التقارب السياسي والأخلاقي - بريس تطوان - أخبار تطوان

التقارب السياسي والأخلاقي

بالعودة الى مادة تاريخ الفكر السياسي كمادة من مواد علم السياسة والاجتماع والأدب والفلسفة و الدين… نجدها مرتبطة بالخصائص الحضارية للشعوب لكونها تسمح بمعرفة الوسط والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لفترة زمنية من حياة الشعوب، وذلك من خلال الأفكار التي نادى بها مفكرين وفلاسفة انطلاقا من العلاقة التي ربطتهم بالوسط الذي عايشوه.

كما أن لحياة المفكر السياسية تأثير في الانتاج السياسي للدولة التي عاش فيها وعلاقة ذلك بالأسباب والدواعي التي دفعته الى انتاج افكاره السياسية. فقد استطاعت المجتمعات ان تسوغ مجموعة من المعتقدات الدينية والفلسفية اعتمدتها في تفسير الأحداث وسلوك الانسان؟ والسؤال هو هل عرفت الحياة ظهور أنبياء لم تذكرهم الكتب السماوية؟ ولم يشير اليهم أحد بالصفة؟ ولماذا نظر هؤلاء الى الماضي بطريقة معينة ودرسوا حاضرها بطريقة خاصة وتطلعوا الى المستقبل بناء على الماضي والحاضر؟.

والسؤال الأساسي والمحير هو لماذا هناك نوع من التقارب بين المذهب الكونفوشيوسي والاسلام مع العلم أن هناك تباعد زمني وفرق قيمي (الاسلام دين الله المقدس) ومن حيث مساحة الالمام بحياة الناس؟ وأيضا من حيث المصدر بحكم أن الوحي البين ليس هو قول حكيم؟ وهل كونفوشيوس نبي؟

ان المنطلق في مقاربة افكار الصين القديمة (الكونفوشيوسية) بالإسلام هو مقياس الحكمة والطبيعة البشرية التي تمزج الأفكار السياسية مع المعتقدات ومع متمنيات الشعب المراد توجيهه أو تسييسه، ولا تقتصر المقارنة في هذا الموضوع من حيث الاسلام كدين عبادة كونه مقدس وكامل الاركان ولا يحتاج الى أية اضافة، بل لأنه ذكر قصص أقوام وأنبياء بإيجابياتها وسلبياتها حتى يتخذها المؤمنون عبرة وموعظة.

يقول الاسلام بوجود أنبياء في حياة الأمم لم يتم ذكر أسمائهم كلهم، ومن منطلق قول الصينيين بأن كونفوشيوس نبي صيني نظرا لهالة التقديس التي أضفته الروايات القديمة على هذه الشخصية، وان لم يكن كذلك فهو من الحكماء الذين يشير الاسلام الى وجودهم بشكل مفتوح …. ان الله يؤتي الحكمة لمن يشاء … ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا.

ان تاريخ الحكماء اقترن بالأنبياء على أساس درجة الفهم للظواهر و تأويل السلوكات (الخاضر وموسى) وتاريخ الانبياء اقترن بمحاربة الجهل وحكم الطغاة، وتقديم البديل المبني على أساس العدل والتوحيد (موسى وفرعون ..و يوسف و العزيز). ومعلوم أن كونفوشيوس عاش مع حاكمه (الامبراطور) واختلف معه في جوانب سياسية.

حياة كونفوشيوس

ولد كونفشيوس 551 قبل الميلاد بإمارة “لو” وارتبط اسمه بكلمة “فوشيوس” التي تعني الأستاذ، واسمه هو “كون”، وقد عاش فترة ما بين رسالتين سماويتين هما كتاب الزبور للنبي داوود في القرن الثامن قبل الميلاد وكتاب الانجيل لعيسى الذي تغير معه حساب بالتاريخ الميلادي. بينما محمد (ص) فقد ولد عام الفيل 571 ميلادية في مكة.

ومعلوم أن هذا الحياة البشرية لم تخلو منها فترة زمنية معينة من أنبياء وحكماء وفلاسفة قبل الاسلام، ووجود حكماء وفلاسفة ومصلحين في حياة البشر حتى بعد الاسلام. في مقابل وجود حكام ظالمين وطغاة وأمم جاهلة و ضالة.

ان ما دفعنا الى التأمل في أفكار كونفوشيوس ومقارنتها بما جاء في الدين الاسلامي لقياس درجة نفعها وبالتالي استمرار اقبال الناس عليها فينطبق عليها قوله تعالى: “وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

وبالتأمل في حياة الحكيم الصيني نجده معلما، وكل الانبياء والرسل هم معلمون للناس لقوله تعالى: “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم..”. كما أن مسار حياته تبين أنه تعرض الى يتم وفقر وظلم وهجرة، كما اشتغل في سن مبكرة بوظيفة أمين مخازن الدولة ثم اشتغل رئيسا للوزراء، واستقال من منصبه بسبب فساد امبراطور دولة “لو” الذي أهمل شؤون مملكته بسبب قبوله لفرقة من أجمل الراقصات التي ارسلها اليه رئيس الامبراطورية المجاورة بهدف اضعاف نفوذه.

اسس فكر كونفوشيوس

ان أساس التفكير والحياة عند كونفوشيوس هو التعليم، واعتبره واجبا ملقى على عاتق الدولة، كما رفض الفوارق الطبقية في التعليم ونبذ التمييز بين الارستقراطي والخادم البسيط وربط بين تعلم الفرد والدور الديناميكي الذي يلعبه في الحكومة بعد التحاقه بها ومنه اخضاع الاداة الحكومية لاحتياجات الشعب.

وفي هذه النقطة فهو يلتقي مع ما يقوله النبي محمد (ص) معلم الدين الاسلامي حيث نجد أول أساس ابتدأ به نزول الوحي هو التعليم، حيث أول ما أمر به جبريل عليه السلام النبي محمد بن عبد الله (ص) : ” اقرا” ثم كررها ثلاث مرات نظرا لأهمية القراءة والكتابة في حياة الانسان. وهذا ما يؤكد على أن المعلم هو أساس الدولة، ومنه تبقى فكرة العدل أساس الملك مبنية على التعليم وليست أهم من العلم.

وبالنسبة لنظام كونفوشيوس الأخلاقي، فهو ينطلق من امعان الفكر في الطبيعة البشرية فهو لا يؤمن بفصل الفرد عن المجتمع. وهي فكرة وجدت في الاسلام ” يد الله مع الجماعة” و يقول بأن الناس كائنات اجتماعية. التي تتماشى مع آية قرآنية ” وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم”.

وأن ضمير الفرد يصده عن الانسحاب من المجتمع. وهي فكرة تتماشى مع حديث النبي محمد ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

سأله أحد طلابه عن التعامل مع الأرواح فأجابه: “انك عاجز عن التعامل مع الاحياء، فكيف يمكنك التعامل مع ارواحهم بعد الموت”.

وبهذا كان كونفوشيوس على علم بوجود حياتين دون الغوص في الحديث عن الارواح بعد الموت. وهي فكرة أشارت اليها آية قرآنية:” يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي”.

وعن سؤال حول معنى الموت الذي طرحه طالب آخر أجاب: “انك لا تفهم معنى الحياة فكيف يتأتى لك فهم الموت” مما يفسر قصر النظر لدى الطلاب مع فضولهم المعرفي المفتوح. وهي فكرة تجد تناسبها مع الآية:” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا”.

مدى تطابق مبادئ كونفوشيوس مع مبادئ الدين الاسلامي

ان مبادئ الاسلام شاملة ولا يمكن مقارنتها بأقوال حكيم محدودة من حيث الاحاطة بقضايا البشرية ولا من حيث الأهمية حيث رسالة الاسلام وحي من رب العالمين نزلت ولا تقبل النقص أو الزيادة في مضمونها، ولكون الأمم اختلفت دياناتها وأفكارها ونمط عيشها وتقاليدها، جعلنا من أقوال ومبادئ كونفوشيوس لكونه حكيما أو نبي عصره لكونها تتقاسم مع الاسلام بعض المبادئ وبعض الغايات وبعض المقاصد حتى يتسنى القول بإمكانية اعادة التفكير في خلق مساحة للاندماج الصيني الكونفشيوسي الاسلامي في ظل عالم مهدد بصراع حضاري مهدم للبشرية.

يؤمن كونفوشيوس بمجموعة من المبادئ جاء بعض منها في رسالة الاسلام بعد حوالي 10 قرون. فهل يشمل الدين الاسلامي المبادئ الثابتة في حياة البشر وقد ذكرت متفرقة على لسان الانبياء والحكماء من قبل والتي اذا ما رصدناها عبر تاريخ الحضارات نجد بعضها متناثر ومتفرق على حقب زمنية مختلفة ويشار الى بعضها بالقول في الآية:” لنقص عليك أحسن القصص.

ومن بين الأفكار والمبادئ التي آمن بها كونفوشيوس ودافع عنها وتجد مقابلا لها في الاسلام مايلي:

  • نظرية تفويض السماء: والقول بأن السماء توجه الناس نحو اختيار الحاكم ووجوب طاعته، الشيء الذي يفسر بوجود قوة في السماء، وهي فكرة جاءت في الآية: ” اني جاعل في الأرض خليفة” و الآية: “ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله” ووجوب طاعة الحاكم كما ورد في الحديث: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية.
  • مبدأ الثورة على الأوضاع الفاسدة: كون ذلك يمثل استجابة لإذن السماء التي تأذن اذا فسد الحاكم بوجوب تغييره وأن السماء هي التي توجه الناس لتغيير الحاكم الفاسد وتغييره بآخر تفوض السماء للشعب من جديد أمر اختياره لشؤون الحكم ووجوب طاعته. وهي فكرة وجوب الخروج عن طاعة الحاكم في الاسلام اذا ارتكب المعاصي أو الكبائر وتغيير المنكر، كما جاء في الحديث: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان.
  • مبدأ الشعب أعظم عناصر الدولة: يجد مقابله في كون الشعب في الاسلام هو من يختار الحاكم سواء عن طريق البيعة أو عن طريق الشورى كمهمة العلماء، والرابط بينهما هو واجب طاعة الحاكم وتقديم النصيحة له مقابل رعاية مصالح الشعب والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • مبدأ الانسان شرير بطبعه: يجد مقابله في الاسلام كون الاسلام جاء لينزع الشر عن الانسان الآية:” من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس” والآية: ” قل ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون “.
  • مبدأ السعادة هدف الانسان وأمله المترجى: يقابله في رسالة الاسلام كونها جاءت لتحقيق سعادة الانسان في الدارين مع ترجي المسلم سعادة الآخرة أكثر من سعادة الدنيا. ويربط كونفوشيوس تحقيق السعادة بالحكومة الصالحة ويقصد بالسعادة هنا الخير العام. الآية: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”.
  • مبدأ المعاملة بالمثل: ينطلق من قول كونفوشيوس امتناع الفرد اتيان فعل يكره إتيان الغير إياه الى ذاته، أي لا يؤتي الفرد فعلا اذا أتاه غيره نحوه أضر به. ويقابله الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وفرضت الآية المعاملة بالمثل : “النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص”.
  • مبدأ أن الناس ينشدون السعادة: لكن أغلبهم يتصرف بغباء ويفضل لذة عاجلة أقل على أخرى آجلة أعظم، تجد توطينا لها في الآية: “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير”. والآية: “وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى”.
  • مبدأ توافر درجة من التعليم العام: ضروري للخروج من تحقيق سعادة البعض على أنقاض سعادة الآخرين، وبث روح التضامن في نفوسهم، ويقابله الحديث: خيركم من تعلم العلم وعلمه.
  • مبدأ المواطن المستنير مركزا للدولة: و تقابله آية من سورة الفاتحة: ” صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين”.
  • مبدأ جواز معاقبة الناس مؤقتا على طاعة ما يؤمرون به: لكنها ليست بديلا عن التعليم. فيقول كونفوشيوس ” ان حاول حاكم قيادة الشعب بالاستعانة بالسلطة المطلقة توقع شتى العقوبات لإقرار الأمن والنظام، فينشد أفراد الشعب تحاشي العقوبات غير عابئين باحترام السلطان وتقرير ارادته، ولكن اذا استعان الحاكم لقيادته بالفضيلة بالفضل والسنة والقدوة وارتكز على العرف والعادات الصالحة التي يوقرها الشعب وتنزل بينه منزلة التقديس، فهاهنا يرتبط الناس برباط معنوي متين لتقويم اعوجاجهم واصلاح حالهم” ويقابل هذا المبدأ القول: ان الله يزع بالسلطان ما لم يزعه بالقرآن.
  • مبدأ فساد الحكم يعود الى فساد الحكومة: ويرى أن الحاكم ينبغي أن يكون من أكفأ عناصر الأمة علما وخلقا، فيجد مقابله في شروط تولي مسؤولية الحكم في الاسلام.
  • مبدأ كون الوزير أعلى درجات المسؤولية الأدبية: وعليه أن لا يخادع الحاكم ولو عارضه علنا ان اقتضى الأمر، فاذا ساءت تصرفات الحاكم ولم يبذل المحيطون به النصيحة له فهذا كفيل بتدمير الدولة. و هو ما دل عليه وضع الصحابة أنهم من أكفأ الذين اجتمعوا من حول النبي.

خاتمة:
ان مستقبل صدام الحضارات يطرح جانبا امكانية حوار الحضارات وتعايش الثقافات، ولا سيما الشق الأخلاقي والسياسي، وهذا ما يطرح على الصينيين العودة الى أفكار ومبادئ كونفوشيوس لاستكمال بناء أخلاقهم بما جاء به الاسلام، وتقوية الروابط بين الثقافتين الاسلامية والصينية وتعميق الحوار لإماطة الأذى عن طريق البشرية واعتماد الأخلاق كوازع للتواصل وتبادل القيم بين الشعوب والتركيز على البقاء للأصلح.

ان هناك فارق كبير بين ما يستقر عليه إيمان الأفراد وبين ما يمكن للعقل ان يكتشفه على سبيل الحدود الفاصلة بين طبائع الشعوب والاختلافات في قضايا عدة ولكون إمعان النظر مسألة مهمة فاننا مطالبين بإجراء مقارنات، فعلى سبيل المثال الحرية التي يؤمن بها العقل الغربي هي في جزء منها ضد الإسلام ومخربة ولكننا نعيشها قدرا بدلا من ان نقول انها مخالفة للحدود التي رسمها الإسلام.

ان مادة تاريخ الفكر السياسي ومن بين الحقب التي تهتم بها نجد الفكر السياسي الإسلامي بمعنى الفكر ليس هو العقيدة ، وعليه ينبغي ان ننفتح لتقوية سماحة الإسلام بدلا من الانغلاق الذي يجلب الويل على المسلمين حتى في الصين.

ان قصدي هو الالتفات الى بعض الأنبياء حسب كتابات عصرهم والذين لم يذكرهم الإسلام وقد تركوا بصمة في البشرية، وأعظم شيء اتصف به الرسول محمد (ص) هو الخلق العظيم . وحتى وان كان كونفوشيوس لا يرقى الى منزلة النبي محمد فان الأخلاق كانت مذهبه والأفكار السياسية التي نادى بها في الوقت الذي كانت الجاهلية في اعلى مستوى لها في الدول العربية ولا يمكن ان تحظى بالتأييد الا من قبل من عرف الله حتى في زماننا.

استاذ تاريخ الفكر السياسي بجامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية تطوان


شاهد أيضا