بسم الله الرحمن الرحيم خطبة منبرية في موضوع: «الإنفاق من ثمار الذِّكر والشُّكر» ليوم: 25 جمادى الآخرة 1446هـ، الموافق لـ: 27 دجنبر 2024م
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى، نحمده تعالى على نعمه التي لا تعدُّ ولا تحصى، ومِنَنِه التي لا تحصر ولا تستقصى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة الذَّاكرين الذين يشكرون، ومن فضل الله الذي آتاهم ينفقون ولا يكفرون، ونشهد أنَّ سيِّدنا محمداً عبد الله ورسوله، أجود النَّاس بالخير في سائر أحواله وأحيانه، صلى الله وسلم عليه صلاةً وسلاماً دائمين بدوام ملك الله، وعلى آله الطَّاهرين البررة، وصحابته الميامين الخيرة، وعلى التَّابعين لهم والسَّائرين على سننهم إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد، أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات، إنَّ مما يسعى إليه العلماء في خطة «تسديد التَّبليغ» هو بيانُ العلاقة بين مقام الذِّكر ومنزلة الشُّكر وما ينتج عنهما من ثمار في حياة الذَّاكرين والشَّاكرين بما أنفقوا وجادوا وأحسنوا، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِےٓ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِے وَلَا تَكْفُرُونِۖ [1].
عباد الله، إنَّ ذكر الله تعالى هو روح الأعمال الصَّالحة، يستحضر به المؤمن ربَّه وخالقه ورازقه، فيعظمه ويمجده ويكبره ويعترف له بما أسبغ عليه من النِّعم الظَّاهرة والباطنة؛ فإذا أثمر الذِّكر في المؤمن هذه الخصال، انطلق لسانه بالشُّكر والحمد، وتخلَّصت نفسه من كل ما يناقض ذلك من أمراض الشُّح والبُخل والمنع، وسارع إلى فعل الخير بالقول والعمل، وهذا هو العمل الصَّالح المفضي للحياة الطَّيبة؛ امتثالاً لقول الله تعالى: ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِۖ فَالذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمُۥٓ أَجْرٞ كَبِيرٞۖ[2].
وقوله عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَ۬للَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمُۥٓ إِيمَٰناٗ وَعَلَيٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَۖ اَ۬لذِينَ يُقِيمُونَ اَ۬لصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ[3].
فظهر من خلال هذا البيان القرآني الكريم وغيره؛ التَّلازم بين الإيمان والذِّكر والشُّكر والإنفاق في سبيل الله؛ ذلك أنَّ الذَّاكر يرى المُنعِم من خلال نعمه، ويرى شُكره في صرف نعمه فيما يرضيه، ولا تحجُبه النِّعمة عن المنعم، فينشغل بها عنه سبحانه.
وهذا التَّلازم واضحٌ بيِّنٌ فيما قصَّه الله تعالى في سورة الإنسان، حيث قسم النَّاس قسمين: إِمَّا شَاكِراٗ وَإِمَّا كَفُوراً[4].
عباد الله، لقد بيَّن الله تعالى لنا بعض آثار الشَّاكرين من مثل قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماٗ كَانَ شَرُّهُۥ مُسْتَطِيراٗۖ وَيُطْعِمُونَ اَ۬لطَّعَامَ عَلَيٰ حُبِّهِۦ مِسْكِيناٗ وَيَتِيماٗ وَأَسِيراً[5]،
ولسانُ حالهم يقول: اِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اِ۬للَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءٗ وَلَا شُكُوراً[6].
فالشَّاكرون يَظهرُ شُكرهم على لسانهم ثناءً، وفي نفوسهم محبَّةً، وفي أعمالهم صلاحاً وطاعةً فيما يرضي الله تعالى وينفع النَّاس، كالإحسان إليهم بكلِّ صوره ومجالاته.
ونتيجةً للتَّحلي بفضيلة الإنفاق شكراً لله تعالى على ما منَّ به وأعطى، يقابل الله تعالى هذا النَّوع من الشُّكر، بشُكرٍ وثناءٍ عظيمين جزاءً منه عزَّ وجلَّ، قال سبحانه: اِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً[7].
تِلكُم عباد الله، بعضُ آثار الذِّكر والشُّكر في مجال الإنفاق في سبيل الله خاصة، فضلاً على أنَّ لهذا المقام تجليَّاتٍ أخرى في مختلف جوانب حياة المسلم، التي لا يتَّسع المقام لتتبُّع الآيات والأحاديث الواردة فيها، وما شملته من تلازم بين الذِّكر والشُّكر والإنفاق، وما تورثه هذه الخصال من الثِّقة والطُّمأنينة والسَّكينة في قلب المؤمن.
بارك الله لي ولكم في القرآن المبين، وحديث سيد الأولين والآخرين، وغفر لي ولكم وسائر المسلمين، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الملك الوهاب، الشَّكور الغفور التَّواب، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّ الهدى ونور الدُّجى سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه، وكل من اتَّبع هُداه.
وبعد فيا عباد الله؛ ما من شُعبةٍ من شُعب الإيمان، ولا خَصلةٍ من خِصال البرِّ والإحسان التي حدَّثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا وكان الصَّحابة الكرام، رضوان الله عليهم، النَّموذج الأمثل، والقدوة الحسنة في تطبيق تلكم الشُّعب والخصال، والعمل بمقتضياتها على أتمِّ وجهٍ وأحسن حالٍ.
فالنَّاظر في السِّيرة النَّبوية يجد مواقف متعدِّدة في تسابق الصَّحابة إلى الإنفاق في سبيل الله؛ شكراً لله وذكراً له، تيسيراً وتوسعةً على الفقراء والمساكين، وخدمة لقضايا الأمَّة الكبرى.
ومن ذلك، على سبيل المثال لا الحصر: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم جاءه قومٌ من مُضَرَ حفاةٌ عراةٌ…، فتمعَّر وجه النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ – أي تغير لونه – إذ لا يجد ما ينفقه عليهم، فقام وخطب في النَّاس وحثَّهم على الصَّدقة وفضلها وثوابها، فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ – أي: كيس من المال – كادت كفه تعجز عنها، ثم تتابع النَّاس وفعلوا مثله، ففرح النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن يُنقص من أجورهم شيء، … الحديث[8].
وعن يزيد بن أبي حبيب قال: كان مَرْثَدُ بن عبد الله لا يَجِيءُ إلى المسجد إلا ومعه شيء يتصدَّق به، قال: فجاء ذات يوم إلى المسجد ومعه بَصَلٌ، فقلت له: أبا الخير، ما تريد إلى هذا يُنْتِنُ عليك ثوبك، قال: يا ابن أخي، إنَّه والله ما كان في منزلي شيء أتصدَّق به غيره، إنَّه حدثني رجلٌ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: ظِلُّ المؤمن يوم القيامة صدقَتُه [9].
أي: أنَّ الصَّدقة كالظل تحمي المؤمن أذى الحرِّ يوم القيامة.
فاتَّقوا الله، عباد الله، وأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وأكثروا من الصَّلاة والسَّلام على ملاذ الورى في الموقف العظيم، اللهم صلِّ وسلِّم على سيِّدنا محمد، وعلى آل سيِّدنا محمد، كما صلَّيت وسلَّمت على سيِّدنا إبراهيم، وعلى آل سيِّدنا إبراهيم، وبارك على سيِّدنا محمد، وعلى آل سيِّدنا محمد، كما باركت على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيِّدنا إبراهيم في العالمين إنَّك حميد مجيد.
وارض اللهم عن الخلفاء الرَّاشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الأنصار منهم والمهاجرين، وباقي الصَّحب أجمعين، وعن التَّابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وانصر اللهم من وليته أمر عبادك في هذا البلد الأمين، مولانا أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمداً السَّادس نصراً عزيزاً تعزُّ به الدِّين، وترفع به راية المسلمين، واحفظه اللهم بحفظ كتابك، وأقر عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السُّمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن، وشدَّ أزر جلالته بصنوه السَّعيد، الأمير الجليل مولاي رشيد، وبباقي أفراد الأسرة الملكية الشَّريفة، إنَّك سميع مجيب.
وارحم اللهم بعفوك وجميل جودك، الملكين الجليلين مولانا محمداً الخامس، ومولانا الحسن الثَّاني، اللهم طيب ثراهما، وأكرم مثواهما، واجعلهما في أعلى عليين مع المنعم عليهم من النَّبيئين والصِّديقين والشُّهداء والصَّالحين.
اللهم اجعلنا لك من الذَّاكرين، ولنعمائك من الشَّاكرين، وفي فضلك راغبين، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأكرمنا بتوفيقك وحسن تأييدك. اللهم إنَّا نعوذ بك من السَّلب بعد العطاء، ومن الخفض بعد الرَّفع، اللهم اشملنا بحفظك وتوفيقك وجميل عطائك.
ربَّنا اغفر لنا ولوالدينا ولسائر المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنَّك سميع قريب مجيب الدَّعوات.
ربَّنا اغفر وارحم، واعف وتكرم، وتجاوز عمَّا تعلم، فإنَّك تعلم ولا نعلم، وأنت علام الغُيوب.
ربَّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربَّنا إنَّك رءوف رحيم.
ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النَّار.
سبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.
- [1] – سورة البقرة، الآية: 151.
- [2] – سورة الحديد، الآية: 7.
- [3] – سورة الأنفال، الآيات: 2 – 3.
- [4]– سورة الإنسان، الآية: 3.
- [5]– سورة الإنسان، الآية: 7-8.
- [6] – سورة الإنسان، الآية: 9.
- [7] – سورة الإنسان، الآية: 22.
- [8] – صحيح مسلم، كتاب الكسوف، باب الحث على الصدقة ولو بشق ثمرة أو كلمة طيبة، رقم: 1017.
- [9] – أخرجه أحمد في مسنده، رقم: 23490.
