الإنسانية هو الدين الكوني الذي نقيس به انحراف الأديان... - بريس تطوان - أخبار تطوان

الإنسانية هو الدين الكوني الذي نقيس به انحراف الأديان…

لم يخلق الله العالم لغاية تضليل الناس، والزج بهم في عماء المجهول، واللعب بعقولهم لصدهم عن ذكره، ومنعهم من بلوغ مقاصد خلقه، العكس هو الصحيح، خلق الله العالم ليكون موضعا للحياة، وموضوعا للتفكير ، ومجالا للعمل والبحث والابتكار، وفضاء تلتقي فيه الإنسانية وتتعاون لتحقيق المرامي الكبرى لمعنى خلافة الله في الأرض والتصرف بحكمة وعقلانية وأخلاقية في كل ما سخره للإنسان هنا وفي آفاق أخرى قد لا نعلمها الآن لكن يمكن أن يكون مقدرا للأجيال القادمة أن تخترق الكثير من الحجب التي هي اليوم في حكم المستحيل بلوغه أو معرفته…
جعل الله إمكانية معرفة العالم متاحة للإنسان، ومكنه من الأدوات التي بها يحقق هذا الميول الطبيعي، وهنا تكمن قيمة هذا الكائن الفريد، الذي لا يتوقف عن التفكير، والاستقصاء وسبر غور كل الأماكن التي تخفي أسرارا مفيدة لمعرفة تاريخ العالم وعمر الإنسان، أي أنه محكوم بهذه الحتمية المعرفية التي تميزه عن باقي الكائنات الأخرى… لهذا فهو كائن يرفض الخنوع والاستسلام للجهل والغباء… الإنسان مرتبة نبلغها بجهد جهيد، وليس مقاما جاهزا نمرح فيه منذ الوهلة الأولى لخروجنا للعالم، وإلا لا معنى للرسل والرسائل والمصلحين والفلاسفة والمفكرين الذين لا تنقطع مناقبهم ولا تمحى أفكارهم ورسائلهم، وكل هذا هو لأجل التأكيد على مبدأ أساسي ألا وهو أن الفرد البشري لا يرتقي من تلقاء ذاته إلى مرتبة الإنسانية، بل يحتاج إلى تربية وتنشئة وتأهيل فكري وأخلاقي يلازمه منذ طفولته حتى رشده، بل حتى مماته كيلا يرتد ويسقط في مهاوي الجهل والشر التي يظل يتربص به في كل لحظة وحين….
هاهنا يكون المقصد الاسمي من كل رسالة سماوية أو دعوة إصلاحية تربوية أو فلسفة إنسانية هي مساعدة الناس على إدراك دورهم في هذا الوجود، تلقينهم بعض المبادئ الأولية التي تقوي فيهم ميولات التعاون، التسامح، التضامن في الجائحات والكوارث والمصائب، التضحية لصالح الأبناء والأوطان والأهل والأصحاب قصد الترقية بالذات إلى مستوى الإيثار الجميل، حب الكرم ونبذ البخل والأنانية والعجرفة واحتقار الضعفاء أو الراسبين في سباق الحياة، إلى جانب الكثير من القيم الإنسانية التي لا مناص من ترسيخها في نفوس الأطفال حتى يستوعبوا، منذ نعومة أظافرهم، أنهم يسيرون في طريق تحقيق الهوية الكونية الإنسانية التي هي منبع الحب الأعظم والقرب الكبير من الأهداف العلوية لوجود الناس على الأرض منذ الخلق الأول حتى يوم الرحيل…
بهذا المعنى يصبح من الضروري رفض التسلط والبغي لأجل مصلحة حكم الناس بالقوة والجبروت، اي أن كل شكل من المساس بالمبدأ السماوي الذي جوهره هو تحقيق العدل على الأرض يغدو بمثابة انحراف عن جوهر الرسالة، وعن مقصد الخلق، وبالتالي يجوز انتقاده وتقويمه حتى يستقيم ويعود لرشده، وهنا تكمن الغاية القصوى من كل الشرائع والدساتير التي يحتكم إليها الناس، لأن الله سبحانه وتعالي قد وضع في فطرته حب الناس للعرف وسن القوانين التي تحمي الضعفاء والصغار والنساء وكل الخلق من أي تحكم جائر أو اعتداء ظالم، لهذا كانت التشريعات الكونية هي الأخت الشقيقة للشرائع السماوية لأن مصدرها هو العقل المشرع الذي بدوره يستمد قوته الإبداعية من مصدره الأول أي الله سبحانه وتعالي… لكن العقل المتصل هنا ليس بالضرورة مطابقا للعقل المنفصل الذي قد ينتج نصوصا عادلة بقدر ما قد ينزاح عنها أحيانا لإرضاء أهواء أقليات تخرج مطالبها عن النواميس الطبيعية… وهذا ما يقود إلى الحروب بين الأمم والدول والحروب الطائفية بين الأديان والملل، والحروب الأهلية بين اللغات والهويات المتناقضة لسانا وعادات، وهي الحروب التي تدمر الأوطان والخيرات وتقضي على مشروع ترقية الإنسان إلى مرتبته السماوية السامية…
لا مفر من التصالح مع الهوية الكونية والقيم الإنسانية التي هي جوهر الشرائع السماوية؛ أي نبذ كل الدعاوى الإيديولوجية التي تفسر المعتقدات بالتحريض على قتل المختلف، أو التيارات القومية والعنصرية و كل الدوغمائيات الشوفينية التي سببت الخراب والدمار وملأت الأرض عويلا وأنينا والله أرادها عمارة وعدلا…وحبا نبيلا….


شاهد أيضا