الازدهار الاقتصادي بمدينة تطوان - بريس تطوان - أخبار تطوان

الازدهار الاقتصادي بمدينة تطوان

بريس تطوان

لا يمثل القرن الثامن عشر بلوغ النظام السياسي كماله في تطوان خلال عهد الريفي فحسب، بل إنه يمثل أوج الازدهار المدينة المادي. و بخصوص هذا الازدهار، لا يجب – كما يذهب إلى ذلك البعض – عزل المدينة عن نواحيها، بل ولا ينبغي عزلها عن داخل البلاد المجاور لها. ولقد ارتبطت مختلف عناصر النشاط الزراعي والصناعي التقليدي وكذا الاتجار والتجارة الكبرى ارتباطا وثيقا وساهمت في الرخاء، وأحيانا في بحبوحة العيش التي تفسر ذلك الازدهار المدني والمعماري.

ولقد أثارت غوطة تطوان بأجنتها وبساتينها إعجاب الراحلين. وكانت هذه الغوطة تزود المدينة بالمواد الغذائية الطازجة، إذ بالرغم من وفرتها آنذاك، لم تكن البساتين الموجودة داخل المدينة وكذا الماشية التي كانت تربى داخل الأسوار كافية لتغذية السكان، كما كانت ثمارها تشكل جزءا من صادرات المدينة، وأصبحت تطوان في بداية القرن، بل وقبل الاعتراف بالسيادة الإنجليزية على جبل طارق سنة 1714، السوق التي تتمون فيه حامية الصخرة المحصنة البريطانية بانتظام، وكانت فلك جبل طارق وتطوان تربط اتصالا دائما بين المدينتين. وكانت تبعية القلعة الإنجليزية النسبية لجارتها تبعية سياسية والاقتصادية واستراتيجية في نفس الوقت؛ ولقد أخذ أمير البحر نلسن (Nelson) هذا المعطى بعين الاعتبار قبل معركة الطرف الأغر (Tarafalgar).

وازدهرات بساتين البرتقال في السهل الضيق على الأجزاء الدنيا من المنحدرات الجبلية. وأصبحت الحمضيات شيئا فشيئا من بين المواد الأساسية المصدرة. أما الحرير فكان يستعمل في المدينة نفسها؛ ولقد انبسطت بساتين أشجار التوت خلال القرن الثامن عشر، وهي الأشجار التي أدخلها الأندلسيون إلى المغرب دون شك في نهاية القرن السادس عشر وبدايه القرن 17، وكانت مملكة غرناطة من أهم مراكز القزازة وصناعة الحرير في العالم الإسلامي خلال العصر الوسيط. وكانت صناعة الحرير التطوانية تنتج الأنسجة والمطرزات والخيوط الحريرية وبالنسبة للاستعمال المحلي كان الحرير يستخدم في صنع الحزام أو “الكرازي”، والملابس والمناديل والستائر. وكانت الحرائر تصدر نحو الجزائر، وتشكل جزءا هاما من البضائع التي كان يحملها الحجاج معهم.

وكان الحرير ينتج في دور العائلات لاستعمالها الخاص، كما كان ينتجه المزارعون المختصون، وبما أنه كان يحكى ان دود القز يمكن أن يزعجه الضجيج خلال فترة إنتاجه، فإن أصحاب الدور التي كان يربى فيها كانوا يغلفون مقارع أبوابهم لتصبح صماء في بعض الأوقات السنة.

ولم تكن الجبال المجاورة عبارة عن مجال يميزه التقادم والعزلة والاكتفاء الذاتي. فاقتصادها وإن كان مستقلا جزئيا، يندمج في السلسلة التي تربط العالم القروي والمنتجين – منتجي المواد الأولية والغذائية – بالمدينة ومستهلكيها أو صناعتها التقليدية، وكذلك بالعالم الخارجي والتجارة الكبرى التي تربط به وكذا التنظيم الذي يساهم به في هذا الاقتصاد بتمكينه من تصدير فائض الإنتاج واستيراد الحبوب في حال حدوث المجاعة. وكانت آليات الاقتصاد خاضعة في حركتها للتوثر غير المنتظم للسنوات المغلالة والسنوات القحيطة. ولقد مكن هذا التعاقب التجار من جمع الأموال.

ولقد كانت الصناعة التقليدية جد نشيطة في المدينة خلال القرن السادس عشر كما رأينا ذلك، لكن تطوان كانت بصفة خاصة مدينة الاتجار والتجارة الكبرى، ويجوز أن نقول أنها أصبحت كذلك أكثر فأكثر. عن المبادلات الداخلية والجهوية فإننا لا نعرف الشيء الكثير نظرا لندرة الوثائق المتعلقة بها، غير ان ذخائر القضاة الخاصة تزودنا بمعلومات نفيسة وخاصة بالنسبة لنهاية القرن 17. ولوثائق القضاة والعدول فائدة قصوى. فهي تبرز من جهة التأثير الأندلسي في ميدان الشراع، فالفقهاء المالكيون الأندلسيون وجهوا المذهب المالكي في المغرب عبر القرون؛ وتكشف من جهة ثانية عن بنى الأنشطة التجارية ويتعلق الأمر بسندات الملكية العقارية وبعقود بيع الدور والأجنة والمخازن والأراضي الزراعية، إلخ. وتمدنا الوثائق المذكورة بمعلومات عن أحياء المدينة وخاصة حي العيون وزيانة اللذين لا زالا موجودين، وكذا بمعلومات عن أسواق الاندثرت ر كسوق البقالين. وتشهد هذه الوثائق على ازدهار الأنشطة التجارية وتعطينا معلومات عن الأثمنة وطبيعة المعاملات وكذا عمليات التصديق عليها. وتشير وثيقة ميراث مؤرخة لعام 1076 ه الموافق لسنة 1666 م إلى شخص يدعى “محمد بن محمد المعروف بالتطواني” وتذكر عدة أسماء عائلات تطوانية ما زالت موجودة في تطوان كالخطيب والرزيني واللبادي والزموري وحيون والرباحي والشويخ. وهذه شهادة جديدة على بروز واستمرار “السلالات البرجوازية” التي تعتبر هيمنتها على الشؤون الاقتصادية والثقافية والسياسة من السمات المميزة للمدينة. وتذكر هذه النصوص أيضا فرنا عموميا وسجنا وبعض الحرف، كما تذكر باب الحديد الذي لم يعد يعرف اليوم، وكذا بعض الأراضي الزراعية الواقعة في أحياء عُمرت في تواريخ لاحقة كحي المنجرة. ويلاحظ أن الحاضرة ذُكرت في هذه الوثائق باسمها في اللهجة المحلية: تطاون.

وتلقي المصادر الأوروبية الضوء على التجارة الكبرى وتمكننا من الإحاطة بمنتجاتها ومتجاهاتها. وتطلعنا القوائم بحمولات السفن على التنوع الكبير للأوساق، إلا أن بعض المنتوجات كانت أكثر رواجا، ففيما يخص الصادرات، نجد الشمع بصفة خاصة ثم الأهُب والجلود المدبوغة. وفي حوالي 12 قائمة مفصلة ترجع إلى الفترة الممتدة ما بين 1703 – 1724، نجد 90% من مجموعة عمليات النقل البحري شملت الجلود، و 75٪ من هذه العمليات شملت الشمع؛ وتذكر هذه القوائم الصوف بالنسبة لوسقين. أما منتجات الجنوب الأقصى فإنها لم تكن بالوفيرة شملت ولا بالنادرة (تسعة أوساق) شملت ريش النعام والتمر والصموغ، الشيء الذي يبين مدى اتساع مجال التجارة التطوانية القاري وبالنسبة للواردات فإننا نجد القروش الإسبانية التي كانت تمثل عملة التجارة الدولية والتي كانت تطوان أكبر مستورديها من بين الموانئ المغربية، والاقمشة والبارود والأسلحة والأغلال وبعض المعدات الضرورية لتجهيز السفن. كما استوردت وبكميات متزايدة الحرير الخام والسكر والقهوة بل وحتى الشاي منذ ذلك العهد.

وكانت مبادلات تطوان تتم مع الموانئ الأوروبية المتوسطية، وكانت مارسيليا من بين أولى هذه الموانئ حيث أتى وأقام وأحياناً سكن بعض التطوانيين “كأليكسار”، “وبنس موزيس جوده” و “ابراهام ماموران”. وكانت المواصلات البحرية بين المرفأين تتم مباشرة بواسطة السفن اللانغدوكية بصفة خاصة وهكذا ففيما بين 1693 و 1712، أبحرت من تطوان في اتجاه مارسيليا مباشرة 57 سفينة و بين 1713 و 1732 كان عدد هذه السفن سبعا وعشرين و عن طريق تطوان التي كانت أول مرفأ مغربي وقتئذ، تمت ما بين 15 و 20% من المواصلات مع أوربا وحوالي ربع المواصلات مع مارسيليا.

وغالبا ما كانت وخاصة في الوقت الحرب هذه المواصلات مع ناحية “بروفونس” تتم بطريقة غير مباشرة بواسطة ملاحة “جوالة” تشمل مرحله لفرنة ومسخريها اليهود. وكان هذا الميناء يتمتع بسمعة حياد “عالمي ودائم” وكان يهوده قد كونوا شبكة قوية من المراسلين (أقارب وحلفاء وشركاء أو مراسلين) على كل ضفاف البحر المتوسط، ولقد توطدت علاقات تطوان وإيطاليا خلال السنوات 1760 – 1770 نتيجة للحب الذي كان يكنه السلطان سيدي محمد بن عبد الله لهذا البلد، ونتيجة للدور التجاري أو الدبلوماسي الذي قام به الإخوة تشيابي، وهم من الشخصيات البارزة التي وجهت العلاقات المغربية الأوروبية خلال ربع قرن.

العنوان: تطوان الحاضرة الأندلسية المغربية

المؤلفين: جون لوي مييج/امحمد بن عبود/نادية الرزيني

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا