الأمطار.. المزاج.. المرض.. الاقتصاد - بريس تطوان - أخبار تطوان

الأمطار.. المزاج.. المرض.. الاقتصاد

لا جدال في أن علاقة المغاربة بالمطر هي علاقة الجسد بالحياة، كلما انحبس الغيث وتأخر كرم السماء، استبدت بالناس حالة القلق والترقب، وحين يزيد زمن التأخر ترفع أكف الضراعة إلى العلي القدير لتوسل رحمته وجوده طمعا في حلول يوم ترفع  فيه القنوط لتعود الحياة إلى النفوس والأرض والدواب…

الغيث هو بداية دورة الحياة عند المغاربة، بحلول شهر اكتوبر يرتفع منسوب مراقبة السحب، والنجوم والرياح للتنبؤ بقرب قدوم المطر أو عدمه، يتلاشى الاهتمام بكل الأغراض المعتادة، يظل الماء هو المعول عليه لإعادة النظام الطبيعي  إلى حاله من خلال تدشين دورة اقتصادية جديدة، أي دورة فلاحية تؤسس لسنة بكاملها من حيث النشاط الاقتصادي، والرواج  التجاري في الاسواق الاسبوعية بين المنتجين والمستهلكين، والبيع والشراء، والصحة والإنجاب، والاقتراض وتبادل المصالح والمنافع بين الناس… الغيث هو ضامن الاستقرار الاجتماعي ومانح الأمل، وراسم البسمات على الوجوه التي أنهكها الجفاف والوباء والغلاء…
طال أمد انتظار أمطار الخير منذ أكثر من سنة، وكاد الأمل يتلاشى في رحمة السماء، واشتدت الأوضاع زحمة وتعقيدا مع ظهور وباء غامض يحصد الأرواح، ويحكم على الاقتصاد والحياة العادية بالتراجع والجمود، إنها سنة كئيبة، كسيحة، تكالب فيها المرض مع الجفاف والسياسات الفاشلة لخلق بؤرة اليأس الخطير… لكن الله رؤوف ورحيم بعباده… يعيد الانفراج إلى الوجوه، والدفء إلى القلوب، والأمل إلى الأرواح المرتعبة… والحمد لله على ذلك…
المطر في بلادنا سيرة شعرية شعبية عميقة المصادر، حكاية قديمة متجذرة في الوجدان المغربي البدوي الأصيل، بل هو جزء من تاريخنا  الغيبي الضارب في أعماق هذه الأرض الكريمة، تاريخ مليء بالمجاعات والقحط والأوبئة مرت على بلادنا وقضت على خلق كثير من أجدادنا، ومن يقرأ كتب تاريخ المغرب وخاصة خلال القرن الرابع والخامس عشر الميلادي، سيصاب بدهشة فظيعة عندما يقرا أن الأوبئة والمجاعة قد أبادت نصف سكان المغرب، وهذا ما يورده الكتاب الأطروحة “الغزو الأيبيري لشواطئ المغرب خلال القرن 15” للمؤرخ المتميز الدكتور أحمد بوشارب… في هذه الأطروحة يتحدث الأستاذ عن أن المغرب في هذه الفترة قد خلا من أغلب  سكانه، حيث امتلأت الطرقات والممرات بجثث الناس والحيوانات، وقد اقترن ذلك بغزو البرتغال لشواطئنا وسقوط الأندلس وضعف سلطة الحاكمين.. وقد شكلت هذه المرحلة بداية ظهور الخطاب الصوفي الطرقي، وهو الزمن الذي ظهر فيه سيدي عبدالرحمان المجذوب، بكلامه الحكيم المتواتر إلى الآن، وهو كذلك الظرف الذي أنجب “عيشة قنديشة” أو المجاهدة المغربية ” عيشة الكونتيسا”‘ أي عائشة الأميرة التي كانت بجمالها تغري الضباط البرتغال لتحملهم على القيام بنزهة ليلية حيث ينتظرهم رجال المقاومة المغربية الذين يقومون بتصفيتهم وإخفاء جثتهم، حتى ذاع صيتها وأصبح اسمها مرادفا لجنية تخطف الرجال وتبيدهم… هي أحداث في حاجة إلى تمحيص وإعادة قراءة لبيان دلالتها وصحة حدوثها حتى نفهم الجائحات التي ضربت بلادنا وما أنتجته من ظواهر غريبة وأقاويل عجيبة وطرق صوفية متعددة.. لقد كانت ردة فعل الناس على الموت و الأوبئة والغزو والجفاف…

من هنا ينبغي فهم العلاقة التي تربط المغاربة بالمطر، هناك تاريخ كبير وارتباط شديد بين الموت والماء، بين شح السماء وانتشار الأوبئة والأمراض والفقر والموت.. لهذا فسنة 2020 تكاد تحيي في نفوس الناس تاريخا من النائبات لولا أننا اليوم نتوفر على وزارة صحة، وحكومة تتحمل مسؤولية العلاج والتدابير الملازمة للحد من الجفاف والوباء، وعلوم طبية متقدمة، ومختبرات للتحاليل، وبعض الأدوية لتخفيف اثر المرض على الأجساد..لكن رغم ذلك يظل تاريخنا الشعبي متوجسا دوما من شح المطر وانتشار الوباء وعلاقته بغضب السماء…ولله الحمد من قبل ومن بعد…


شاهد أيضا