التصوف والزوايا بشفشاون (1) - بريس تطوان - أخبار تطوان

التصوف والزوايا بشفشاون (1)

إن مدينة شفشاون أرض خصبة، تنبت الأولياء والفنانيين والأدباء كما تنبت الأرض الكلأ، فقد تخرجت منها أسماء وأعلام كبرى في مجالات ثقافية وفنية مختلفة، تجاوز إشعاعها المدينة ليعم ربوع الوطن. فشفشاون مدرسة كبرى تتوفر فيها ظروف يصعب وصفها والإلمام بها، جعلت منها وعاء عميقا للفكر، ومسرحا فسيحا للخيال…

إن الطاقة الروحية الكبيرة التي اختزنها الكيان الداخلي لشفشاون تجلت تاريخيا في الإبداع الصوفي، حيث كانت المدينة معلما بارزا من معالم التصوف المغربي وبصفة خاصة في القرن العاشر الهجري، وكان جل أهلها “فقراء” ومريدين، أما في الوقت الحالي فقد انفجرت الطاقة الروحية لهذه ” الساحرة” في الثقافة والفن، فألواحها وقصائدها اليوم هي محاولات للتحرر من المادة، ونوع من التصوف المحبب إلى قلوب وأرواح الشفشاونيين، التي تعشق التحليق بجوار القمم، ولا تطيق حياة السفوح.

لقد برع أهل شفشاون في ألوان ثقافية مختلفة من أبرازها: علوم التصوف والفقه، والأدب، والفن، وظهرت بها أسماء وازنة تجاوز فيضها حدود المغرب، وأمست منارات تضيء عتمة الأمكنة والأزمنة في الماضي والحاضر .

التصوف والزوايا:

اتسمت شفشاون منذ تأسيسها بسمات التصوف وأهله، فمؤسسوها علميون من نسل مولاي عبد السلام بن مشيش ووارثي سره، كما أن الظروف التي مرت بها، ودورها الجهادي، وموقعها الطبيعي كل ذلك شجع أهلها على ممارسة التصوف وتوقير شيوخه، وارتياد محاضنه. فالتصوف لأهل شفشاون من الناحية التاريخية ليس مجرد ممارسة روحية غارقة في التأملات تدير ظهرها للواقع ومشاكله، بل مرجع إصلاحي ساهم بقوة وفعالية في مواجهة التحديات التاريخية التي واجهت شفشاون اجتماعيا وسياسيا وعسكريا.

إن التصوف الإسلامي هو طريقة مخصوصة في العبادة، تعرج بسالكها إلى مقام الإحسان، وهو أعلى مراتب العبودية وأرقاها. وتختلف المدارس الصوفية عن بعضها البعض تبعا لاختلاف طرقها في السلوك إلى الله وعبادته، ومن ثم أطلق على أتباع المتصوفة بالطرقيين، وسمي المذهب الصوفي بالطريقة. ومن أشهر رجالات التصوف الذين أنجبتهم شفشاون أو أثروا فيها : المجدوب أبي خنشة الذي ينسب إليه مسجد الخرازين، وعبد الوارث بن عبد الله الصلوتي، وعبد الله بن محمد الهبطي، ويوسف التليدي، وعائشة بنت أحمد الإدريسية، ومحمد فتحا ابن سيدي ابن سيدي الحسن بن ريسون، ومحمد الحراق دفين تطوان، ومولاي علي شقور…

ولم يقف صوفية شفشاون بمختلف انتماءاتهم عند الممارسة، بل تجاوزوها إلى التنظير، حيث ألف بعضهم في قضايا مختلفة من التصوف، ومن أبرز ما وقفنا عليه ” كتاب الإشادة بمعرفة مدلول الشهادة لعبد الله الهبطي، وكتاب ” بيان غربة الإسلام بواسطتي صنفين من المتفقهة والمتفرقة من أهل مصر والشام وما يليها من بلاد الأعجام ” للفقيه الصوفي علي بن ميمون الحسني قاضي شفشاون أيام مولاي علي بن راشد، وديوان أشعار وأزجال الشيخ مولاي علي شقور، الذي يعبر عن أشواقه الروحية، وديوان حفيده الشيخ مولاي علي شقور، الذي يعبر عن أشواقه الروحية، وديوان حفيده الشيخ حمزة. أما الزوايا فهي مؤسسات تربوية  الهدف منها تلقين ” الطريقة” للمريدين والأتباع الجدد، حتى يدركوا المراتب العليا في العبادة، وباعتبار هذا الدور انتشرت الزوايا في سائر المدن والقرى المغربية، بما فيها شفشاون التي ظهرت بها فروع معظم الزوايا المغربية، وانخرط أهلها بحماس في هذه الفروع، بهدف التزكية وتعلم العلوم النافعة، ومن أهم هذه الزوايا: الشرفاء العلميين، زاوية مولاي علي شقور، وزاوية مولاي العربي الدرقاوي، والزاوية االريسونية، وزاوية سيدي أحمد التيجاني، الزاوية العيساوية، وزاوية سيدي بناصر…

منشورات الجمعية المغربية للثقافة الأندلسية

العنوان “شفشاون قديسة الجبل

للدكتور امحمد جبرون (طبعة ثانية 2017)

بريس تطوان/يتبع…

 


شاهد أيضا