تعرضوا لها في صغرهم، والصدمات القوية التي تعرضوا لها، لكن ذلك لن يعفيهم من تحمل تعبات أفعالهم حينما تصبح في دائرة الإجرام… من هنا يمكن لنا فهم حدود العلم في التأثير على الأحكام القضائية التي تظل سيدة نفسها ومراجعها الضابطة لعملها، فالقانون لا يرفع بالخبرة الطبية أو الاستشارة الاجتماعية، وإلا أصبح كل مجرم مشروع مريض نفسي وبعده شخص حر طليق.


شاهد أيضا