الأمثال العامية واختلاف طبقاتها - بريس تطوان - أخبار تطوان

الأمثال العامية واختلاف طبقاتها

بريس تطوان

وكما أن الناس معادن، فكذلك الأمثال الصادرة منهم أصناف وأنواع، فهناك أمثال بلغت الغاية في تناسق الألفاظ وسمو المعاني، فهي إما حكم ومواعظ يسترشد بها الصغار ويعتبر بها الكبار، وإما جمل لطيفة ونكت طريفة تسلي النفوس وتبعث المرح في المجامع، وهناك امثال بسيطة أو سخيفة لا تناسب بين ألفاظها، ولا سمو في معانيها، وقد نجد من بينها ما يدل على خبث وضعة وحنق، أو هذر وعبث.

والأمثال، أيضا كالشعر الموزون المقفى والنثر الفني ونحو ذلك من الكلام الذي يحفظ ويستشهد به في المواطن المناسبة، فتجد في بعض ذلك المعجب المطرب، الواضح الأفكار، الجلي المعاني، البادي الحكمة والموعظة، كما تجد في البعض الآخر، الركيك الألفاظ، المضطرب المعاني، وقد اضطررت في بعض الأحيان لسؤال بعض الرفقاء عن معنى بعض الامثال ومغزاها، فوجدت فيها ما يتكلف فهمه ويتجاوز في إثباته، ووجدت فيها أيضا ما لا يكاد يظهر له معنى أو مغزى.

والناس في جمع الأمثال واستعمالها يختلفون أيضا، فالمرشد المصلح الطيب القلب، يقتصر على الأمثال التي فيها إصلاح وإرشاد، لتشيع الفاظها ومعانيها في الأوساط، وتترك فيها الأثر الطيب، فيكثر الخير ويقل الشر.

أما المؤرخ الذي يصور الحياة كما هي، فإنه يثبت من تلك الأمثال ما يدل على سمو التفكير أو ضعته، وعلى التسامح وعمل الخير، أو سوء النية وفساد الأخلاق.

إن الناس معادن، والقلوب تتفاوت، والخير والشر موجودان في كل زمان ومكان، وما فيك، يظهر على فيك، وما الأمثال إلا ثمار العقول، أو بنابيع المنابع، هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.

والناس تختلف منزلة الأمثال لديهم باختلاف طبقاتهم، فمنهم طبقة ترى الأمثال كأنها كلام مقدس وأحكام نهائية يجب الوقوف معها والعمل بمقتضاها، ومنهم طبقة لا ترى فيها إلا أنها كلام عامي صدر من عجائز ومتفلسفين يصيبون ويخطئون، وهناك طبقة معتدلة متزنة ترى أن الأمثال إنما هي تصوير لطبقات الناس وأنظارهم ونفسياتهم وحياتهم ومحتمعهم الذي فيه الخير والشر، والنفع والضر، والسداد والخطل.

وعلى ذلك، فالأمثال – كأصحابها – يقبل منها الحسن النافع، وينبذ منها القبيح الضار. وإذا تتبعنا الأمثال التي نسمعها في مختلف الأحاديث، ووازنا بينها، فإننا نجد طبقة العلماء والأدباء والمثقفين لا تستعمل في الغالب إلا الأمثال العربية الفصحى، ما بين منثور منها ومنظوم، وقلما فإنها تجمع بين الأمثال الفصحى والعامية، على حسب الأوساط التي تعيش فيها، وأما العوام الأقحاح فإنهم لا يستعملون الأمثال الفصيحة، وإن كانوا يفهمونها، لأنهم لم يتعودوا استعمال اللغة الفصحى في أحاديثهم العادية، بل يحولون كلامها وامثالها إلى اللهجة العامية.

العنوان: الأمثال العامية في تطوان والبلاد العربية

للمؤلف: محمد داود

تحقيق: حسناء محمد داود

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا