الحلقة الأولى من رواية "التطاونيات": من اختطف فطومة؟ - بريس تطوان - أخبار تطوان

الحلقة الأولى من رواية “التطاونيات”: من اختطف فطومة؟

بريس تطوان

المشهد الأول: من اختطف فطومة؟

الفصل الأول

لم تكن حليمة تتوقع أنها عند عودتها من المدرسة سوف لن تجد أمها فطومة بالمنزل. كما أنها لم تنسذلك اليوم العصيب وهي تتجول في دروب وشوارع وأزقة تطوان بحثا عن أمها رفقة أبيها الأستاذ “سلام”، أو كما كان يحلُو لساكنة المدينة العتيقة تسميته “سي سلام”. كان فعلا يوما عصيبا على حليمة وأبيها. قد تفقد صديقا أو حبيبا ولكن أن تفقد أما دون أن تعرف مكان وجودها وما هو مصيرها، ولا تعرف هل مازالت على قيد الحياة أم أصبحت في عداد الأموات؟ فهذا يكون عسيرا على النفس ويتطلب رباطة جأش قوية إن لم نقل خارقة.

مع مرور الوقت بدأ غموض هذا الاختفاء يؤرق بال حليمة وأبيها، بالخصوص عندما مرت أيام دون العثورعليها أو الحصول على معلومات تقودهما إلى مكان وجودها. ففي كل صباح عندما تذهب حليمة إلى المدرسة كان سي سلام يذهب للبحث عن زوجته في المؤسسات والأحياء البعيدة بل كان يسافر أيضا إلى مدن أخرى كلما سمع خبر وجودزوجته في تلك البلدة. لم يترك مستشفى ولا مخفرا للشرطة ولا دور العجزة ولا أحدا من العائلة القريبة أو البعيدة إلا ذهب إليه لعله يجدها.

كان سي سلام هذا يحب زوجته فطومة كثيرا إلى درجة أنه لم يكن يتصور أن يعيش من دونها ولو ليوم واحد، كما كان يستشيرها في كل صغيرة وكبيرة، وكانت تنير له الطريق باقتراحاتها الحكيمة وأفكارها النيرة. لكن بعد اختفائها لم يعد سي سلام ذلك الرجل المتماسك بل أصبح كثير السهو وأهمل نفسه ولم تعد له شهية للأكل وأصبح يُرى وهو شارد الذهن ومهموما في شوارع تطوان ودروب مدينتها العتيقة. كان أصدقاؤه يتأسفون كثيرا عندما يرونه على هذا الحال وهو جالس يتكلم وحده بمقهى الدالية وسط المدينة العتيقة أو بمقهى “الطيارة” الموجودة خارج أسوار المدينة، بالخصوص وأنهم يعرفون قيمة هذا الرجل والخدمات الجليلة التي قدمها لشباب هذه المدينة. فبالإضافة إلى أنه أستاذ مقتدر للغة العربية كان يحب طلبته ومتواضع لهم، كما كان أديبا وكاتبا وروائيا وشاعرا وكتب عدة مسرحيات قام بأدوارها شباب وشابات المدينة، وكان يسعدهم ذلك وفي كل مرة ينتظرون إصداراته الجديدة بلهفة كبيرة. اشتهر الأستاذ “سي سلام” بمسرحية كان قد كتبها ومُثلت على خشبة سينما اسبانيول وتحمل عنوان “مذكرات بريئة مدانة” وقامت حليمة بدور البطلة. فكانت مسرحية متميزة وفريدة بكل المقاييس الفنية والجمالية.

تزوج سي سلام بفطومة عن حب متبادل وكان رجلا ناجحا في بناء اسرة مثقفة ومتوازنة نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. لكن اختفاء زوجته فطومة كان لغزا محيرا للجميع ولم تستسغه ساكنة تطوان بالخصوص ساكنة المدينة العتيقة التي تَعرف عن قرب فطومة وأخلاقها العالية والنسب الذي تنحدر منه. وبطول فترة غياب فطومة قد جعل سي سلام يتألم ألما شديدا فلم يستطع تحمله فمرض مرضا نفسانيا جعله منزويا داخل المنزل لا يخرج منه.

في أحد أيام الربيع وبينما حليمة تهيئ الفطور لأبيها لكي يأخذ الدواء سمعت دقات على الباب فإذا به جدها عبد الصبور على كرسي متحرك تدفعه عمتها البتول.
تفاجأت حليمة وقالت: إنك مريض يا جدي وكنت طريح الفراش فلم أتعبت نفسك بالقدوم إلينا؟ نحن يمكننا التنقل إليك.

قالت البتول: إنه أصر بأن يلتقي بابنه سلام ويتكلم معه في أمر مهم.

قاطعها سي عبد الصبور وقال: لقد اشتقت إليكما كثيرا يا حفيدتي، وبغياب فطومة أكيد تعيشان ظروفا صعبة، فبالرغم من أنني مريض وطريح الفراش، استجمعت قواي وطلبت من عمتك البتول أن تحضرني لأطمئن عليكما أنت وأبيك قبل أن أموت، كما أريد ان أدردش معكما في بعض الأمور.

قالت حليمة: ستعيش طويلا يا جدي إن شاء الله. هيا تفضلا، تفضلا هذا يوم كبير الذي زارنا فيه جدي وعمتي.
دخل سي عبد الصبور على الكرسي المتحرك والبتول تدفعه وهو ينظر هنا وهناك في أركان المنزل إلى أن وصل إلى القاعة الكبيرة التي بها خزانة كبيرة للكتب والوثائق وبعض المجلات والجرائد والملصقات القديمة وطاولات ومقاعد. وتذكر أيام كان يسكن هذا البيت قبل أن يَهَبه لابنه سي سلام. حيث كانت تُقام بهذا المنزل عدة تجمعات مع فئات عمرية مختلفة وقطاعات متعددة ومتنوعة، كما كانت به حركة نشيطة للكُتاب والمثقفين وكانت القاعة الواسعة تعج بشباب وشابات الحزب الذي أسسه سي عبد الصبور لجمع شتات المفكرين التطوانيين والمهتمين بمجال تنمية تطوان ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.

قال سي عبد الصبور: أتتذكرين يا ابنتي البتول كم أنشطة وكم محاضرات ومناقشات تمت في هذه القاعة؟

قالت البتول: صحيح يا أبي إنها ذكريات لا تنسى بحيث كان يأتي إلى هنا خيرة المفكرين والمفكرات والمثقفين والمثقفات الراغبين في تطوير أدائهم الثقافي والسياسي والمساهمة في تنمية اجتماعية وحقوقية وإنسانية. إن المنزل لازال يحمل عبق تلك الحركة النضالية الهادفة التي تفكر في مغرب مزدهر مثقف وواعد.قال سي عبد الصبور: وكأنني أرى أولئك الشباب والشابات هنا وهناك، منهم من يحرر بيانا ومنهم من يلخص محاضرة لنشرها بالجريدة ومنهم من يلقي محاضرة ومنهم من يرتب المكتبة، إني أراهم هنا وكأنهم معنا ينظرون إلينا ويسلمون علينا.

وبينما عبد الصبور والبتول يتكلمان إذ فُتِحت باب غرفة النوم وخرج منها “سي سلام” وقبَّل يد أبيه وسلَّم على أخته البتول وقال: أبي أنت متعب ما كان عليك أن تتحرك فالطبيب يوصيك وينصحك بعدم الخروج من البيت.

قال سي عبد الصبور: صحيح يا بني لكنني أردت أن أراكما أنت وابنتك حليمة قبل أن أغادركم إلى دار البقاء.

قاطعه سي سلام: لا تقل هذا يا أبي فالأعمار بيد الله، إن شاء الله ستستعيد عافيتك وقوتك وما ذلك على الله بعزيز.

قاطعه سي عبد الصبور قائلا: كما أنني أردت أيضا أن أتحدث معكما في بعض الأمور التي تهم اختفاء فطومة. هل من جديد في شأنها؟

الكتاب:  التطاونيات

للمؤلف: د. عبد الوهاب إيد الحاج

منشورات جمعية التراث والتنمية والمواطنة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا