الأغراض الشعرية في شعر أهل الريف

ليس من اليسير تناول كل الأحداث التاريخية التي عرفها المغرب في النصف الأول من القرن العشرين، لطبيعتها المعقدة وتنوعها وصعوبة تفسيرها فيما علاقتها بالمتغير التاريخي والفكري والسياسي والاجتماعي الأوروبي عموما والفرنسي والإسباني خصوصا. تكمن أهمية استدعاء التاريخي هذا في ما أفرزه من أدب متنوع ومتعدد بتنوع تلكم الأحداث التاريخية؛ إذ لما كان الأدب تعبيريا يتفاعل مع واقعه، وكان الشعر إحدى صيغه التي تتخذها جماليا وصورته إيقاعيا، فإن الوقوف على بعض المتغيرات التاريخية يساعد على فهم بعض القضايا التي تناولها الشعر الريفي في تلك المرحلة الهامة من التاريخ. لقد أصبح الشعر خطابا يواكب المتغير التاريخي والاجتماعي والفكري والسياسي المختلف والمتنوع، وشهادة عن بعض الحقائق المنسية أو المسكوت عنها في واقع المجتمع المغربي.

ولعله من المناسب الوقوف على جملة من الحيثيات التاريخية التي رسمت لهذا الشعر إطاره، وعبدت الطريق أمامه لظهور أغراضه المتنوعة. ومنها نذكر:

  • الانتخابات البرلمانية الإسبانية عام 1931، التي أفرزت فوز الجمهوريين (بزعامة زامورا) كان لها أثر في الشعر الريفي، تأكد بعد اتجاه إسبانيا سياسيا نحو النظام الجمهوري، الذي كان من نتائجه انقسام إسبانيا على نفسها، وظهور فرانكو.
  • استغلال فرانكو الأوضاع الاجتماعية الصعبة لأهل الريف بسبب الجفاف وقلة المحصول الفلاحي، واستخدامهم لتجنيدهم لمحاربة الجمهوريين، أولا بدعوى إنقاذهم من حياة البؤس التي يعيشونها، وثانيا بتصوير قتالهـم للجمهوريين قتالا للصليبيين.

كان هذان العاملان كافيين لاختيار أغلب رجال أهل الريف امتهان (الجندية الإسبانية). ويكفي الوقوف عندهما فقط كي يجد المرء نفسه أمام منعطف سياسي واجتماعي وريشي في الريف نتج عنه تحول في الوعي والفكر، أفرز أدبا صدح بهذه التحولات والتغيرات.

أ- الشعر الاجتماعي بين الجندية والمجاعة والحرمان

كشف الشعر الريفي في تلك المرحلة عن معاناة الإنسان المغربي عموما والريفي خصوصا؛ فتنوّعت مواضيعه بتنوع الأزمات التي واجهها. كان من الشعر ما وصف الجندية، وما نقل معالم المجاعة، دون أن نستثني الهجرة وشعر المدح والهجاء. لقد صور الشاعر التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية والاقتصادية فأبدع في نقلها، وتحول الشعر إلى وثيقة تسجل تغيرات واقع الإنسان الريفي.

أ-1. الشعر الريفي والموقف من الجندية

بعد الأزمة الخانقة التي أحدثها الاستعمار في الريف، وتبعا للتحولات التي وقعت على المستوى السياسي الأوروبي عموما، والإسباني خصوصا، وأمام استنزاف ثروات البلاد في الريف، والاستحواذ على أهم المناطق الفلاحية مصدر معيشة الأهل، وأمام تصدير المنتجات الفلاحية في الريف نحو الخارج، ثم وأمام استمرار الجفاف، وتعذر الحصول على الإعانات، تدهورت أوضاع الناس المادية وبدأ البحث عن المخرج من هذه الآفة ولو على حساب الأهل. ظهرت بوابة الهجرة نحو إسبانيا بعدما قرر فرانكو نهج استراتيجية استغلال الوضع المضطرب في إسبانيا ضد الجمهوريين؛ ليفتح باب الجندية في وجه مغاربة الريف، مستغلا عزوفهم المادي ورغبتهم في إنقاذ أسرهم.

لقد وقف الشعر الريفي موقف المصور المبدع الذي نقل مشاعر أبناء الريف وأظهر بعض الأسباب التي جعلته يقبل هذه الوظيفة المرجحة التي يراها وسيلته الوحيدة من أجل العيش. يقول الشاعر فيما روته زهرة موح علال، وهلالية حمو:

غَاجاي إياما جَايِي غاذ أَبْلُسَاخْ
عِيشْتْ خْبَاسْتْ أَتَانَخْ عِيشْتْ أَعَمْتِيدْ أَعَاسْكْ خْ

تعريب:

دعيني أمه أمتّهن الجندية
لأعيش بخبزة وأبعت لك بأخرى

يطلب الشاعر من أمه الإذن بالرحيل لامتهان الجندية، الماسة إلى الخبز لضمان العيش والاستمرار في البقاء، علل ذلك بالفقر والحاجة في حياة الإنسان، ورفض عين لا تفرض كفاية. لهذا عبر مجازا بالخبز عما يقوم به من دور فعال في الضروريات التي تستمر بها الحياة من مأكل ومشرب.

لقد وظف حد الخبز توظيفا تداوليا حجاجيا لإقناع الأم بأن تأذن له بالانخراط في الجندية.

يضعنا مثل هذا الشعر، وفي هذه المرحلة بالضبط، أمام تقلب حال الإنسان الريفي من درجة النخوة والأنفة إلى درك الجندية كمهنة استرزاق ينقذ بها حياته، وأسرته. لتكون رسالة من الشاعر إلى المتلقي الريفي خاصة والعالمي عامة يفسر من خلالها أن أبناء الريف ما كانوا ليختاروا الجندية لولا الوضع المزري الذي آل إليه واقعهم؛ لهذا فقد أقبلوا على الموت من أجل إنقاذ أسرهم قبل أرواحهم. يقول الشاعر فيما روته ميمونت عيسى:

غاسْموذ يِحاجْخان ساسَادْ عاسِينياتْ
تاسِين عاقانِير غ سابانيا عائِماتْ

تعريب:

إجمعي الأولاد لشرب الشاي
نحن ذاهبون لإسبانيا، فربما قرب الفناء

يختلف هذا التصوير عما رسمه الشاعر في البيت الأول؛ حيث يتضمن الخطاب طلب استئذان الابن أمه في الانخراط في جيش فرانكو. فهو خطاب رب الأسرة لزوجته بدعوة أفراد الأسرة لجلسة شاي حتى يودعهم.

يرتبط مفهوم الشاي دائما في الريف بالاجتماع سواء أكان مجرد جلسة ود أو وليمة، ورغبة الأب. هنا، لم تكن لإظهار سلطته وعظمته داخل الأسرة، بل كانت لأجل جمع الحنان ليرافقه في هجرته، وترك أثر في عائلته للذكرى بعد الرحيل.

ومنهم من صورة الشعر الريفي في مشهد بديع ومؤثر؛ يطلب من زوجه التزين له، ولبس أجمل ما لديها من الثياب، حتى يلقي عليها النظرة الأخيرة وهي في أحسن حال فقد لا يلقاها بعدها. يقول الشاعر فيما روته هلالية حمو:

غايْسْ آيْسْ غانم عاگاد خاس رَضْمَاتْ
نَشّين عاقانِيا غ سابانيا عائِماتْ

 

يُتبع

 


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.