الإسهام الحضاري الأندلسي في المجتمع التطواني - بريس تطوان - أخبار تطوان

الإسهام الحضاري الأندلسي في المجتمع التطواني

بريس تطوان

كان لمدينة تطوان ألقها الخاص على امتداد العصور، فهي منارة للاشعاع الحضاري وللتلاقح الثقافي، مكن ذلك ساكنتها من اكتساب مهارات الابداع الخلاق في مجالات شتى، فمظاهر، الحضارة الأندلسية في تطوان متعددة وميادين البحث فيها واسعة ومتشبعة، تتغير وتتطور حسب الأزمنة والأمكنة وتتميز تبعا لعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية. وبالرغم هذا التنوع والتلون فقد حافظ سكانها على صفة الاستقرار وصبغة المرونة في إطار تخضع حدوده لعامل الوحدة بعض النظر عن الجزئيات الطارئة والخصوصيات الإقليمية فبعد مرور قرون من استقرار الأندلسيون في المجتمع الجديد ما يزال كل شيء يفوح برقيهم الذي وفدوا به.

ففي الجانب الاجتماعي انتشرت مجموعة من العادات وأنماط العيش وأسلوب اللباس الحلي والموسيقى والألعاب والأدب والأعياد الإسلامية ومراسيم الاحتفال بالزواج والولادة والختان أو الأطعمة أو الأشربة وغدت متأصلة في مظاهر الثقافة بتطوان، لكنها لم تحظى بعناية إلا القليل من الباحثين وهي من المواضيع التي انصرفت عنها الأنظار وانشغلت عنها الأفكار رغم أنها من صميم الثقافة الشعبية التي انساقت نحو تطورات مادية طارئة وكادت أن تعصف بأسسها وكثيرا من أركان وحدتها.

ظلت تطوان على مر الزمان خاضعة لهذا الناموس التطوري ومتكيفة مع هذه السنة ذات الأبعاد الاجتماعية، لكن يبدو أن التقاليد والعادات تقاوم الاندثار حتى أن الزمن يبدو أنه يتوقف في أحضان المدينة العتيقة فالتقاليد لا تندثر بسهولة في تطوان.

1- أهل تطوان مجتمع واحد وعناصره متعددة:

تميزت المدينة منذ البداية نوعا ما بطابع التناجس والاستقرار، فالعناصر التي جددتها وتوافدت عليها طوال قرن ونصف من الزمن أغلبها من أصل أندلسي، من المسلمين واليهود التي هاجرت جنبا إلى جنب تحت الضغط الذي تعرضت له من قبل السلطات الإسبانية المتعصبة، أو من جبالة الذين وفدوا إلى المدينة أو من أحوازها كـ “ودراس” و “بني كرفط” و “بني حزمر” و “بني حسان”، انضافت إلى هاتين الطائفتين، طوائف أخرى من أبطال جبال الريف المشهورين بالشجاعة والإقدام والجهاد، يقول مؤرخ تطوان عنهم: “وأبطال الرجال الذي يهمهم الجهاد في سبيل الله وسيرهم الاستشهاد في حومة الوغى وميدان الشرف، والمتعطشون للكفاح دفاعا عن الدين والوطن”. انضافت إليهم طائفة من مدينة فاس وهم أصحاب العلم والصناعة.

تصاهرت الأسر واختلطت، وتم تقليد العادات الغرناطية في طريقة العيش ونمط الحياة واللباس والمأكل وطريقة التحدث والكلام والاحتفالات الاجتماعية، تطبع الجميع بالصبغة التطوانية الخاصة، حتى أصبح من الصعب التمييز بدقة بين من هو غرناطي ومن هو فاسي أو ريفي أو جبلي، انصهر الكل في بوثقة واحدة فأصبح مجتمعا واحدا عناصره متعددة. لكن بعض الأسر الممتدة لم تتغير بشكل جوهري وحافظت على استمرار العلاقات التقليدية بينها. وحدثت حالات كثيرة من المصاهرة فيما بينهم فنجد على سبيل المثال أن “عبد الرحمن بن أحمد المغربي الطرابلسي” تزوج من “فاطمة ابنة محمد عمر المغربي الأندلسي” وكان لهذه الزوجة الأندلسية الأصل شروطا قاسية على زوجها موضحة في عقد الزواج، وربما كان لوضعية هؤلاء المهجرين أثر في تشددهم عند الزواج من أبناء أو بنات العناصر الأخرى.

كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

للمؤلفة: نضار الأندلسي

منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا