البعد القيمي في ثقافة المرأة التطوانية (2) - بريس تطوان - أخبار تطوان

البعد القيمي في ثقافة المرأة التطوانية (2)

وكانت المرأة التطوانية تتباهى بين قريناتها، وبه أيضا ينبغي على كل النساء أن يتباهين؛ بتهمم أبنائهن بكتاب الله تعالى قراءة وحفظا وتدبرا وعملا وسلوكا وأخلاقا، فهي مسؤولية ملقاة على عاتق المرأة اليوم كي تستعيد الأسرة والمجتمع والأمة أمجادهم من جديد.

ولا يفوتنا الحديث في هذا السياق عن محبة نساء تطوان للرسول ﷺ وتعظيمهن له وفرحتهن بمولوده؛ إذ كن إذا استهل شهر المولد النبوي صرخن كلهن بالولاول في الدور والسطوح ،وغيرها ثم هاجت وماجت البلد بالنقر في الدفوف والغناء بالترحيب بشهر الحبيب.

فكان عيد المولد النبوي حدثا سعيدا، يحتفل بإحيائه في كل المساجد والزوايا. وقد أحيت سيدات تطوان ليلة المولد النبوي بالأمداح النبوية، كالسيدة «فامة بنت محمد الحراق بزاوية للا فريجة».

وقد يصل الفرح بمناسبة المولد الشريف إلى إحياء ليلة سابع المولد، حيث تستدعي بعض الشريفات لهذه الليلة نساء من معارفها وكذا سيدات المدينة من ذوات الوجاهة واليسر، فيحضرن إلى بيتها، ويدفعن لها بعض المبالغ المالية مساهمة منهن في إحياء الليلة، والحقيقة هي أنهن يسعين من وراء ذلك، إلى مد يد العون إلى تلك الشريفة التي تستحيي أن تمد يدها لطلب المساعدة عفة منها وتنزها عن ذلك.

وعن هذه العفة والتنزه والقناعة، تحدث الأستاذ محمد داود بشكل مستفيض، واصفا ما كان عليه المجتمع التطواني رجالا ونساء، من نخوة وعفة وعزة نفس وكرامة وقناعة ورضى، إذ قال : نعم إن تطوان لم تكن غنية، ولم تفكر قط في أن تزاحم كبريات مدن المغرب في الثروة والكبر والضخامة والكثرة، ولكنها عرفت دائما كيف تعيش عزيزة الجانب، موفورة الكرامة حسنة السمعة بالرغم من ضعف اقتصادها، وفقر القبائل المحيطة بها، فكان القليل فيها مقنعا كافيا، والضعيف لطيفا ظريفا والصغير نقيا نظيفا، والغني مقتصدا مدبرا، والحياة وديعة يسيرة، والأعمال متقنة منظمة ، لذلك كان سكانها آمنين مطمئنين راضين ،مرضیین وتلك هي السعادة لدى العقلاء الموفقين والحمد لله رب العالمين.

ورغم ما عاناه أهل تطوان من ضعف الاقتصاد وفقر القبائل المجاورة، فإن ذلك لم يمنع أهلها من التضامن والتعاون مع بعضهم البعض في كل الظروف والأحوال، وتلك قيمة ثالثة أردت أن أبرزها في هذا المبحث.

3 – التكافل الاجتماعي: الذي يجعل الناس بعضهم من بعض في حالة تعاضد وترابط بين الفرد والجماعة وبين كل إنسان مع أخيه الإنسان بحيث يرق غنيهم لفقيرهم، ويرحم كبيرهم صغيرهم ويعول صحيحهم مريضهم ويسد شبعانهم حاجة جائعهم ….

وهذا كله، مما جسدته المرأة التطوانية من خلال حرصها الشديد على صلة الرحم وعيادة المريض وإغاثة الملهوف وكفالة اليتيم والتهمم بالفقراء والمحتاجين.

فمن عادات النساء في مدينة تطوان خلال الأيام الأولى من شهر رمضان، أن تلبس الواحدة منهن حلتها الجديدة وتذهب صحبة أختها أو إحدى قريباتها أو تصحبها الأمة، فتزور النساء كبيرات السن من عائلتها، وكذا المريضات منهن، ومن كانت في فترة عدة وفاة والحوامل….

وتظهر تفاصيل هذا التكافل مع المرأة المعتدة، وكذا التي فقدت أحد أقرب أقاربها كأمها أو أبيها، فإنها لا تعد حلويات لرمضان، بل تستقبل ما يهدى إليها من الحلويات التي تعدها قريباتها أو صديقاتها. وذلك ما يعرف باسم «الذوقة».

وبلغت المرأة التطوانية الأصيلة من التكافل والتضامن مقاما كبيرا، وقد عثرت على نص في هذا الباب، وإن كان المؤرخ الكبير محمد داود جاء به في سياق ذكره النص هبة عام 1312 للهجرة وفتاوى حولها، فإنني أرى أنه يعبر عن تكافل المرأة التطوانية وحبها لربائبها وإخلاصها لهم، وتهممها بمصيرهم حتى بعد وفاتها خلاف ما يسود في مجتمعاتنا من نظرة سيئة عن زوجة الأب وسوء معاملتها لربائبها. وهذا مقتطف من نص الهبة «الحمد لله وهبت المرأة أم كلثوم بنت السيد محمد الباهي على ربيبها الصبي السيد أحمد ابن الفقيه السيد المختار العلوي جميع دملجين من ذهب وخيطين من جوهر … ومفتل من ذهب وزوجة مناكش من ذهب أيضا … مع نصف فدان بكدوت الشجر … مع ربع واحد بدا بالملاح الجديد تعرف بدار بن هلال… هبة صحيحة تامة.

وإلى مثل هذا النموذج النسائي، ينبغي أن تشرئب همة النساء التطوانيات الحديثات، فهو نموذج رفيع للمرأة المطيعة لربها ولزوجها، وللأم الصالحة المربية المسؤولة التي لا ينقطع عملها بولدها الصالح الذي يدعو لها بعد مماتها، وإن لم يكن من صلبها. لا إلى نماذج النساء اللواتي يستسلمن للحمولة الشعبية السلبية حول «الربيب» و«العكوزة» و«اللوسة» وغيرهم من أقارب الزوج.

فالمرأة التطوانية كانت منذ القديم، مثالا أصيلا للزوجة المسلمة المتشبثة بدينها، المخلصة لزوجها وأهله؛ إذ تتودد إليهم وتتفنن في خدمتهم وإرضائهم وإسعادهم. ليس – كما يزعم البعض – خوفا من سيطرة الزوج وغضبه، بل طمعا في رضى الله عز وجل ونيلا لما وعد به عباده المحسنين وتعيش مع أم زوجها في بيت واحد حياة عادية لا نقول عنها مثالية، بل يشوبها ما يشوب الحياة الاجتماعية اليومية المشتركة من عيوب وأخطاء بشرية بعيدا عن جو الحقد والكراهية والضغينة والحسابات الدقيقة… التي أفسدت العلاقات وهدمت البيوت فيما بعد.

ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن التكافل الاجتماعي الذي عرف به أهل تطوان، رجالا ونساء، أن نشير إلى كونهم كانوا سباقين إلى إنشاء جمعية خيرية إسلامية لإيواء الضعفاء والعجزة، وذلك في شتمبر من سنة 1932.

وتبقى هذه القيم سالفة الذكر، تعبيرا موجزا عما تشبعت به المرأة التطوانية من الأخلاق الرفيعة من عفة وحياء ولطافة ورقة ولين جانب واهتمام بالنظافة وسمت حسن وحسن جوار وتعايش وإبداع … وغيرها من القيم الفاضلة التي تدل على أصالة المرأة التطوانية وتشبثها بدينها وثقافتها الراقية وحضارتها المجيدة.

عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي

الكاتب: كتاب جماعي

الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)

بريس تطوان

يتبع…


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.