منذ ملحمة قطر 2022، لم يعد اسم المغرب يمر عابرا في نشرات الأخبار، بل صار حديث العالم وإعجاب الملايين. لم يكن ذلك الإنجاز الكروي التاريخي وليد الصدفة، بل ثمرة تلاحم نادر بين مغاربة الداخل وأبناء الجالية المغربية في الخارج، الذين شكلوا العمود الفقري للمنتخب الوطني، حضورا، وتأثيرا، ووفاء.
لقد لبى أبناء الجالية نداء الوطن دون تردد، حملوا القميص الوطني بقلوب نابضة بالانتماء وحب الوطن، ورفعوا راية المغرب في أكبر محفل كروي عالمي. وبفضل هذه المساهمة التاريخية، ارتفع الرصيد الرمزي للمغرب دوليا، وتحول إلى نموذج ملهم لدولة قادرة على توحيد أبنائها مهما تباعدت الجغرافيا.
هذا المشهد يجعلنا نعتز بذلك التلاحم الصادق بين مغاربة الداخل والخارج، تلاحم أثبت أن الهوية المغربية لا تقاس بمكان الإقامة، بل بعمق الانتماء والوفاء والاستعداد للعطاء.
لكن، أمام هذا النجاح الرياضي الباهر، يفرض سؤال نفسه بإلحاح:
لماذا يفتح الباب على مصراعيه أمام أبناء الجالية في الرياضة، بينما يغلق أو يضيق في وجههم في السياسة ؟
لماذا نقول: أهلا وسهلا بكم في الملاعب، ونقول في المقابل: عذرا السياسة شأن داخلي؟
أليس أبناء الجالية مواطنين كاملي الحقوق؟ أليس من حقهم المشاركة السياسية الحقيقية، كما ينص على ذلك الدستور المغربي؟
لماذا لا يقوم المسؤولون المغاربة بالبحث والتنقيب عن الكفاءات السياسية والعلمية والفكرية داخل الجالية كما يفعلون في كرة القدم؟ فبين ملايين المغاربة بالخارج، توجد أطر عليا، وخبرات سياسية، وأكاديميون، وباحثون، ومسؤولون منتخبون في دول الإقامة، راكموا تجارب ديمقراطية ومؤسساتية من شأنها أن تشكل إضافة نوعية حقيقية للمغرب.
ولا يختلف اثنان على أن الجالية المغربية بالخارج تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، عبر تحويلاتها المالية، ودعمها لعائلات واسعة داخل المغرب، فضلا عن مساهماتها الاجتماعية والثقافية، وانخراطها الفعال في المجتمع المدني، داخل الوطن وخارجه.
فإلى متى سيبقى الحق الدستوري في المشاركة السياسية مجرد نص جميل، وحبر على ورق؟
وإلى متى سينظر إلى الجالية كمصدر دعم اقتصادي ورياضي فقط، دون الاعتراف بدورها كشريك كامل في صنع القرار؟
إن الاستثمار في أبناء الجالية المغربية سياسيا ، من خلال إشراكهم الحقيقي في المؤسسات التمثيلية وصنع السياسات العمومية، قد يحقق نجاحات تفوق بكثير ما تحقق في الملاعب. فالمجد الرياضي لحظة فخر، أما المشاركة السياسية فهي بناء مستدام لمغرب أقوى، أكثر عدلا، وأكثر انفتاحا على جميع أبنائه.
وإذا كان الوطن قد انتصر بأبنائه في المستطيل الأخضر، فالأجدر أن ينتصر بهم أيضًا في معركة الديمقراطية والتنمية.
