أوقاف المرأة التطوانية ودورها في المجتمع - بريس تطوان - أخبار تطوان

أوقاف المرأة التطوانية ودورها في المجتمع

كان السلاطين يعتبرون النظر في الأوقاف من اختصاصات القضاة الشرعيين، فكان نظار الأحباس بمنزلة نواب عن القضاة يديرون الأحباس تحت إشرافهم ومراقبتهم الشرعية. ويتولى ناظر الأحباس جمع مداخيلها من إيرادات الأملاك المحبسة والإنفاق منها على المصالح العمومية، وتسديد بعض الرواتب وإنعامات السلطان، إلا أن هذه المهمة تتميز بصلتها بما يقوم به الأمناء، فلا تتصرف في الأموال العامة للمخزن، بل تتكلف فقط بإيرادات الأملاك التي حبسها أصحابها لمقاصد خاصة، وكان السلطان مولاي إسماعيل لما رأى كثرة الأوقاف بالبلاد وخشي من ضياعها، أمر النظار في كل جهة بإحصاء الأحباس وتسجيلها في دفاتر خصوصية يمكن التعرف منها على أملاك الأحباس ومقاصد المحبسين، وعندما تولى السلطان مولاي عبد الله أصدر ظهيرا سنة 29 17 / 3 114 بمثابة تجديد للنظارة العامة كانت موجودة في حياة والده.

وكان عدد النظار كثيرا في المدن والنواحي حتى كان لكل وقف ناظر خاص، إما من قبل صاحبه أو من طرف القاضي أو باختيار من أهل البلد، فلما ولي السلطان سيدي محمد بن عبد الله شرع في جمع أحباس مدينة واحدة أو ناحية في يد ناظر واحد سعيا في لم شعثها وحرصا في تشديد مراقبتها، وإلى جانب هذه الوظيفة وجدت وظيفة أبي المواريث، ومهمته النيابة عن بيت المال في حيازة ما هو مال للدولة وصيانته من متخلف من لا وارث لهم، وما ألحق بذلك مما ليس عليه ملك لأحد من الناس كالأراضي الموات وبطون الأودية وما لفظه البحر والركاز وغيره، وكلا الوظيفتين يعينهما المخزن.

لقد ارتبطت الأحباس في ذهن العديد من الناس بالمساجد والزوايا والأضرحة، غير أنه مفهوم ناقص كما سنرى من خلال هذه الورقة البحثية، ولا يعبر عن حقيقة الممارسة الحبسية وجوهر مؤسسة ميزت الحضارة الإسلامية والمغربية على وجه الخصوص، فمن نافلة القول، أن مدينة تطوان أعيد بناؤها بأموال أحباس جامع القرويين إذا صح ما ذكره عبد السلام السكيرج في كتاب نزهة الإخوان. ومنذ ذلك الإبان والملكية الحبسية تتوسع على حساب الملكية الخاصة، حتى كتب أحد التطوانيين الذين عاشوا في ظل الاحتلال الإسباني أن ثلثي أو ثلاثة أرباع العقارات هي في ملكية الأحباس لمدينة تطوان، وفي هذا الإطار نشأت بالمدينة كما هو الشأن في باقي المدن الإسلامية مؤسسات خيرية استهدفت التخفيف من التناقضات بين طبقات المجتمع، ودفعها إلى التماسك عن طريق تكريس التوجه التكافلي وحفظ التوازن المجتمعي.

وبعد الاطلاع على الحوالات والوثائق الحبسية سواء منها المحفوظة بنظارة أحباس تطوان أو التي يحتفظ بها نظار بعض الزوايا والأضرحة، تبين لنا غنى مجال الممارسة الحبسية وتعدد الجهات المستفيدة منها، وهكذا تواجدت بالمدينة عدد من المؤسسات الحبسية تعمل في استقلال عن بعضها البعض تحت إشراف القاضي، وهي:

– أحباس المساجد: في البداية كان لكل مسجد ناظر خاص به، بعد ذلك تم تعيين ناظر أحباس الوحدة العمرانية، فوجدنا ناظر مساجد البلد وآخر لمساجد الربض الأسفل، وآخر لمساجد الربض الأعلى، وبعد حرب تطوان تم تجميع هذه الأحباس في يد ناظر واحد وسمي ناظر الأحباس.

– أحباس الزوايا والأضرحة: من خلال دراسة الوثائق المتعلقة بتنظيم أحباس الزوايا والأضرحة بمدينة تطوان تبين لنا أنه يتعين التمييز بين صنفين لكل منهما أسلوب تسيير مختلف عن الآخر وهما:

أ. الزوايا والأضرحة المحلية: وكان العرف الجاري وما يزال أن الاختصاص بالنظر في شؤونها يكون في عقب الشيخ المدفون بها أو المنسوبة إليه، يتصرف فيها وفي أحباسها وكافة أمورها الأكبر منهم فالأكبر، إما يتولى ذلك مباشرة بنفسه أو يجعل نائبا عنه ويقوم مقامه.

ب – الزوايا والأضرحة الفروع: ويتم تعيين نظار أحباسها من طرف النظار العاميين على الزوايا الأم بالمغرب. وكان الناظر العام الزاوية العام يبين لناظر الزاوية الفرع ما يجب أن يصير من مستفاد الزاوية في كل شهر.

– أحباس المنقطعين والمساكين: يعين ناظرها من طرف القاضي وفي حالات أخرى يعين من طرف السلطان، ويشرف على المارستان وأحباس ما يعرف بخبز الخميس والسقايات العمومية، وكل ما هو موقوف على المساكين.

– أحباس الأسوار والأبراج الجهادية: مثلما كان الأمر بالنسبة للمساجد كان لكل برج ناظر خاص به (ناظر برج السويقة، ناظر أمسا، ناظر برج رأس الطرف)، وكذلك ناظر الأسوار، وبعد حرب تطوان اتخذ قرار بتجميع أحباس الأبراج والأسوار تحت إشراف ناظر واحد.

– الأحباس الخاصة: ويطلق عليها أيضا الأحباس العائلية والمعقبة، وهي أحباس يستفيد منها نسل المحبس ولمن حبس عليها له خلفا بعد سلف وعلى مرور الأجيال إلى انقراضهم، وقد كان العديد من الأعيان يحبسون على أعقابهم مخافة تعرضهم للعوز ومد اليد للغير… ويختص بها نظار من أفراد العائلة الأكبر فالأكبر.

– أحباس مختلفة: بجانب هذه الأنواع من الأحباس وجدت أحباس أخرى متعددة كأحباس مكة المكرمة وأحباس مولاي عبد السلام بن مشيش وأحباس القرويين وأحباس زاوية تازروت. غير أن هذه الأحباس كانت ملحقة بالأحباس الأخرى، لذلك لم يعين لها نظار خاصين بها بل كان النظر فيها من قبل نظار المؤسسات السابقة الذكر.

وقد اعتمدت عدة آليات لضبط ومراقبة ممتلكات الأوقاف من بينها الحوالة الحبسية التي تسجل فيها جميع المعاملات ذات الصلة بالأوقاف سواء تعلق الأمر بتحبيسات جديدة، أو شراء أصول أو معونة وغيرها من المعاملات الحبسية، هذا إلى جانب تسجيل ممتلكات جميع المؤسسات الحبسية في حوالة الجامع الأعظم. وهكذا عندما ضاعت حوالات المساجد أثناء حرب تطوان كانت حوالة الجامع الأعظم المرجع الوحيد المكتوب الذي يثبت حبسية ممتلكاته.

ومن آليات المراقبة أيضا جلسات المحاسبة التي تعقد كل سنة، وتعتبر إحدى أهم آليات المراقبة والضبط، وتتم بحضور عدلين مبرزين وأشخاص يعينهم القاضي، ويسفر عنها محضر للمحاسبة يوقعه العدلين والقاضي، وفي حالة الزوايا الفروع تعقد جلسات المحاسبة بحضور مبعوث ناظر الزاوية الأم، هذا مع العلم أن جميع المعاملات الحبسية كانت تخضع لمراقبة دقيقة من طرف أرباب البصر والعدل المبرزين أولا بأول.

إن المطلع على الحوالات والوثائق الوقفية يتبين له بالملموس تعدد مجالات اهتمام المحبسين التي مست جميع مناحي الحياة الحضرية ومختلف فئات المجتمع بدون استثناء. وسنناقش فيما يلي بعض الأدوار الاجتماعية التي قامت بها مؤسسات الأحباس، ولنبدأ بالتكفل بالفئات الاجتماعية في وضعية صعبة. لقد ساهمت الأحباس بشكل فعال في استيعاب وإدماج الفئات الاجتماعية في وضعية صعبة في النسيج المجتمعي والأمثلة في هذا الصدد كثيرة واتخذ الوقف على التعليم أوجه عدة كوقف الكتب على طلبة مدارس الجامع الكبير ومدرسة لوقش ومدرسة بن قريش بالوطية، وتوفير الكتب ومنح الطلبة وأجور المديرين والمدرسين أي مؤدبي الصبيان. ومن المعلوم أن المؤسسات الدينية (مساجد وزوايا وأضرحة) استقطبت أوقافا مهمة، ونجد داخل المؤسسة الدينية الواحدة مجموعة من الأوقاف بحيث أن لكل وظيفة من الوظائف الدينية (مؤذن – مهلل –إمام – خطيب الجمعة الحزابة) أو مصلحة من المصالح (زيت الإنارة – الحصير الصيانة. التنظيف) إلا ولها أوقاف خاصة بها.

عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي

الكاتب: كتاب جماعي

الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد)

بريس تطوان

يتبع..


شاهد أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.