أعيان كان لهم جنة في بليونش زمن المرابطين (2)

بريس تطوان

أبو بكر ابن رزق (503هـ – 560هـ/ 1109م – 1164م):

أبو بكر يحيى بن محمد بن رزق من أهل المرية المحدث الزاهد والمؤرخ المجاهد، قال ابن بشكوال في الصلة: أخذ عن جماعة من شيوخنا وصحبنا عند بعضهم. وكان محدثا حافظا متيقظا عارفا بالحديث ورجاله وروايته، ثقة في روايته ومعرفته، دينا فاضلا عالما بما يحدث، وقد أخذ عنه. ومولده رحمه الله فيما أخبرني به سنة 503هــ. وقال ابن الأبار: روى عن أبي الحسن بن واجب وأبي الحسن شريح وأبي عبد الله بن زغيبة  بن أغلب صحيح مسلم مرتين، وأبي الحسن بن موهب وأبي الحسن بن يونس بن محمد بن مغيث. وتجول في بلاد الأندلس كثيرا وأخذ عن جماعة كثيرة، ولقي ابن هذيل وسمع منه، وذكره أبو العباس العزفي شيخنا ووصفه بالمقيد التاريخي الزاهد، وقال: هو من بيت نباهة ورفاهة، ونشأ نشأة صون ونزاهة، وتزهد فأنفق كرائم أمواله على الصالحين والمتبتلين، وحل في التخلق والتحقق بالمحل المكين، كان من فل المرية منها حين غلب الروم عليها، فنزل سبتة وأخذ عنه بها، ثم خرج إلى قرية بليونش من قراها مستريحا إلى التفرج، ومؤثرا الانقباض والخمول، فلزمه بطن ألح عليه فكان سبب وفاته رحمه الله. وحمل إلى سبتة فدفن بالمقبرة الكبرى التي بسفح جبل الميناء. ويفهم من عبارة العزفي أنه “خرج إلى قرية بليونش مستريحا إلى التفرج ومؤثر الانقباض والخمول”؛ أنه اتخذ فيها جنة واعتزل فيها مختليا بنفسه إلى أن مات رحمه الله.

وعندما أقام الشيخ المحدث الصالح ابن رزق ببليونش كان كثير التردد والسياحة في المناطق المجاورة لها، وممن كان يصحبه في جولاته محدث سبتة أبو الحسين ابن الصائغ، قال ابن العربي الحاتمي: “أخبرني شيخي أبو الحسين ابن الصائغ الزاهد المحدث بسبتة قال: سمعت شيخنا أبا عبد الله محمد بن رزق رحمه الله، في سياحة كنا معه فيها عليه بعض أجزاء الخديث وكان صاحب رواية. يقول: مررت في سياحتي بمسجد خراب في فلاة من الأرض فقلت: أدخل أركع فيه ركعتين، فدخلته فوجدت قلبي. فقعدت فيه سنتين”.

محمد بن أحمد السبتي:

كان محمد هذا من أغنياء سبتة، وتزوج فاطمة بنت عطية بن غازي من أسرة بني الغازي المشهورة في سبتة، وكانت سكناه في سبتة وله جنة يخرج إليها في بليونش، ومما اتفق لهم؛ أنهم عند خروجهم في بعض المرات من بيتهم في سبتة إلى جنتهم في بليونش، اقتضى أحمد بن حسون المعروف بالمغربي زوجه فاطمة في مال يتيم كان تحت وصايتها، وطالبها بحلي ابنتها وما لها من ثياب وأن تضعها في مكان آمن، لأنه لا يأمن على بقائها في الدار وهم ليسوا فيها فامتنعت ورأت أن تترك الحلي والثياب مع خادمتها النصرانية مريم مع امرأة ثقة في الدار. وقد كان من خبر ابن حسون هذا أنه اقتحم هذه الدار سابقا وأخذ منها مالا بدعوى استحقاقه له بالوصاية على ذلك اليتيم. وشهد عليه بذلك من رآه ورفع الأمر إلى القاضي عياض، فلم يقر ابن حسون على نفسه، ثم آل الأمر إلى أن تراضيا على مال معلوم. وأرخت الفتوى في رمضان سنة 515هـ/ 1121م، ويدل هذا الخير على ما جرت به عادة أغنياء سبتة في هذا العهد من اتخاذ الجنات ببليونش، يخرجون إليها في وقت النزهة، وأنهم كانوا يتخذون الخادمات من النصارى.

وصف بليونش في هذه الفترة: قال القاضي عياض (476 هـ – 544 هـ/ 1083م – 1149م):

بليونش جنة ولكن ***  طريقها يقطع النياطا

كجنة الخلد لا يراها ***  إلا الذي جاوز الصراطا

قال الشريف الإدريسي (493 هـ – 560 هـ/ 1099م – 1164م):

“ويتصل بسبتة من جهة الغرب وعلى ميلين منها جبل موسى، وهذا الجبل منسوب لموسى بن نصير، وهو الذي كان على يديه افتتاح الأندلس في صدر الإسلام. وتجاوره جنات وبساتين وأشجار وفواكه كثيرة وقصب سكر وأترج، يتجهز به إلى ما جاور سبتة من البلاد لكثرة الفواكه بها، ويسمى هذا المكان الذي جمع هذا كله بليونش. وبهذا الموضع مياه جارية وعيون مطردة وخصب زائد. ويصاد بمدينة سبتة شجر المرجان الذي لا يعدله صنف من صنوف المرجان المستخرج بجميع أقطار البحار. وبمدينة سبتة سوق لتفصيله وحكه وصنعه خرزا وثقبه وتنظيمه، ومنها يتجهز به إلى سائر البلاد وأكثر ما يحمل إلى غانة وجميع بلاد السودان، لأنه في تلك البلاد يستعمل كثيرا”.

 الكتاب: سبتة وبليونش “دراسة في التاريخ والحضارة”

للمؤلف: د. عدنان أجانة

منشورات تطاون أسمير/ الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.