التهامي الوزّاني.. عَلامة فارِقة في التّجسير الأدبي والثقافي بين قارَّتين - بريس تطوان - أخبار تطوان

التهامي الوزّاني.. عَلامة فارِقة في التّجسير الأدبي والثقافي بين قارَّتين

تميز المغرب عل مدار تاريخه ببزوغ شخصيات نابغة أبدعت في مجال تخصصها وأسهمت في بناء الإدراك المعرفي للمجتمع وشحذ الهمم والارتقاء بالوعي الجمعي، كما رسخت عبقرية المغاربة بتجاوز إشعاعها حدود الوطن، ومنهم من لا تزال إنتاجاتهم العلمية والمعرفية تُعتمد في الحياة وتدُرس في جامعات عالمية.

هم رجال دين وعلماء ومفكرون وأطباء ومقاومون وباحثون ورحالة وقادة سياسيون وإعلاميون وغيرهم، منهم من يعرفهم الجميع وآخرون لم يأخذوا نصيبهم من الاهتمام اللازم، لذا  سنسلط الأضواء على بعضهم في سلسلة حلقات بعنوان “نوابغ مغربية”، لنكتشف معًا عبقرية رجال مغاربة تركوا بصمتهم في التاريخ.

 

الحلقة التاسعة عشر: التهامي الوزّاني..

عَلامة فارِقة في التّجسير الأدبي والثقافي بين قارَّتين وشامَةٌ في جَبين النضال الوطني بشمال المغرب.

 

شخصية فذّة رأت النّور بالمملكة الشريفة ما قَبل الاستعمار، يوم 18 أبريل 1903 وقيل 1905، بحاضرة تطوان المحروسة، نَشأت في بيتِ عِلم وورَع وجَوٍّ صُوفي وسْط أسرة شريفة، وتَربّت في أحضان جدّةٍ كريمةٍ بَعد وفاةِ الوالِد، فمَلأت الجدّة على الصبي حالَ الـيُتْم، ورَبطته بها علاقة حميمية، فسهِرَت على تربيته وتقْوية شعور الوطنية لديه، وتمكينه مِن حقوق التمدرس، بحيث ألحَقَتْهُ بالــ”الـمْـسِيد” لحِفْظ القرآن الكريم، وتَلقِّي الدّروس على يَدَي الشيخ (الحكّاك)، وأساساً؛ مَتن الآجرومية ومتن ابن عاشر وألفية مالكٍ التي لم يُكمِل حِفظَها. وقَرأ كتاب “ألف ليلة ولَيلة” و”دُرّة الخواص” و”المقامات” للحريري وكتاب “الفتوحات الـمكية” للمتصوّف الأندلسي الأكبر (محيي الدين ابن عربي) وهو ابن ثلاثة عشرة سنة. وكان من شيوخه كذلك في مرحلة التعلُّم الفقيه (محمد الصباغ).

 

حينَ شبَّ؛ التحق بالزاوية الحراقية سنة 1919 وهو ابن الشرفاء الوزّانيين، وتلقّى التصوف والتربية على يدِ وريث الطّريقة الشيخ (إدريس الحرّاق)، وأكمَل دِينه بالزواج في سنٍّ مبكِّرةٍ، وكان يومُ عُرْسِهِ مهرجاناً شعبيا مشهوداً عاشته تطوان، واستَقْبَلَت فيه عَروسَه القادِمة من منطقة (وادْراس)، وأقيم الاستقبال في بَطحاءِ ما يُعْرَف سابِقاً بــ”عْقيبة المرة”، ويُعرف حالِياً بشارع “موريتانيا”، وبالأخص المكان الذي شُيِّدَت فيه نيابة التعليم.

 

تَبلورت شخصيةُ سِيدي (التّهامي الوزّاني) وذاكرَتُه الوطنية والثَّــقافية ومنزعُه التديُّــني ضِمن سياقِ استِمرار آثار حرب تطوان، وانعكاساتِ مؤتمر الجزيرة الخضراء على سيادة المغرب، واحتلال البلاد، وامْتداد صَدَى انتصارات (محمد ابن عبد الكريم الخطابي) وحركته المباركة، وخُصوصيات الـحُكم السلطاني في المنطقة الـخليفية، وميلاد الحركة الوطنية في الشّمال مع روّادها الأوائل (عبد السلام بنونة)، (محمد داود)، (محمد بن تاويت)، (علي الخطيب)، وغيرهم.

 

وَرِثَ (الوزاني) المكانة الاجتماعية للشّرفاء الوزانيين، وإرْثَهم النضالي ضدّ الغزو الإسباني لتطوان سنة 1860 وما تلاها، وورِث عنهم التصوّف والتديُّن، والكرامة. وعَدَّ مَرحلةَ التصوّف الأوّلى مِن أجمل صفحات حياته حيث اتّسَمَت بـ”الرهبانية والانقطاع للعبادة والتفرّغ لما يُطهِّر النّفس ويُهذِّبها”، حسَب تعبيره في راويته الفريدة “الزاوية”.

 

تَفرّغ حينا من الدّهر للتزكية والعبادة والانغماس في كُـتب التصوّف والتشوّفِ إلى رجالاته، أمثال (العربي الدرقاوي، البوزيدي، الحرّاق، ابن عجيبة، عبد المؤمن الغماري، أحمد بلخياط..)، فتأثَّر بــ “الفُتوحات المكية” لابن عربي و”الفِهْرَس” لابن عجيبة، و”الآجرومية” لمحمد آجروم..؛ تَـفَرُّغًا وتأثُّراً قَطَعَاهُ عن الدِّراسة النظامية، غيرَ أنَّ حُبَّ العلم كان قد تمكّن مِن فؤاده، واستحوذَت عليه عِصامية استِثنائية في القراءة والبَحث والكتابة كما سيأتي بيانه.

 

عاش (التهامي الوزّاني) انتقالات وجدانية وعقلية شَكَّلَت منعطفا في حياته، لعلّ أهمها، انتقاله مِن عالم التصوّف إلى عالم الأدب، الذي وَجد فيه مُنتهى أَرَبِه. قَاده هذا الانتقال إلى انتقال آخر على مستوى عملي، إذ تَحَرَّر مِن قوقعةِ الانعزال الصُّوفي، وانخرط في مُعترك الحياة المدنية، آتيًا إليها مِن بوابة العمل الصّحفي، حيث ترأَّس تحرير وإصدار جريدة “الريف”، التي أبْقَتْه على اطّلاع وتَــمَاسٍ بتحوّلات المجتمع ومستجدّات الحياة السياسية والثّقافية. ثم انتقال آخَر وَسَّع مِن مُدْرَكاته الحضارية والسياسية والاجتماعية ووسَّع لديه أُفقَ النّظر للحياة، في أعقاب رحلته إلى مصر، التي عاد منها متأثِّراً بجوِّ التغيير وحماس الثورة مع بدايات عهد جمال عبد الناصر.

 

مَحليا؛ سينخرط (الوزّاني) سنة 1935 في كتلة العمل الوطني، ثم سينالُ عضوية اللجنة التنفيذية لحزب الإصلاح الوطني. وسنواتٍ قَبل ذلك؛ ونَظراً لحيويته ووطنيته؛ سيفوِّض إليه إخوته في الحركة الوطنية رئاسة لَجنة تَكريم الأمير (شكيب أرسلان) حينَ حلَّ ضَيفاً كبيراً على مدينة تطوان سنة 1930، وأتْحَف (التهامي الوزاني) الحاضرين بقصيدة مَدْحية أهداها لأمير النضال العربي.

 

وسيُواصِل (السّي التهامي) نضالاته الوطنية، فنراهُ مُسَاهِـماً إلى جانب إخوانه في الحركة الوطنية بالشّمال في التصدّي للاحتلال، والتّـنديد به، والنّشاط السياسي لمقاومَته، وتمثيل حزب الإصلاح الوطني والدفاع عن مبادئه ومشروعه التحرري. ثمَّ سنراهُ قائدً لمظاهراتٍ شعبية وعمّالية، ومنها المظاهرة الشهيرة يوم 14 أبريل 1931 في ساحة “الفدّان” بتطوان، التي تَزَعَّمَ فيها (التهامي الوزاني) الكتلة العُمالية، وانتُدِبَ رئيساً للجنة الحوار التي استقبَلها الصَّدر الأعظم، وحَمَلت مَطالِب الطبقة الشّغيلة.

 

ولنفسِ الأسباب؛ النّشاط المدني والحركية النِّضالية والحضور الثقافي القوِي؛ سيَتِمُّ انتخاب (التهامي) رئيسا لجمعية الطالب المغربية يوم 12 أبريل 1934، والتي يَعود تاريخ تأسيسها إلى 23 مارس 1932. وفي يناير مِن سنة 1938 سيسافر إلى إيطاليا ومنها إلى ألمانيا، حيث اجتمَع برئيس الجالية المسلِمة هناك، تحضيراً لأعمال المقاوَمة في المغرب في حالِ اندلاع حرْبٍ بين ألمانيا وفرنسا في سياق الحرب العالمية الثّانية. ثُـمَّ وفي أثناء عودته مَرَّ على سويسرا، وبِها التَقى الأمير شكيب تارةً أخرى. وسافر أيضا إلى مصر لتمثيل الأستاذ (عبد الخالق الطّريس) وحزب الإصلاح الوطني في إحدى الفعاليات هناك.

 

ومِن أدواره الوطنية الـمُشرِقة؛ ما ذَكَره الدّكتور أحمد كافي في أطروحته للدكتوراه “مشاريع الإصلاح السياسي بالمغرب في القرنين التاسع والعشرين”، لا سيما في المطلب الخامس “الحرية وحقوق الإنسان”، أنّ السيد (التهامي الوزاني) كان مِن أوائل الوطنيين المغاربة الذي اهتمّوا ودافعوا عن حقوق الإنسان، ذلك أنّه وبَعد تأسيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان سنة 1933 التي ترأسها الأستاذ (عبد السلام بنونة)؛ تَولّى المثقّف النجيب التهامي الوزّاني مهمة الوكيل في عضوية المكتب الإداري للجمعية.

 

ومن جهة أخرى؛ شارَك بِدَوْرِه في إعطاء دفعة قوية للتّعليم بالمنطقة الخليفية، فأنْشَأَ ورَعَى إلى جانبِ إخوانِه الغيارى مَدارس التّعليم الحر. وتَوَلَّى فيما بَين 1930 – 1937 إدارة المعهد الديني – الذي يحمل اليوم اسم ثانوية القاضي بن العربي- ، كما كان مديراً مرموقاً للمدرسة الأهلية، وأحد مؤسِّسيها. ولَــمَّا رَأَى مِن ضَياع أوقات أبناء المسلمين القاطنين في سَبتة دون تَمَدْرُس؛ بَادَر مع بَعض المحسنين من سُكان سبتة لبناء مدارس حُرّة، وحَضَّ على ضرورة تكثيف دروس العربية وتعليم القرآن والدّين لهم.كما كان له جُهْدٌ مَـحمودٌ في توفير مدرسة للتعليم الحرّ في بادية (واد لَوْ) ضواحي تطوان، وفي نفس الآن؛ لم ينقطِع قَطُّ عن المطالعة والتّثقيف الذّاتي.

 

ورُغم تربيته الصّوفية، وانتمائه للحركة الوطنية وجِذْرها السّلفي، إلا أنَّ تَكوينَ الرّجل وانفتاحه ومُطالعاته الكثيرة جَعَلَت منه شَخصاً سابِقاً لَزمنه الثّقافي والاجتماعي، يَجْمع بين شخصية الفقيه الذي يعتلي المنبر ليَخطُب الجمعة، والمناضل الذي يُحرِّض ضدّ الاستعمار ويُطالِب بالاستقلال، والأديب الذي يُجسِّرُ العلاقة الثقافية والأدبية بين المغرب وإسبانيا دُون الشُّعور بعُقدة النقص تُجاه الـمُستعمِر، والصحافي الذي يخوض معمعان العمل الصحفي اليومي، والمتنوِّر الذي يصطحِب زوجته إلى السينما في مغرب الخمسينات !

 

افتكَّ (الوزاني) تجربة ناجحة في العمل الصّحفي، وجعَل مِن جريدة الرِّيف التي أسَّسَها يوم 27 غشت 1936 واستمرّت في الصّدور عشرين سنة؛ لسانَ الحركة الوطنية في تطوان والشّمال، وبوابةَ تصريف مواقفِ الكتلة الوطنية من الاستعمار، وتميَّزت مقالات (التهامي) في الجريدة بالمعارضة الشديدة للاستعمار الإيطالي في ليبيا، والإسباني في شمال وجنوب المغرب، وباتخاذِه مواقِف من الحرب العالمية الثانية، وبَقِي كاتِبَها ومحرِّرَها ومديرَها إلى أنْ أوْقَفَتها السلطات الإسبانية في شتنبر 1947. كما أنْشَأَ مطبعة الريف؛ واستثمَرَها في طبْع مؤلَّفاته القيّمة، ثم آل أمرُها بَعد زمنٍ بِيَدِ يدي العلّامة (عبد الله كنون) رحمه الله.

 

فوق هذا وذاك؛ تميّزت مسيرة الرجل بعطاءات علمية مُدْهِشة، إذا أخذنا عِلماً بعدَم توفِّره على أيّ شهادة مدرسية أو جامعية، فقد كان قارئاً نهِماً، تَشهدَ له بذلكَ أشعاره التي ألقاها في بعض المناسبات الوطنية، ومَقالاته العديدة في جَريدتيْ الريف والحرية، وإسْهامه الأدبي اللّامع في الفضاء الثقافي بتطوان. فالرجل اتّخذَ قرار تَعَلُّم اللغة الإسبانية، دَرْساً وتحصيلاً، إلى أنْ تَمكَّن منها، ومِن العقلية والثقافة الإسبانيتين، وقادَه ولَعـُهُ بالأدب إلى الانفتاح على الأدب الإسباني، فأحْدَثَ نُقلة في عالم التّرجمة بين الضَّفتين، بتَـرجمتِه لجُزْءٍ كبيرٍ مِن رائعة الأديب الإسباني الكبير (ميغيل سيرفانتيس) الـمَعروفة بــ”دون كيشوت دي لامانتشا”، وصرَّفها عَبر حلقاتٍ في جريدته (الرّيف) التي كانت تَصدر مرة في الأسبوع في أربع صفحاتٍ، وكان يُديرها آنذاك الأستاذ (محمد مُصطفى أفيلال). وهو عَمَلٌ تَرْجَمَيٌّ جبّارٌ يُدلِّلُ على أنّنا أمام رَجُلٍ عِصامِيٍّ موهوب، وشامَة ثقافية متفرِّدة في الشمال المغربي.

 

قادَه هذا الوَلهُ الأدبي إلى الاهتمام بأدب الرحلة، كجِنسٍ أدبي مارَس مِن خلاله التأريخ والتوثيق والنَّقل الثقافي والمعرفي بين المشرق والمغرب. وجَرْياً على مألوف المغارِبة في كتابة الرحلات؛ خَصَّ (التهامي الوزاني) رحلَـتَهُ التي قام بها إلى مصر بكتابٍ حَرَّره إثْر عودته إلى تطوان فيما بين سنتي 1957-1958، اتَخذَ له عنوان “الرحلة الخاطِفة”، ضَمَّـنَه مُشاهداتِه وجَولاتِه وأبرز لقاءاتِه وشهادَته على عَصْر الثورة في مصر الخمسينات، ولعلَّ أهمَّ ما وثَّقــه لنا (السي التهامي) رحمه في هذا العمل النّوعي _ بالنظر إلى زَمانه _ مُجريات الحوار التاريخي الذي دارَ بين الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي والزعيم عبد الخالق الطّريس _ بحضور التهامي _ في القاهرة، ونَقْلِه للقارئ المغربي مواقِف وآراء مُثيرة ومُستَجَدّة للمجاهد الخطابي إزاء مُستقبل المنطقة المغاربية واستقلال المغرب وسياسات الملكية والحالة الاجتماعية بالمغرب وغيرها.

 

واستِثماراً في ما قَرأ؛ شَرع الأديب (التهامي) في الكتابة، فَدشَّن عَهد السَّرد الأدبي باللغة العربية مِن خلال عَمَلِه الروائي الأوّل (الزّاوية) التي كَتَبها وهو ابن أربعين سنة، والتي عَدَّها النقاد والمهتمّون أوَّل ما كُتِب في مجال أدب السيرة الذاتية بالمغرب الأقصى. أعْقَبَها بقصّة “سليل الثَّـقَلين” سنة 1950 وكان قد شَرع الوزاني في كتابة فصولٍ منها في جريدة (الريف) وأنهاها فيما بين 21 يونيو – 6 يوليوز 1949، ثمَّ نُشِرَت وأُعْلِن عن نشرها في ذات الجريدة يوم فاتح ماي 1950، والرواية حسب الباحث (إبراهيم الخطيب) نَصّ سَرْدِي خُرافي كُوسْمو-كَـوْنِي، تَدور أحداثه تاريخياً قَبْل بناء بابل بألْف عام، في أرخبيل جُزُري يضُمّ الثَّقلين؛ الإنس والجن.

 

تَلا هذا سيْلٌ غزيرٌ من الإنتاج العِلمي؛ نذكُر منه:

 

“تاريخ المغرب” وجاء في ثلاثة مجلدات، وكتاب “الوطنية المغربية في طَورها الحاسِم”، وكِتابين في عامٍ واحدٍ 1941 هما “الإمبراطورية المغربية في السودان” و”بين تِطوان وجَبَل العَلَم”، ومُصنَّـفَين هامّين “فَوق الصّهوات” الصادر سنة 1943، و”المغرب الـجاهلي” الصادر سنة 1947، وإصدارٌ آخَر سنة 1947 خَصَّصه للناشئة وهو عَمل مغربي غير مسبوق عنوانه “التاريخ العام للأطفال”. وقام بَجْمعِ سِلْسلة مَقالات كَتَبَها مُفرَّقة خلالِ سنواتٍ في جريدة الحرية في مُؤلَّف أسماه “الرَّفْـــرَف.. فيما بقِيَ مخطوطاً كُلّ مِن ” مذكّرات عن مؤسِّسي الحركة الوطنية بالمغرب؛ ذكريات عن الصّديق محمد بن مصطفى أفيلال” و”خمسون سنة صُحبة آل بنونـة”. واستْقَبَل عامَ 1952 بكتابٍ قيِّمٍ هو “الباقة النّـضِرة” الذي عالَجَ فيه قضايا المغرب الثقافية والسلوكية والاجتماعية، والذي عَدَّه بعض المختصِّين لا يقلُّ أهمية عن كتاب “النقد الذاتي” لــ(علال الفاسي).

 

وبمناسبة انصرام قَرْنين على بناء مَدرسة (لوقَش) العريقة في تطوان؛ وضَع (السي التهامي) كتاباً توثيقياً هامّاً عَنونَه بـــ”مدرسة لوقَش”، وقد كان في أصْلِه عبارة عن مقالاتٍ نَشرها الكاتب في مجلة (الأنيس) فيما بين شُتنبر – دجنبر 1953، قامَت بطبعهِ ونَشْره جمعية تطّاون-أسمير سنة 2002، و”.. يَومَ يُرفَع السِّتار عن معرِضِ تُحَـفِهِ ويُطافُ به؛ سيُعرَفُ عندَئذٍ أيَّ كبيرٍ هذا التّهامي، غُرَّةُ أوائِلِنا في كتابة تاريخ المغرب والرواية، والأسطورة والخرافة والمقامة، والرحلة وقصص الأطفال”. كما قال الأستاذ (محمد الصباغ) في مداخلةِ له بندوة من تنظيم اتحاد كُتّاب المغرب سنة 1987.

 

هذا الـمنتج الأدبي والثقافي والتأريخي الغَنِي؛ يجعل من سيدي (التهامي) “مَعْلَمة بارزة، وشُعلة مُضيئة في تاريخ الثقافة والفكر بمجتمعنا، ولحظة علمية لا يُمكن لأيّ باحِثٍ جادّ أنْ يتَجاهَل أصالَتها وتعبيرها الـمتميِّز عن حِقبة حاسمة في تاريخنا الـمعاصِر” على حدِّ شَهادة عالم الاجتماع المغربي (المختار الهـرّاس).

 

أمّا عن الجوانب الأخرى من شخصيته؛ فقد كان ميّالاً للودَاعة وخُلق المسامحة، ووفِيًا لمن درَّسوه ولمشايِخه، ولا يَقبل الإهانة في دينه ووطنه وشَخصه، أصيلاً مغربيا في لباسه واختياراته المنزلية والـمَعيشية. ورُويَ أنّه شُوهِدَ يدخل السينما، ويَلعب كرة القدم مع أطفال دَربه بنشاط وحيوية. ونَقَل إلينا مُجايِلوه أنَّ الرجل كان على قَدْرٍ كبير مِن الخُلُق الطيب، وحبّ الخير للناس، والاستعداد الدائم للعطاء، وتَفضيل اليُسْر في كل شيء، ذا عقلية منفتحة تَقْبَل وتتفاعل مع مختلِف الآراء.

 

وفي المغرب المستقِل؛ عُيّـن المثقف العصامي السالك والأديب الصوفي النّاسك (التهامي الوزّاني) عميداً لكلية أصول الدين بمدينة تطوان غداة تدشينها سنة 1963، وكان _ حَسَب شهادة الأستاذ عمر عزيمان _ يُكلِّف الأساتذة ببعض المواد الدروس، والمواد التي يَـــتَعَذَّر إيجاد مَن يُدرِّسها؛ يقوم الوزاني بتدريسها، غير مُستَصْعِبٍ لها، ولا متهيِّب. وهي ميزة رافَقته طيلة مساره التعلُّمِي العصامي. كما اخْتِـيرَ أستاذا بدار الحديث الـحسنية، ثمّ رئيسا للمجلس الأعلى للتعليم الإسلامي.

 

وبقِيَ وجْهاً بارزاً مِن أوجه النخبة الفكرية والعِلمية في تطوان وشمال المغرب، وخُلِّدَ اسمه كرمز ثقافي ومناضل وطني، متعدّد الأبعاد، استطاع وضْعَ “نفسِه موضِع النَّـمَط داخل السِّياق الـمميِّز لكلِّ نهضة”، إلى حين وفاته سنة 1972. رحمه الله وأحسَن له الثّواب.

 

* إعداد: عـدنان بـن صالح/ باحث بسلك الدكتوراه،

مختبر “شمال المغرب وعلاقاته بحضارات الحوض المتوسِّطي”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية،

جامعة عبد المالك السعدي – تطوان

 


شاهد أيضا