"أفران الحومة" سلاح لمُجابهة الصقيع في "الزمن الجميل"😍 بتطوان - بريس تطوان - أخبار تطوان

“أفران الحومة” سلاح لمُجابهة الصقيع في “الزمن الجميل”😍 بتطوان

(💥 بريس تطوان)
 
✍ بالرجوع أربعين سنة إلى الوراء، لم يكن يتصور أحد وجود حارة أو تجمع بشري بمدينة تطوان العامرة، دون فُرن شعبي يوجد بالجوار، سواء بالنسبة للحارات التي كانت تتواجد داخل أسوار المدينة العتيقة، مثل حي المصدع والسويقة والعيون، أو الحارات التي تتواجد خارج أسوار المدينة مثل حومة “الباريو” و” سانية الرمل” والطويلع وغيرها .
 
✍ وكانت النساء التطوانيات يرسلن كل يوم الخبز الذي خبزناه بكل حنان بأيديهن إلى الفرن، محمولا على لوحة خشبية تسمى “الوصلة د الخبز”، وكانت رائحة الخبز ونكهته في الزمن الجميل، يتم شمها على بعد عشرات الأمتار لأن الدقيق كان جيدا ورائحة جمر الخشب التي تخضبه على نار هادئة، تزيد طعم ذلك الخبز العجيب لذة لا تُضاهى.
 
✍ في بعض الأحيان كان نسوة مدينة تطوان يرسلن إضافة إلى الخبز ،” طواجين” السمك أو “صينية ” الطماطم والفلفل لشيها من أجل إعداد السلطة التقليدية الشهيرة لدى أوساط جميع الفئات والطبقات الشعبية بمدينة الحمامة البيضاء .
 
✍ وبناء عليه كان الفرن الشعبي يؤثث الشكل الحضري للحارة بمفهومها القديم قبل ظهور السكن الاقتصادي والعمارات، فكان “الفرن” يعتبر شيئا ضروريا بالحومة لا يستقيم وجودها دونه، مثل المسجد والزاوية والسقاية والحمام والأشجار وغيرها من المرافق العامة ذات الاستعمال المشترك بين عموم الساكنة والأطفال الصغار.
 
✍ صحيح كانت الوظيفة الرئيسية للفرن الشعبي كما أسلفنا ذكره هي طهي الخبز بالأساس، و”طواجين “السمك، خاصة “الشطون بالطماطم” و الحلويات أثناء الأعياد وتحميص دقيق “السفوف” خلال شهر رمضان و”الفقاقص” أيام الأفراح والأعراس، لكن في فصل الشتاء وليالي الزمهرير الباردة كان الفرن الشعبي يقوم بوظيفة أخرى تتمثل في المساهمة في تدفئة المنازل من برودة الشتاء القارس.
 
✍ وهكذا وقبل غروب الشمس كانت النسوة يبعثن “مجامر” مصنوعة من طين الفخار إلى الفرن من أجل ملئها بالجمر الملتهب حيث كان الفرن الشعبي يزود مجانا جميع المنازل المجاورة له بالجمر عند المساء وذلك لتدفئة المنازل ولقضاء مآرب أخرى.
 
✍ وبمجرد وصول “المجمر” الملتهب ألسنته إلى البيت كانت الأمهات بسبب وعيهن بمخاطره يضعن ” كافاطيرا” غلاية كبيرة عليه من أجل بعث البخار تفاديا لنقص الأوكسجين.
وبهذا الماء الساخن على “المجمر” يقمن بإعداد إبريق الشاي المنعنع لإعداد وجبة “الميريندا” وهي وجبة بين الغذاء والعشاء شهيرة بتطوان والمنطقة الشمالية، تتكون في العادة من “الرغايف” أو حلويات الماكينة أو “شورو” وهو نوع من الإسفنج الإسباني.
 
✍ و في أيام البرودة الشديدة كانت نسوة تطوان تضفن داخل إبريق الشاي براعم الزهر الذي يزهر على أغصان أشجار” النارنج”،ونبتة الشيبة، من أجل تزويد الجسم بالحرارة، كما كان يتم استعمال هذا الماء الساخن للوضوء لصلاة العشاء .
 
✍ وكان” المجمر” الملتهب يتم وضعه في وسط المنزل أو عند مدخل الباب الرئيسي وتوضع فوقه طنجرة العشاء العائلية لكي تطهى على مهل، وكانت وجبة العشاء عبارة عن “طنجرة” مليئة بالخضر الشتوية مثل الفول الأخضر والجلبانة والبطاطس والجزر واللفت مع قليل من اللحم في بعض الأحيان.
 
✍ و بعد صلاة العشاء وعودة الأب والجد من المسجد يتم تجهيز “طيفور” أو مائدة وجبة العشاء مباشرة، فيجلس الجميع جلسة القرفصاء على سجاد “التليس” المصنوع من الصوف الخالص، و جلود خروف العيد المكسوة بالصوف الأبيض الناصع، حيث يأكلون هنيئا ويشربون مريئا بشهية جد مفتوحة.
 
✍ وبعد تناول العشاء يتم اللجوء إلى “الغلاية” الموضوعة فوق “المجمر” من جديد من أجل إعداد إبريق شاي آخر، حيث على رشفات كؤوسه يتجاذب أفراد العائلة أطراف الحديث فيما بينهم في جو حميمي ودافئ، والغريب في الأمر أن شرب الشاي لم يكن يصيبهم بالأرق كما سيحدث فيما بعد في زمن الإكتئاب والأمراض النفسية.
 
✍بعد ذلك يتم إعداد أماكن النوم، وتكون حرارة المنزل أصبحت معتدلة و كانت الأمهات زيادة في الحرص، يقمن بتغطية أطفالهن بالتليس الثقيل وهو نوع من الغطاء الذي انقرض حاليا، يشبه سورا من الصوف المكثف، وذلك ضمانا لعدم تسلل البرد إلى أجساد الأطفال.
 
✍وفي الختام تقوم الأم أو الجدة بإخراج “المجمر” إلى “الباطيو” أو السطح وتضعه عند مدخل المنزل في مكان تتوفر فيه التهوية بشكل جيد ويخلد الجميع للاستمتاع بليلة نوم هادئة ودافئة يطبعها الحب والحنان الأسري👨‍👩‍👦.
 
 

شاهد أيضا