الأسواق بتطوان.. فضاء للتبادل والإلتقاء - بريس تطوان - أخبار تطوان

الأسواق بتطوان.. فضاء للتبادل والإلتقاء

بريس تطوان

توفرت تطوان على عدة مؤهلات جغرافية بحكم موقعها أقصى غرب ضفة المغرب المتوسطي على بعد حوالي 40 كلم من جبل طارق و 10 كلم من مصب نهر مرتين، أهل ها ذلك للعب دور تجاري مهم، وفي هذا الصدد وقال عنها الرهوني “أما تجارة هذه المدينة فأعلم أنها مركز مهم للتجارة البرية والبحرية” وبحكم ارتباطها بالمناطق والقبائل المجاورة غمارة جبالة والتي كانت غنية بالمنتوجات الفلاحية.

شكلت هذه الكنتوجات أساس الأسواق داخل المدينة، نجد منها تجارة الحبوب وما يستخرج منها الفلاحون البائعون لغلاتهم كذا وجود السواقة الذين يجلبونها من البر والتجار الذين يجلبونها من البحر، أما المشترون لها فيسمون بالخزانين، ثم نجد “الحلاقة” وهم المشترون بالجملة والبائعون بالتفصيل لأن البيع بالتفصيل يقتضي في الغالب تحليق المشترين عليه.

ازدهرت تجارة الأثواب مثل الثياب الصوفية من جلاليب وقشاشيب وفراريش وسلاهم وحياك وكرازي، وبائعي هذا الصنف يسمون ب “البرغازين” وهم يبدلون سلعة بأخرى وتدعى هذا النوع من التجارة ب “تابرغازت”، ثم نجد بائعو الطعمة والسدى وهن من النساء الصانعات الغازلات والتي تجلب من مدن أخرى مثل فاس أو مكناس، أما حوانيت أهل الطرافين “فيتعاطون لبيع الثياب القطنية ثم ازدهرت تجارة الليفة من لدن القطانين والثياب الحريرية والحرير المغزول والمصبوغ والملون والخام الذي كان يجلب من بلاد الصين والغابون.

كما اعتنى سكان المدينة باستخراج الحرير من دودة القز الذين اشتهروا بترتيبها، نظرا لإستقرار عدد كبير من الأندلسيين بها، ويقول الرهوني في هذا الصدد “وقد كان الناس في السنوات الماضية من هذا القرن معتنين غاية الاعتناء باستخراج الحرير من الدود”.

تعد صناعة الحرير صناعة قديمة سواء تعلق الأمر بالحرير الذي ينتج محليا بفضل أشجار التوت في المدينة وأرباضها أو الحرير المستورد من الشرق الأدنى وإسبانيا على شكل حرير خام، ويصعب علينا تتبع منتجات هذه الصناعة والتحولات التي عرفتها نظرا لإنعدام الدلائل لدينا، على أن أنسجة الحرير والقطن والكتان التي كانت تنتجها الزراعة المحلية غالبا ما كانت تباع في القيسريات، إلى جانب الأثواب ازدهرت تجارة العطريات والتوابل وهم من يطلق عليهم “العطارين” واختصوا كذلك ببيع السكر والشاي والقهوة ثم نجد باعة اللبن ومشتقاته وأنواعا من الخضر فيخصون عرفا باسم “الجلاس” أي الجالس في الحانوت. ثم نجد “السمانة” و “الزياتة” وهم بائعي الزيت والسمن الغطارات والذين والأباريق المعدنية والصفرية.

وصنع الفخارون الفخار ويسمون أيضا “بالطفالين” أو دور هذه الصنعة محافر خارج باب النوادر وباب التوت ويطبخون “الطفل” الذي يستخرج منه معدن الطفلة في المحافر التي بين مقابر اليهود والطريق المفضي للجنانات ومنها تجارة الطواجن والزلايف والخوابي والقدور والمعاجن وغيرها وتجارة الفرش والأثاث من الزرابي والتسارح والظهارات والصطارم والصناديق والكموضات والمواكين البلورية وغيرها، وهي تجارة واسعة جدا.

أما تجارة الذهب والفضة فمنها بيع الذهب المسكوك ويسمون ب “الصرايفية” وهو ما يشمل البدل الذهب بالذهب والفضة بالفضة، ثم المصوغات من الدمالج والأساور والخلاخل والمفاتل وغيرها من المصوغات ويسمون بالصياغين وقد راجت هذه التجارة على قلة حوانيتها وانتشرت في الغرسة الكبيرة، بينما اشتهر اليهود بصناعة الجواهر والأحجار الكريمة والزمرد الأخضر والدر الأبيض.

شكلت الأسواق مكان للإلتقاء بين سكان المدينة، أما الأحياء التجارية فمنذ التوسع الأخير أصبحت بعد أن كانت هامشية تحتل أهم واجهات الشوارع الجديدة كالعيون الموازية لحومة الترنكات والتي تم انشاؤها في الربع الأول من القرن 17م، وغالبا ما كانت تحتضن أنشطة تجارية مرتبطة كثيرا بالمواسم كعاشوراء وعيد الأضحى ورمضان وذلك استجابة لحاجة هذه “الحومة” التي تعتبر المجال المفتوح من طرف التجار الدائمين. ولا ننكر دور الأحياء الصغرى التي عرفت نقاط تجارية خاصة تلبي متطلبات السكان وبذلك عرفت المدينة خمس مساحات تجارية هي “الغرسة الكبيرة” وساحة “السوق الفوقي” وساحة “سوق الحوت” وساحة “المصدع” وساحة “السويقة”.

وهكذا، عجت المدينة بالمنشآت الاقتصادية، عند توافد التجار من مختلف الاصقاع أضحت الحاجة لإنشاء مؤسسات ذات طابع اقتصادي بحيث تعد مرافقا تخدم الوافدين إليها ونذكر من أهمها الفنادق والقيسريات فالفندق هو مكان ينزل به التجار والمسافرين وغيرهم، وتحفظ فيه البضائع وتخزن وقد ارتبط وجودها في تطوان بوجود الغرباء والتجار وغالبا ما كانت تتألف من طابقين يخصص الطابق السفلي للمخازن والاسطبلات للدواب يحتوي على حوض ماء للسقاية، أما الطالبق العلوي ففيه حجرات النزلاء ومخازن للبضائع المخصصة للبيع.

ولتوفير الأمن لنزلاء الفندق حرص أصحابها أن تخلو جدران الفندق من أي منفذ لتجنب السرقات، وباب الفندق يعين عليه خادم خاص يشترط فيه الأمانة، كما يوجد شخص يشرف عليه ويدير أعماله، أما بالنسبة لتسمية الفنادق فغالبا ما كانت تسمى بأسماء البضائع المباعة فيها أو تسمى بأسماء أصحابها أو الأحياء الموجودة بها، ومن أهمها فندق “باب المقابر” فندق “زنقة المقدم” وفندق “النجار”. وقد ازداد عدد الفنادق بتطوان وساهمت بشكل كبير في ازدياد النشاط التجاري، كما حرص حكام المدينة على توفير الأمن وسبل الراحة للتجار الغرباء.

أما القيسريات فهي عبارة عن مجموعة من المباني العامة تضم مخازن وحوانيت ومساكن لمبيت التجار وتعرض داخلها أنواعا من السلع المختلفة، وقد أطلق عليه دار السلعة ويحتوي على ومخزن ومكتب مستودع ومن تمة ساعدت كثرة المرافق الاقتصادية الموجودة في تطوان من فنادق وقيسريات على جلب المسافرين والتجار وتوفير سبل الراحة لهم فكان التاجر المسافر ينزل في إحدى هذه الفنادق والقيسريات في مأمن تام.

كتاب: تطوان بين المغرب والأندلس (تشكيل مجتمع مغربي أندلسي في القرنين 16 و 17م)

للمؤلفة: نضار الأندلسي

منشورات جمعية دار النقسيس للثقافة والتراث بتطوان

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا