الأثر المقالي للأستاذ عبد الخالق الطريس زعيم الحركة الوطنية بالمنطقة الخليفية: توصيف وتصنيف”

د. لطيفة الوزاني الطيبي

احتفاء بصدور كتاب الأثر المقالي للأستاذ عبد الخالق الطريس زعيم الحركة الوطنية بالمنطقة الخليفية: توصيف وتصنيف للدكتورة لطيفة الوزاني التهامي، احتضن منزل آل الطريس بتطوان يوم الجمعة 17 أكتوبر 2025، حفل تقديم وتوقيع الكتاب. ساهم في تقديمه للجمهور كل من الأساتذة رضوان احدادو، والحبيب الخراز، و محمد ياسين الهبطي. بالمناسبة، تنشر”بريس تطوان” نص المداخلة القيمة الي قدمتها المؤلفة خلال حفل تقديم الكتاب المذكور.

إن الدافع لتأليفي هذا الكتاب هو رغبة انتابتني للبحث في مقالات أديب مغربي من شمال المملكة، قدم الكثير للأثر المقالي، باعتبار أن فن المقالة خدم المجتمع في فترة مر فيها بظلم الاحتلال وتطبيقه لسياسة القمع والتجهيل، حيث عملت المقالة – من خلال الصحف والمجلات – على تثقيف المواطنين وتنوير تفكيرهم للسير نحو غد مشرق بالعلم والحرية؛ فوقع اختياري على شخصية الأديب الزعيم الأستاذ عبد الخالق الطريس رحمه الله كونه ذائعَ الصيت في تسخير أدب المقالة في النضال من أجل العلم والحرية. ونَمْذَجْتُ لمقالاته – حصراً للعدد الكبير الذي خلفه – بالمقالات التي كتبها في مجلة “السّلام”، مجلة “المغرب الجديد” وجريدة “الحياة”. وقسمت عملي إلى: قسمٍ جمعت فيه مقالاته وقسمٍ قمت فيه بتوْصيفها ثم تصْنيفها.

وغرضي من هذا التأليف النبش في عقل نموذج استثنائي للقائد السياسي الذي اجتمعت فيه السياسة والأخلاق والدين في فترة خطيرة من تاريخ المغرب؛ خاصة بعدما خبرت العلائق التي كانت تجمعه بشخصية العلامة الصوفي سيدي التهامي الوزاني الاستثنائية في العمل الثقافي والسياسي والإنساني.. فالسياسة الحقيقية هي التدبير الكلي لشأن الأمة. والأستاذ عبد الخالق الطريس تشرب السياسة أبا عن جد. وتسلح لها بالعلم والمعرفة مع إمكانيات ذاتية ممنوحة. ورغم أن السياسة زجت به في مخاطر منها:

. منع السلطات الإسبانية له من دخول تطوان حيث ظل منفيا في طنجة أربع سنوات قبل أن تسمح له بالعودة،

. إصدار المحكمة العسكرية الفرنسية بمكناس حكم الإعدام عليه،

إلا أن ذلك لم يزحزحه عن مواقفه ومبادئه. وكنت أحدث نفسي أني خضت بحرا لجيا، لكنني ركزت عنايتي على الجانب الأدبي لمقالاته وإن كنت وجدتني أمام شخصية استثنائية ولجت عالم السياسة والنضال منذ أن كان فتى يافعا حين دعته الكتلة الوطنية للعودة من فرنسا حيث كان يدرس بجامعة السربون إلى أرض الوطن للانخراط في العمل الوطني امتثالا لما يمليه الواجب والأخلاق والضمير:

•كانت عودته إلى مدينته تطوان عام 1932م، وما أن التحق برفاقه أعضاء الكتلة الوطنية في الشمال حتى اقترح عليهم تأسيس “جمعية الطالب المغربية”؛ أول جمعية ثقافية في المغرب، تولى رئاسة مجلسها الإداري، وساهم بنصيب أكبر من المحاضرات التي ألقيت فوق منبرها التاريخي.
• سنة 1934م أصدر جريدة “الحياة” الأسبوعية أول جريدة وطنية صدرت في المغرب باللغة العربية. وكانت لسان حال الوطنية المغربية عامة. وفي السنة نفسها، تقلد مهام مديرية الأحباس بالحكومة الخليفية، لكنه استقال منها بعدما غرمت إدارة الاحتلال جريدته “الحياة” وأوقفتها.
• سنة 1935م عمل بفضل جهود لجنة التعليم الوطني الحر المنبثقة من الكتلة الوطنية على تأسيس “المعهد الحر”، أول مؤسسة تعليمية وطنية، وأسندت رئاستها له بعد وفاة رئيسها الأسبق السيد الحاج عبد السلام بنونة رحمه الله.
•سنة 1936م أسس أول حزب سياسي منظم في المغرب وهو “حزب الإصلاح الوطني”. وبسبب توليه وزارة الأحباس الإسلامية المستقلة في الحكومة الخليفية اكتفى بالعضوية في اللجنة التنفيذية للحزب، وظل منصب الرئاسة شاغرا إلى أن تخلى عن الوظيف الرسمي بعد سبعة أشهر، ليتولى رئاسة الحزب في يوليوز 1937م ..
في هذه الفترة كانت تطوان تعرف نهضة ثقافية ملحوظة جعلتها قبلة للعديد من القامات السامقة في عالم الفكر والتأليف والنضال سواء من المنطقة السلطانية كالشيخ أبي شعيب الدكالي والمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان والشيخ محمد المكي الناصري والأستاذ علال الفاسي والعلامة عبد الله كنون والمؤرخ العلامة عبد الوهاب بن منصور.. أومن خارج أرض الوطن كالأمير شكيب أرسلان والأمين العام للجامعة العربية عبد الخالق حسّونة وغيرهما. كانت هناك مؤثرات ثقافية ساهمت مع مؤثرات أخرى في تلك النهضة من ذلك:
•توفُّر تطوان على صحافة متنوعة، كانت تتمتع بقدر من الحرية الفكرية والسياسية.
•تأصيل وعي وطني لدى أبناء تطوان لكونها عاصمة المنطقة الخليفية.
• وصول أصداء النهضة القومية التي كان يعيشها العالم العربي عن طريق الصحف الشرقية.
•الاحتكاك بالثقافة الإسبانية عن طريق الترجمة والزيارة والحوار، مما أتاح للأدباء المغاربة الاطلاع على الأدب الإسباني ووسائل تقدمه. من هؤلاء محمد العربي الخطابي، سيدي التهامي الوزاني، عبد اللطيف الخطيب..
وسط هذه الأجواء المفعمة بالثقافة والتوق لنيل الحرية، سطع نجم الأستاذ عبد الخالق الطريس في نواحي كثيرة وخلال فترة قصيرة. برز وسط نخبة وطنية قائدة للنهضة الثقافية، كان أدبها ترجمانا لواقعها وقيمها ومفاهيمها من خلال أجناس مختلفة: الشعر والمسرح والقصة والرواية والمقالة.. و«أغلب الظن أن تكون أول مسرحية مكتوبة لمؤلف تطواني هي مسرحية “انتصار الحق بالباطل” التي ألّفها الأستاذ عبد الخالق الطريس عام 1933م. لكنه يبقى من أشهر كتّاب المقالة الوطنية والأدبية محليا وجهويا ووطنيا.
لذلك اخترت عنْونة الكتاب بتركيبٍ إضافيٍّ “الأثر المقالي” للأستاذ عبد الخالق الطريس لفصله عن “الأثر المسرحي” و”الأثر الخطابي”؛ وهو أمر يؤكد ألمعيّتَه الأدبيّة ونبوغَه السياسيَّ:
لقد كان الأستاذ الطريس في سن الثانية والعشرين مسؤولا عن الركن الأدبي لمجلة “السلام”. فكانت مقالاته فيها ثقافية إخبارية، وكان يستقي موادها من متابعته لما يجري في الأوساط الثقافية المحلية والوطنية والدولية من ملتقيات فكرية وأدبية متنوعة .. ومنها ما نقله من أخبار عن جائزة “نوبل” وجائزة “كونكورد”. وكان ينتقد قضايا ثقافية هامة استقطبت اهتمامه؛ منها عدم إحراز العرب وقتها على جائزة “نوبل”.
وتزخر جريدة “الحياة” بمقالاته التي اهتمت اهتماما عميقا بمجالات سياسية اقتصادية نقدية قومية ودينية. وكمثال أقف عند مقالته “ذكرى نبي القرآن” لأن اللافت فيها احتفالُ سياسيٍّ محنك بذكرى المولد النبوي الشريف، حاثّاً عموم الناس على ضرورة التشبث بهذا الاحتفاء / الاحتفال إيمانا منه بأن «ذكرى سيدنا محمد في كل العهود والأجيال من دُيونِ الزمان وعموم بني الإنسان، لأن محمداً ودينَه وحضارتَه ووحدتَه وحياتَه من تراث الإنسانية كلها» وهذا راجع لإيمانه القوي بأن «كل ما في هذا الوجود من ذرات يرجع فيه الفضل لمحمد الذي الاحتفال بذكراه ديْن في عنق كل مسلم.. وأن حضارة محمد خرجت مبادئ مجردة من الصحراء لتستقر حضارة مجسمة من الشعوب، بها نشر العقل نتيجة بحثه فرأينا علما وفلسفة، وهز وتر العاطفة فلفظت نثرا وشعرا وفنا، وصقلت الضمائر فأعكست تصوفا وأخلاقا وزهدا ..»
وأما مجلة “المغرب الجديد” فهي شاهدة على عبقرية الأديب الطريس وراهنية ما كتبه من خلال مقالته القومية التي تطرَّق فيها للغة العربية ماضيها ومستقبلها مدافعا عن عالمية لغة القرآن.. ومقالة أخرى أدبية تُخلد الذكرى الألفية لشاعر العربية الأكبر أبي الطيب المتنبي؛ مقالة تبرز جوانب عدة في شخصية الأستاذ الطريس:
. اتخاذه لمبادرات كبيرة؛ فهو الذي دعا للاحتفال بذكرى ألفية المتنبي لما علم أن العالم الغربي من أقصاه إلى أقصاه يقيم احتفالية مائة عام على وفاة كوته مؤلف فاوست وفارتر، وذلك غيرة منه على التراث العربي العريق والثري. فانهال المثقفون من المنطقة الخليفية والسلطانية على كتابة مقالات تخلد الذكرى، بل استجاب لدعوته هاته أدباء من خارج الوطن.
. اعترافه بتأثير شعر المتنبي في الذائقة الأسلوبية عند كثير من الأدباء إلى جانب الجاحظ.
. المستوى الأدبي الرفيع لدى السياسي الأستاذ عبد الخالق الطريس من خلال عشقه للشعر عشقا متبصرا؛ فهو قارئ للشعر الإنجليزي، وقارئ عاشق للمتنبي الذي كان يحفظ أشعاره قلبا وقالبا ويستحضرها عند أحوال نفسية كان يتقاسمها مع المتنبي الذي يزيل عنه بعض همومه وآلامه. وعند الاحتفال بالذكرى الألفية للمتنبي، كتب الطريس مقالة رفيعة المستوى عن شعر المتنبي ربط فيها بين الشعر والنقد المقارن؛ حيث قارن بين المتنبي وشعراء إنجليز أمثال جون كيتس وأوسكار وايلد، علما أن الشعر الإنجليزي شعر غير عادي أنجبه شعراء كبار لهم تصورهم وطرق إبداعهم. كما أنه في المقالة يقارن بين الشعر وأجناس أدبية أخرى، ويستشهد بأدباء كبار وأعمال خالدة مع حيادية في الرأي وموضوعية واضحة.
وتجدر الإشارة إلى أن جل من تناولوا شخصية الأديب عبد الخالق الطريس لم يتوقفوا عند هذا الجانب. وأنا فقط أشير إليه لأنه يستحق أكثر من وقفة لأن هناك أشياء غير هذا كتبها الأستاذ الطريس لا بد للأدباء والنقاد من الاهتمام بها. فقبل أن نكون عالميين، ينبغي أن نكون محليين.
إن ما أثاره الأستاذ عبد الخالق الطريس، وهو يمثل عنصرا من اللفيف التطواني المثقف الذي كان يتأثر بالشرق والغرب، لم يكن يثار في منطقة أخرى. (مقارنة بين شعر المتنبي وأشعار الغربيين). من الذي بحث في مقارنته بين لغتين؛ إبداع في العربية وإبداع في الإنجليزية
هذا مثال من أمثلة جِدّة كثيرة في الكتاب. لكن مدلول ما كان يكتبه الأستاذ الطريس فيه جرأة وشجاعة على اقتحام عوالم جديدة تحتاج لعلوم وأدوات. وفي حدود علمي لا يوجد في حدود الثلاثينيات مثقف في النقد المقارن المؤسس على الثقافتيْن العربية والإنجليزية. بعبارة أوضح: من اهتم بالترجمة المقارنة على مستوى العالم العربي وقتها؟ تطوان كانت حاضرة. الطريس في الإنجليزية وسيدي التهامي في الإسبانية من خلال ترجمته المبكرة لرواية ضون كيخوطي دي لا مانشا وغيرهما. إنها هواجس ثقافة مشتركة تجعل من هؤلاء أعلام المغرب وليس الشمال فقط.
اختصارا، يحتاج الكتاب لقراءة متأنية لتأريخه لفترة هامة في مجال السياسة والفكر والثقافة من خلال شخصية عبد الخالق الطريس السياسي المربي المعلم الخطيب الأديب الناقد المترجم.. ذلك أن أثره المقالي يشكل مادة غنية تفتح آفاقا للنظر والدراسة بفضل قيمتها التاريخية والأدبية، خدم بها وطنه ومجتمعه، وأثرى بها جنس المقالة المغربية أسلوبا واستشرافا.


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.