الأبطال لا يولدون... بل يُصنعون - بريس تطوان - أخبار تطوان

الأبطال لا يولدون… بل يُصنعون

مُذ أن بدأ وعينا يتفتح على الدنيا وما يحيط بنا ونحن نسمع قصصًا عن أناس يُنعَتون بالأبطال الخارقين نظرًا لقوّتهم التي لا تضاهيها قوة البشر الفانين؛ الرجل الخارق أو المعروف عند الجميع بـِ “سوبر مان” الذي أتانا من كوكب آخر واستقر في أرضنا كواحد من سكانها، أو الرجل العنكبوت “سبايدر مان” الذي كان مجرد طالب جامعي في شعبة الهندسة الجينية والذي يعمل بالموازاة مع الدراسة كمراسل فوتوغرافي لإحدى صحف مدينته، وآخرون كُثُر. والحقيقة إن صناعة السينما الهوليودية ساهمت كثيرًا في تسليط الضوء على هذه الشخصيات التي هي من وحي الخيال ونجحتْ بكل سلاسةٍ في إدخالها إلى كل بيوت العالم عبر الشاشة الصغيرة وترسيخهم في عقول الأطفال لدرجة تقليدهم بتلك السذاجة الطفولية المُمتعة.

وهناك نوع آخر من الأبطال بعيدون عن الخيال العلمي للسينما، إنما هم أبطال تاريخيون عاشوا وعايشوا بالفعل حِقبتهم الزمنية بأحداثها وانتصاراتها وكذلك هزائمها؛ وأول وخير مثال للبطولة يُمكن البدء به هو خير البريّة المصطفى محمّد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام الذي عانا الأمَرّيْن فقط لقوله أنه لا إله إلا الله ولدعوته الناس إلى التوحيد ونشر النور بعد ظلُمات الجاهليّة، وهناك أيضًا الفاروق وعنوان العدل سيدنا عمر رضي الله عنه، وسيف الله المسلول خالد ابن الوليد، ومحرّر القدس من الصليبيّين صلاح الدين الأيوبي والقائمة طويلة. هؤلاء نعرفهم من خلال القرآن وكُتُب السيرة وكذلك من المسلسلات التاريخية المُذاعة على القنوات التلفزيونية.

كل واحد عاش في زمن بعيد لا نُدركه بحواسّنا وإنما فقط بإدراكنا وعقولنا من خلال القراءة أو بعضهم من نسج خيال أُناس مثلنا ألهَمَهم إبداعهم إلى خلق هذه الشخصيات. لكن الحقيقة أنه هنالك أبطالٌ فِعليّون ويعيشون بيننا ونُكلّمهم ويُكلّموننا بكل تلقائية، ونقول أنهم أبطال لأن لكل فردٍ منهم قصة جعلته كذلك في نظر الذين يحيطون به ويتعامل معهم في الحياة اليومية.

لكننا سنسترسل في حديثنا في هذه الحالة عن بطلة بتاء التأنيث – فالبطولة لم تَكُن أبدًا حِكرًا على الرجال – من نوع النساء اللواتي لا تُنجِبُهنّ البلاد إلى بعد زمن، امرأة تحدّت الطابوهات “العمياء” الراسخة في مُجتمع يمشي فقط في إطار ما تُمليه أساطير الأوّلين، امرأة أبَتْ إلاّ أن تُخلّد اسمها واسم عائلتها في هذه الدنيا بحروف من ذهب.

ابتسام الحمري هي بطلة أسطر هذه القصة، هي البطلة والشاعرة والزجالة والفاعلة الجمعوية والطالبة الجامعية… تعدّدت الصّفات والموصوفة واحدة. قد يأتي إلى خاطر أحد عند قراءة هذه الكلمات أن يسأل: “أين البطولة في هذه الصفات؟”، سؤال وجيه بدون شك.

البطولة تكمُن في أن ابتسام الحمري فتاة باغتها مرض نادرًا ما يُصيب الإنسان وهو معروف باسم “الميوباتيا” أو ضمور العضلات، وهو يصيب من يمرض به بشبه شلل بسبب خلل في وظائف جميع عضلات الجسم مما يُفقده حتى القدرة على الحركة. إلا أن هذا الطريق الشائك لم يقف حجر عثرة في وجه سيلٍ جارفٍ يُدعى “الطموح”؛ فعلى الرغم من مرضها لازالت تتابع دراساتها الجامعية بشعبة الأدب العربي نظرًا لعشقها للغة الضاد وشغفها بالشعر. ليس هذا فقط، فقد حصلت ابتسام الحمري من خلال مشاركاتها في العديد من مسابقات الشعر في صنف الزجل المكتوب بالدارجة المغربية على المراكز الأولى وطنيّاً، ونُشر لها ديوان زجلي موسوم بـِ “حاجِيتك وجيتك”. وذاع صيتها الأدبي والشعري بالفصيح أيضًا حتى بلغ حدّ إصدار ديوان لها بعنوان “مجنونة قيس” من دار نشر بأرض الكنانة مصر. بالإضافة إلى ذلك، هي رئيسة لعدة جمعيات مدنية بمنطقتها للنهوض بالأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، كما أُجرِيت معها عدة مقابلات من طرف وسائل إعلام محلية ووطنية لتسليط الضوء على هذا المسار الذي هو نتيجة لجهد مثابرة… وعزيمة حديدية. لكن أكبر نجاح لابنة مدينة تيفلت، وهذا بشهادة جميع صداقاتها والمقرّبين إليها، هو قدرتها الجبّارة على نشر الحب اللامشروط والإيجابية وروحها المرحة التي لا تفارقها أينما رحلت وارتحلتْ، فهذه الشخصية تعرف الإنصات إلى الآخرين ومساعدتهم على طرد الطاقة السلبية، و يمكن القول أنها حصلت بهذا على وسام “أفضل مدربة تنمية بشرية” بشهادة جميع أصدقائها.

فمن تكلّم عن البطولة حَري به أن يتحرّى أمثلة مثل ابتسام، فكما يُقال: “الأبطال لا يُولدُون… بل يُصنَعون”، وإنما هي الصعاب التي تواجههم في الحياة والمشقات والعوائق التي تقف دون وصولهم إلى مبتغاهم وعزيمتهم التي لا تُقهر لتحقيق مساعيهم، كل هذه العوامل هي التي تصنعُ منهم في أعيننا أبطالاً حقيقيّين، نُحسّهم ويحسّوننا ونلمسهم ويلمسوننا ونُحدّثهم ويحدّثوننا… وليس أبطال الكرتون.


شاهد أيضا