الأمثال .. مرآة للغة وتصوير للأوساط - بريس تطوان - أخبار تطوان

الأمثال .. مرآة للغة وتصوير للأوساط

بريس تطوان

والأمثال عموماً، والعامية منها حصوصاً، تعطينا حقيقية أو قريبة من الحقيقية، عن اللغة التي يتكلم بها الشعب الذي يستعمل تلك الأمثال، إذا الشأن أن الناس لا يستعملون من الأمثال إلا ما يكون معروفا لديهم لفظه، مفهوما عندهم معناه، وأنهم لا يستعملون المثل إلا لأنه ينطبق على الحياة التي يعيشونها أو الحالة التي يشعرون بها أو يستحسنونها أو يستحقونها، فلغة تلك الأمثال هي لغتهم، ولهجتها هي لهجتهم.

والأمثال أيضا تصور ما يشعر به قائلون ومرسلوها ومستعملوها، وهؤلاء منهم المنتور المنصف المشرف، ومنهم المتعصب المخذول المتعجرف، فهنا شخص يعبر عما يشعر به من علم وحكمة وفضيلة، وهناك آخر ينفث ما في صدره من خبيث، وفي قلبه من مرض أو ضغينة، أو يصور ما يراه في وسطه من الأوصاف والأخلاق.

فالشخص الذي أرسل قوله: (الشرب من قاع البير، ولا جميل الكرابا) إنما يدل كلامه على أنه عزيز النفس، لا يرضى بأن تكون عليه منة من الشخص الذي يسقي الناس من قربته، أما الشخص الذي يصف نفسه بأنه (عبد من أصبح) فإنما يدل بقوله هذا على خسة ودناءة، إذ أنه يرضى لنفسه بأن يكون عبدا خادما لكل من أصبحت له سلطة وبيده نفوذ كيفما كانت حاله، وأن يتنكر لكل من خانه دهره وزالت سطوته، شخص كهذا، إنما هو مثال للنفاق والضعة ونكران الجميل ودناءة النفس وضعف الروح.

وعلى ذلك، فإننا نجد للأخيار والصالحين أمثالهم، وللأشرار والصالحين أمثالهم، وللأعيان والأرستوقراطيين أمثالهم، وللرعاع والصعاليك أمثالهم، وللمستقيمين والثقات أمثالهم، وللفساق والمنحرفين أمثالهم، وحتى أصحاب الألسن الوسخة نجد لهم من الأمثال القذرة ما لا يعرفون غيره ولا يستعملون سواه، وهكذا نجد أن كل إناء بالذي فيه يرشح.

على أن دراسة الأمثال الشعبية ومغازيها، تعد لدى رجال التربية والإصلاح، من أهم الميادين لدراسة الأخلاق والنفسيات، وفرصة نادرة لتحبيذ الحياة الصالحة وتبيين حسنها، والتحذير من قبيحها وخبيثها، والتنفير من شاذها ومنحرفها، وما لا خير فيه من المواقف والأعمال، كالانزواء المميت، والاندفاع المهلك، فما أحرى رجال الإصلاح والإرشاد، والدارسين الأخلاق الأمم والشعوب، بالإكباب على دراسة أمثالها واقوالها، للوقوف على دخائل نفسياتها، ومعرفة أعماق قلوبها، لمعالجتها بالأدوية الناجعة، ودفعها إلى ميادين الأعمال الصالحة النافعة، ولا ينبئك مثل خبير.

العنوان: الأمثال العامية في تطوان والبلاد العربية

للمؤلف: محمد داود

تحقيق: حسناء محمد داود

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا