التسول أم حرفة استجداء الجيوب ؟ - بريس تطوان - أخبار تطوان

التسول أم حرفة استجداء الجيوب ؟

إنه لمن الواجب التسطير بخط عريض تحت حقيقة تنامي و تضخم ظاهرة “السعاية” بشكل عام، و فئة “الطلاَّبة” بشكل خاص في كل الشوارع ، حيث أضحت الأزقة تعج بهذه الفئة، التي تنصب أمام أعينها حلا وحيدا لكسب قوتها و سد رمقها ، ألا و هو مد اليد و السعي إلى استظهار شفقة و رحمة “المتصدق” عن طريق ميكانيزمات دأبوا على استخدامها بغية استخراج تلك الدريهمات من جيوب الأفراد، الأمر الذي يفتح أعيننا شاسعة وواسعة على زمرة من الأسئلة تفتح الباب على مصراعيه لفهم بواعث تبنِّي هذه “الحرفة” كركيزة صلبة للعيش، و كيفية اجتثاث هاته الظاهرة من جذورها ؟ و خاصة أن هناك براعم تنشأ من صلب هذه الفئة لتحاكي ذويها في هذه “الحرفة” ، و إلى أي حد يمكن للدولة تقنين ظاهرة ملتبسة متعددة يتصل فيها النصب بالشفقة، و تتماهى الحقيقة بالكذب في أكثر الأحيان ؟

إن المواطن المغربي يترنَّح بين الرغبة في التصدق و بين العزوف عن ذلك، و هو أمر عادي بالنظر لتلك الجموع من “الطلابة” الذين يخرجون من جحورهم ليضعوا جذورهم في المقاهي و على الأرصفة و على أبواب المساجد و أمام المحلات التجارية و الأبناك كل يوم، بل منهم من مدَّد نطاق “حرفته” هذه، ليطرق أبواب المنازل توسُّلا و استجداءً و إسهابا في الدعاء، و أحيانا في السب و الشتم  “نتا و زهرك و نتا و جيبك”.

إن الإنسان بطبعه يستجيب لذلك الصوت الدفين الرامي إلى تحريك ضميره بغية الإقبال على “التصدق” ، بيد أن كل ما سلف ذكره يحول دون تحقيق هذه الرغبة، ليجد المواطن نفسه عالقا بين الإقدام و الإحجام، بل أكثر من ذلك، نجد أن البعض “يتصدق” و في قرارة نفسه يقين بأن دريهماته هي أضحت بين يدي الشخص الغلط ، حيث أنه لم يعد من الهيِّن التفرقة بين من تعوزه الحاجة حقا و تنخُرُ في عظامه، و بين من يفتعل مثل هذه الآليات و السلوكيات الخسيسة و الدنيئة رغبةً في الإستغناء فقط.

تُلحُّ الضرورة على وجوب الإقرار بأن تواتر مثل هذه السلوكيات التي تصُبُّ بشكل أساسي في مصلحة “فئة الطلاَّبة” تُقوِّي من فتيلة  “الإحجام عن التصدُّق” لدى جمهور المواطنين ، مما يُسفر عن تضرر فئة ضعيفة تلجأ إلى طمس كرامتها بين الفينات لسد رمقها . و هنا، وجب التوقف لبرهة بغية تسليط الضوء على حزمة من القناعات و المفاهيم السطحية _ التي تجد محلا لها في ذهن الفئة الآنفة الذكر _ الواجب تطهيرها، بل على الأقل تصحيحها. و تعتلي قمة هرم تلك القناعات : أن الأشخاص قد وُلدوا بملعقة من ذهب في أفواههم. و بهذا، يجب عليهم أن يُنفقوا مما يتنعَّموا به لفائدة الفئة المتخبطة في مستنقع الفقر و العوز، و الحال أن فئة الأشخاص المتصدقين يدفعهم باعث الشفقة و الرحمة فقط، بيد أنه قد تجدهم في ذات الوقت يتجرَّعون سُمَّ الحاجة. و فضلا عن كل ما سلف ذكره ، وجب الإقرار بأن ثلة من فئة “الطلابة”  قد تُضفي على “حرفتها المُربحة” طابع الإلزام و الجبر ، و تجدها تُشهِرُ في وجوه الأشخاص سكين السب و القذف إذا هم لم يستطيعوا مَغْنَطة بعض الدريهمات من جيوبهم. و انتقالا إلى قناعة أخرى تنصرف إلى “تحقيق الربح مقابل بذل جهد أقل” ، بيد أن هاته الفئة نَفَتْ مفهوم “الجهد” من المعادلة السالفة الذكر، و اكتفت بحصاد ثمار مفهوم “الربح” فقط، و الحال أن هذه القناعة موسومة بطابع التجريد و العموم، لكونها تعتبر نقطة ٱلتقاء مجموع “الطلاَّبة” و كونها تشَكِّل لَبِنة أساسية في حياة تلك الفئة، إلا أن الحقيقة تقتضي التملُّص و الإنسلاخ عن تلك القناعة، بالنظر لما ينجم عنها من تسفيه للنفس و تبخيس لقيم “الجهد و المثابرة و العمل”. و هنا، يتبادر لذهننا سؤال ينصرف إلى مدى إمكانية ٱقتلاع هاته الظاهرة “السعاية” من جذورها و وضعها في خانة  “المندثرات” بغية تحقيق قفزة نوعية في حياة المجتمع ككل ؟

و للإجابة عن هذا السؤال، يقتضي الأمر وضع الإطناب في التحليل و الحشو في الكلمات جانبا، و نصب التركيز على حقيقة الأمور، المتمثلة في كون أمر “ٱنقراض هاته الظاهرة” لا يمكن تحقيقه عبر توجيه الضغط من الخارج، أي بواسطة السلطات العمومية أو أية جهة كانت، بل يقتضي توجيه الضغط من الداخل، أي يجب على تلك الفئة أن تكبح نفوسها و توليد قناعة معاكسة نقيضة للقناعات الدفينة، تنصرف إلى وضع “الجهد و العمل” ضمن حلقة “الواجبات و الفضائل”. الأمر الذي يُضفي صفة الإستحالة على “ٱندثار” هاته الفئة التي غَطَسَت في محيط الراحة المُثمرة و المربحة و كرَّست جهدها للتَّقاعس و ٱستدرار الشفقة .


شاهد أيضا