التأسيس الأندلسي لتطوان.. سيدي المنظري والفرسان الغرناطيون - بريس تطوان - أخبار تطوان

التأسيس الأندلسي لتطوان.. سيدي المنظري والفرسان الغرناطيون

بريس تطوان

إن الأمر يتعلق بانبعاث حقيقي أكثر منه تجديد، وهو انبعاث ارتبطت به الظرفية الجيوسياسية أشد الارتباط.

ولقد كان حوض وادي مرتين في أقصى غرب الريف معزولا بعد الاستيلاء البرتغاليين [وليس الإسبان كما ورد في النص الأصلي] على كل من سبتة سنة 1415، والقصر الصغير سنة 1458، وطنجة وأصيلا سنة 1471.

وتجسدت مقاومة الاحتلال الإيبيري في داخل البلاد حول الشاون، المدينة الدولة.

وتحتل بلدة تطوان موقعا دفاعيا، فهي محمية بحاجزين طبيعيين وهما جبل درسة وجبل غوغيز. وهي تنحدر نحو البحر المتوسط عبر سهلي بني معدان ومرتيل، ولكنها محمية من جهة الجنوب الغربي بتلال جبالة.

سيدي المنظري والفرسان الغرناطيون

في هذه المنازل المفتوحة والمحمية في نفس الوقت، استقر المؤسسون الأندلسيون الجدد. وستجد ثلة المدجنين الأوائل الفارين من الغزو، والذين ركبوا البحر انطلاقا من روندة (Robda) وباثة (Baza) وموطريل (Motril)، زعيما في شخص أبي الحسن علي المنظري الذي تلقاه زعيم الشاون أبي الحسن علي بن راشد بكل ترحاب. وكانت هجرة الغرناطيين إلى تطوان عند بدء انبعاث المدينة، السبب والضامن الرئيسي – في الوقت نفسه – لتطورها واستمرارها. وغرناطة كلية الوجود في الروايات السابقة والتالية لإعادة بناء سيدي المنظري لتطوان، وهو وجود تاريخي وأسطوري.

ومن الأمور المسلم بها عامة أن سيدي المنظري وفرسانه الغرناطيين أعادوا بناء المدينة بعد هجرتهم وتذكر المصادر البرتغالية التي درسها غييرمو غوثالبيس بوسطو (Guillermo Gazalbas Busto) المنظري كقائد قلعة بينيار (Pinar) في مملكة بني نصر. وتصف روايات أخرى مواجهاته العسكرية مع البرتغاليين والإسبان. وقد يكون حقده على الملكين الكاثوليكيين اللذين احتلا مسقط رأسه، العامل الرئيسي في عملية استنفار قواته العسكرية. وظل حلم العودة إلى مسقط الرأس يراود المهاجرين الأندلسيين إلى المغرب حيث كانوا يعتبرون إقامتهم مؤقتة.

ولقد اتخذت بعض النصوص التاريخية البرتغالية المتعلقة بالمنظري طابعا خياليا، وروي في بعضها أن امرأة المنظري الأولى فاطمة، وهب من عائلة ملكية أندلسية، قد تكون وقعت أسيرة في يد الكونت دي طيندييا (de Tendilla) خلال سفرها من غرناطة إلى تطوان حيث كانت ستزوج للمنظري. وقد يكون الكونت استصحب أسيرته إلى قلعة ألكالا لا ريال (Alcala la Real)، وبعد توسط فارس أراغوني الأصل يدعى دون فرانتيسكو دي ثونييغا (Don Francusco Zuniga)، قد يكون الكونت دي طيندييا (de Tendilla)أطلق سراح أسيرته مقدما لها هدايا الزفاف. وهكذا قد يكون العدو تصرف تصرفا نبيلا تجاه الأندلسيين المطرودين، وقد يكون الشرف انتصر على المصلحة الشخصية.

وهناك حدث آخر عجيب ورد في مصدر برتغالي، وقد بلغت غرابته حد اللامنطق. ومفاده أن سيدي المنظري قد يكون طلب من ملك البرتغال نقله إلى تونس عن طريق البحر على أن يمنحه مقابل ذلك مدينة تطوان والناحية المجاورة لها.

وتفرض شخصية المنظري – المؤسس – البارزة نفسها كشخصية رمزية وحامية. ولقد ظلت شخصيته غامضة، وامتزج بعدها التريخي ببعدها الأسطوري واختلطا. ولا تسمح غوامض تاريخ المنظري وتأويلاته المختلفة بتكوين فكرة دقيقة عن عملياته العسكرية؛ ويظل اسمه مرتبطا بمطاحن تطوان، وبإحدى أزقتها، بل وحتى بمقهى من مقاهيها، غير أنه إلى جانب هذه الشعبية وبعدها الأسطوري، توجد بعض الراهين القاطعة على وجوده، منها قبره وقبور المجاهدين الذين صحبوه والتي تم تعرفها في مقبرة المسلمين بالمدينة. وإذا كان قبر المنظري قد حول إلى ضريح، فإن رواميس رفاقه توجد في حالة يرثى لها من التهدم والإهمال. وإن حضور غرناطة جلي في قبور المجاهدين الغرناطيين هذه، وبالتالي فلقد كانت هجرة الغرناطيين إلى تطوان هجرة حقيقية سبقت إعادة بناء المدينة واستمرت بعد إعادة تأسيسها.

ولقد ارتبط وصول الكبات الأندلسية إلى تطوان ارتباطا مباشرا بسقوط غرناطة في أيدي الملكين الكاثوليكيين. وكان القرب الجغرافي والاستقبال الحار الذي خصصه المهاجرين الأوائل للقادمين الجدد، يغري بالاستقرار في مدينة كانت تزدهر ازدهارا يوزاي سرعة تكاثر سكانها. ولم تشكل هذه الكبات ظاهرة متفردة أو خاصة، بل إنها كانت تشكل جزءا من هجرات الموريسكيين من غرناطة إلى البلدان الأخرى المتوسطة، المسيحية منها والمسلمة بصفة خاصة. وبخلاف الهجرة إلى البلاد الخاضعة للأتراك – وخاصة إلى تونس- التي أحكمت السلطات العثمانية تنظيمها، فإن المهاجرين الأندلسيين إلى المغرب كانوا مضطرين إلى إدارة شؤونهم بأنفسهم نظرا للفراغ السياسي الذي كانت تعرفه البلاد من جراء سقوط الدولة الوطاسية. وكان المهاجرين الأندلسيون يستقبلون في المدن الكبرى كفاس، كما استقبلوا كذلك في تطوان والشاون وسلا. وكانت تطوان المدينة التي استقبلت أكبر عدد من هؤلاء المهاجرين الذين أعادوا بناءها وأنموها أيضا كما تشهد على ذلك أحياؤها الأندلسية. وبفضل موقعها الجغرافي، استقبلت تطوان كذلك مهاجرين أندلسيين كانوا قاصدين مدنا ونواحي أخرى من المغرب. ولعل أبرز مثل على ذلك جماعة بأسرها، وهي جماعة الهورناتشيين التي مرت بتطوان قبل أن تتابع طريقها نحو الرباط حيث استقرت بصفة نهائية. ولقد لعبت الشاون دورا مماثلا.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا