الأمثال العربية العامية في الأندلس - بريس تطوان - أخبار تطوان

الأمثال العربية العامية في الأندلس

بريس تطوان

وبلاد الأندلس الواقعة في الجنوب الغربي من قارة أوربا – وهي الآن جزء من إسبانيا – قد عاش الكثير منها تحت راية الإسلام والعروبة نحو ثمانمائة عام، وقد بلغت الحضارة العربية الإسلامية فيها درجة امتازت بها وتفوقت على كثير من أقطار العالم شرقا وغربا، وكانت اللغة العربية هي اللغة الوحيدة المستعملة فيها، بما في ذلك من أمثال فصيحة وعامية.

وسيرى المطالع النبيه، أنني كثيرا ما أنقل أمثال مدينتي غرناطة واشبيلية، وهما المدينتان اللتان كانتا من أهم العواصم العربية الكبرى في عهد الدول الإسلامية بالأندلس، أما الآن فإنهما لم يبق من بين سكانهما من يتكلم بالعربية، لا بالفصحى ولا بالعامية، لأنهم الآن كلهم إسبانيون يدينون بالمسيحية على المذهب الكاثوليكي، ويتكلمون بلغتهم الإسبانية دون غيرها، ولولا ما خلده لنا الدهر في غرناطة من قصر الحمراء وما إليه، وفي اشبيلية من قصر المعتمد ابن عباد ومنارة المسجد الأعظم وما إلى ذلك، لما عرف الزائر للمدينتين المذكورتين في عصرنا هذا، أنهما كانتا من أهم منارات العلوم والفنون في العالم على عهد العروبة والإسلام بالديار الأندلسية.

والواقع أن عالمين أديبين من رجال الأندلس، هما اللذان خلدا لنا الأمثال العامية التي كانت متداولة بالمدينتين المطكورتين منذ نحو سبعة قرون، وهذان العالمان، أحدهما عاش في القرن السابع للهجرة بمدينة اشبيلية، وهو الزجالي صاحب “ري الأوام”، والآخر عاش ما بين القرنين الثامن والتاسع للهجرة، بمدينة غرناطة، وهو ابن عاصم، صاحب “حديقة الأزاهر”.

فالزجالي هو الأديب أبو يحيى عبيد الله بن أحمد الزجالي الأندلسي، ويظهر أن مولده كان في أوائل القرن السابع للهجرة، الموافق لأوائل القرن الثالث عشر للميلاد، وفي سنة 625 هـ (1228م) كان بمدينة قرطبة، وكانت وفاته بمدينة مراكش سنة 694 هـ، الموافقة لسنة 1294م، وكتابه سماه “ري الأوام”، ومرعى السوام، في نكت الخواص والعوام”، وهو كتاب يقع في جزأين متوسطين، في كل واحد منهما ما يقرب من مائتين وخمسين صفحة، والجزء الثاني منهما، جله في الأمثال التي كانت متداولة بإشبيلية، ما بين فصحى وعامية، وهي مرتبة على الحروف الهجائية على الطريقة الأندلسية المغربية، وفي كل حرف يأتي المؤلف أولا بعنوان “ما يتمثل به الخاصة”، ثم يأتي بالأمثال العربية الفصحى، وجلها معروف بالعالم العربي، ثم يأتي بعنوان “العوام”، ويأتي بالأمثال العامية كما ينطق بها العوام، وكثيرا ما يخلل ذلك بأبيات شعرية تناسب الموضوع.

وهذا الكتاب المخطوط النادر الوجود، قد وقفت على نسختين منه، إحداهما في الخزانة الملكية بالرباط، وهي مكتوبة بخط جيد، وقد كتب اسم المؤلف فيها موصوفا بالشيخ الفقيه الكاتب الأستاذ الجليل أبي يحيى عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الزجالي القرطبي، وفيها أن هذه النسخة رواية صالح بن أحمد بن حجاج، وأن السفر الأول منها ثم نسخه في جمادى الأولى سنة 705، أي بعد وفاة المؤلف بنحو خمسين سنة، والجزء الثاني كملت كتابته في غزة جمادى الأخيرة من نفس العام، وهذه النسخة قد تصفحتها كلها ونقلت منها كثيرا، أما النسخة الثانية فهي من كتب الخزانة السودية بفاس، لصاحبنا الفقيه الفاضل المؤرخ أبي محمد عبد السلام ابن سودة، مؤلف كتاب “دليل مؤرخ المغرب”، وهذه النسخة كتبت بخط مغربي حسن منذ نحو مائة سنة، وقد استعرتها من صاحبنا المذكور جزاه الله خيرا، وتصفحتها كلمة كلمة، ونقلت منها كثيرا، وهاتان النسختان عليهما اعتمادي فيما أثبته من الأمثال الإشبيلية الأندلسية، وينبغي أن لا ننسى أن هذا الكتاب ألف قبل تاريخنا هذا بأكثر من سبعمائة عام.

أما ابن عاصم صاحب “الحدائق”، فهو الفقيه القاضي أبو بكر محمد بن محمد ابن عاصم الغرناطي الأندلسي، ومولده بغرناطة سنة 760 هـ، ووفاته بها سنة 829 هـ (1426م)، قبل انتهاء الحكم الإسلامي العربي من الأندلس بما يقرب من نصف قرن، وهو صاحب المنظومة الفقهية المشهورة لدى فقهاء المغرب بتحفة الحكام، أو تحفة ابن عاصم، وهي التي كانت إلى عهد قريب، عمدة القضاة والمفتين في جميع أنحاء المغرب، وتأليفه الذي حفظ لنا الأمثال العامية الأندلسية بغرناطة، سماه “حدائق الأزاهر، في مستحسن الأجوية والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر”، ويشتمل على ست حدائق (أي أبواب)، خصص الخامسة منها بالأمثال العامية الغرناطية، وهي مرتبة على الحروف الهجائية.

وكتاب “الحدائق”، قد طبع بالمطبعة الحجرية في مدينة فاس بالمغرب، ولم يبين فيه تاريخ طبعه، وعدد صفحاته 320، أخذت منها حديقة الأمثال اثنتين وعشرين صفحة، وفي هذه الطبعة كثير من التصحيف بالرغم من ان خطها حسن واضح

وأمثال “الحدائق”، قد اعتنى بها معاصرنا الأديب البحاثة الدكتور عبد العزيز الأهواني المصري، وقد خصص لها بحثا قيما قام بنشره مع النص الكامل لتلك الأمثال في طبعة جيدة، بعد تحقيقها على نسخ خطية عديدة وقف عليها في الشرق وأوربا، وبما أن طبعه فاس فيها كثير من التصحيف والنقص – كما قلنا – فإن الدكتور الأهواني قد أصلح ما فيها من الخطأ، وكمل ما فيها من نقص، حتى بلغ عدد تلك الأمثال 850. وعلى هاتين النسختين – نسخة فاس، ونسخة- اعتمدت فيما نقلته من أمثال غرناطة، ويلاحظ هنا أن أمثال الحديقة قد رتبت في طبعة فاس على الطريقة المغربية، أما في بحث الدكتور الأهواني فإنها مرتبة على الطريقة الشرقية.

العنوان: الأمثال العامية في تطوان والبلاد العربية

للمؤلف: محمد داود

تحقيق: حسناء محمد داود

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع

 


شاهد أيضا