التطور التاريخي لقبيلة الحوز منذ دخول الاسلام إلى بناء تطوان الحديثة(2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

التطور التاريخي لقبيلة الحوز منذ دخول الاسلام إلى بناء تطوان الحديثة(2)

بريس تطوان/يتبع…

حاميم المتنبي:

لم تحتفظ لنا المصادر بمعطيات كثيرة عن حركة حاميم المتنبي، باستثناء تلك الاشارات التي أوردها البكري في القرن الخامس الهجري بعد أزيد من قرن على نهاية حاميم، والتي نقلها عن المؤرخ محمد بن يوسف الوراق، ونقلها عنه أيضا اين خلدون في القرن الثامن الهجري.

ويبدو أن ظهور حاميم هذا لم يكن وليد الصدفة، فمن خلال شجرة نسبه يتضح لنا أمران اثنان: أولهما أنه كانم من ذوي الحسب بين قومه، والثاني أنه ينحدر من عائلة امتهن العديد من أفرادها السحر والكهانة، فأبوه “أبو خلف من الله” كان ساحر، وعمته تانفيت كانت كاهنة وكانت كل قبيلة مجكسة تطيعها وتستغيث بها في الحروب، وحتى أخت حاميم المسماة “دبو” كانت أيضا تمتهن الكهانة.

وحسب الشجرة المقدمة من طرف البكري وابن خلدون، فإن الاسم الحقيق الحاميم هو عبد الله، وأن حاميم ما هو إلا لقب ربما أخذ من الأحرف المتقطعة الموجود في بداية سور القرآن الكريم “حم = حاء ميم”، والتي غالبا ما ذهب خيال المفسرين بخصوصها بعيدا جدا، إلى درجة أن بعضهم قال بأنها مفتاح لمعرفة اسم الله الأعظم، أو للاطلاع على أنباء الغيب من ملاحم وفتن. أو لعل العبارة من اشتقاق بربري.

أما شجرة نسبه الكاملة فهي كالتالي: عبد الله حاميم بن أبي خلف من الله بن حريز بن عمرو بن وجفوال بن وزروال بن ماجكس وحسب المصادر دائما فإن وجفوال الجد الثالث لحاميم كان من زعماء قبيلة مجكسة الغمارية في القرن الثاني الهجري، وأنه الجد الجامع لبطن “بني وجفوال” الذي كان يستوطن حسب البكري منابع وادي راسن (نهر مجكسة أو وادي مرتين الحالي).

وقد ادعى حاميم النبوة واتبعه خلق كثير جدا من رهطه ومن باقي بطون قبيلة مجكسة، واحتفظ لنا البكري ببعض شرائع ديانته التي يرى بعض الدارسين أنها تقليد مشوه لديانة برغواطة التي أنشأها صالح بن طريف في القرن الثاني الهجري، ومن بين هذه الفرائض:

1 – الصلاة: تجرى مرتين في اليوم إحداهما عند طلوع الشمس والأخرى عند غروبها، وفي هذه الثانية يسجد المصلي على بطن كفه.

2- الصوم: يكون كل خميس، أما في يوم الأربعاء ففرض الصيام إلى حدود الظهر، إضافة إلى سبع وعشرين يوما من شهر رمضان، وثلاثة أيام أخرة غير محددة، مع يوم الفطر الرابع، أما العيد فجعله في اليوم الثاني من الإفطار وليس الأول.

3- الزكاة: تشمل العشر من كل شيء.

4- أسقط حاميم عن أتباعه الحج والطهارة والوضوء.

5- حرم حاميم على أتباعه أكل السمك إلا بعد التذكية، كما أحل لهم أنثى الخترير على اعتبار أن شريعة الإسلام لم يحرم نصها الصريح إلا ذكره.

6- هذا ووضع حاميم لأتباعه “قرآنا بلسانهم” أي البربرية، ويحتفظ لنا البكري بترجمة نص قصير  في إحدى “سورة” يتلى بعد مجموعة من التهاليل، ومما ورد فيه: “حلني من الذنوب يا من يحل البصر ينظر في الدنيا، حلني من الذموب يا من أخرج موسى من البحر” ومنها أيضا: “آمنت بحاميم وبأبي خلف (والد حاميم) وآمن رأسي وعقلي  وما أكنه صدري وما أكنه صدري وما أحاط به دمي ولحمي، وآمنت بتانفيت (عمته).

ويلاحظ من خلال هذه الدعوة، أن صاحبها يعترف بشريعة الإسلام، فتحريمه لذكر الخترير مبني على نص إسلامي، ويبدو أن المدعي اعتبر نفسه نبيا ناسخا للشريعة الإسلامية.

ومن خلال رواية البكري المقتضية يبدو أن حاميم المجكسي كان يحمل طموحات سياسية، وقد زامن ظهوره فترة اندلاع الصراع الكبير بين الأمويين في الأندلس والفاطميين في الغرب الإسلامي حول التحكم في المغرب الأقصى، ولما كانت المنطقة الشمالية من المغرب وخصوصا جبال مجكسة قريبة من العدوة الأندلسية، فقد أرسل الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر فرقة من عساكره لمطاردة المتنبئ الغماري، وبعد معركة في قصر مصمودة ( القصر الصغير) قرب طنجة انهزم حاميم وقتل سنة 315 هـ، وأرسل رأسه إلى قرطبة ليعلق على سورها، وبذلك وضع حد نهائي لحركته التي يبدو أن أتباعها كانوا كثرا جدا.

وبقيت أسرة حاميم تتمتع بنفوذ كبير جدا في الفترات اللاحقة، فقد خلف المتنبئ ثلاثة أبناء: أكبرهم محمد ثم عبد الله وعيسى، هذا الأخير الذي جاز إلى عدوة الأندلس في أواخر العهد الأموي، والذي كان يتمتع في قبيلته مجكسة بنفوذ كبير جدا، وقد أطلق عليه الأهالي لقب “ابن المفتري”، وشكل ابناء حاميم رهطا كبيرا استوطن منبع “وادي راس” أو “نهر مجكسة” حيث يقع الجبل الذي أطلق “جبل حاميم”.

وقد بقي حاميم المتنبي حاضرا بقوة في الذاكرة الشعبية بمنطقة جبالة، وحسب ما ذهب إليه حسن الفيكيكي، فإن جبل حاميم المذكور لدى البكري هو نفسه جبل المخالد الحاي (627م) الواقع  ضمن فرقة البكارة من قبيلة وادراس الجبلية بإقليم تطوان، ومن هذا الجبل ينبع وادي الخميس الذي يعد من الروافد الأساسية لوادي مرتين، بل إن الباحث ذهب إلأى كون موطن بني وجفوال المجكسين يشمل بالضبط مداشر اللواوا والمخالد وحندق الكبش والرمل والمجعبة من فرقة البكارة الوادراسية المذكورة.

وتشير بعض الروايات إلى أن أكثر أتباع حاميم كانوا من قبيلته مجكسة ومن قبيلة بني حسان الغمارية أيضا، حيث لا يزال أعقابه إلى حد الآن في فرقة “الخمس” من القبيلة الحسانية، ولا يزال قبره في موضوع معزول في أعلى قمم جبل كلتي (1927م) وبجواره فبر أخته “دبو”، وقد أشارت بعض المصادر إلى زيارة بعض النساء الراغبات في التحةل إلى ساحرات لهذا القبر. ويطلق عليه السكان القريبون الذين يقيمون موسما سنويا عنده لفظ “سيدنا نوح”، وهو اشتقاق قرآني إذ من المعلوم أن سفينة النبي عبيه السلام رست في قمة جبل سمي في القرآن “الجودي”، فوجود ضريح مجهول توارث السكان تقليد الطواف به دون معرفة الشخص المدفون به، وارتفاعه الشاهق عن سطح البحر، ذكرهم لا شك بقصة نوح عليه السلام، وبرسو سفينته في قمة شاهقة لم يحدد القرآن الكريم موضعها من الأرض.

المؤلف: بلال الداهية

العنوان: تطوان وباديتها “نبذة تاريخية عن حوز تطوان وبني حزمار

منشورات باب الحكمة


شاهد أيضا