أعلام الفهرسة في تطوان.. أبو العباس أحمد الورزازي - بريس تطوان - أخبار تطوان

أعلام الفهرسة في تطوان.. أبو العباس أحمد الورزازي

بريس تطوان

ترجمته:

“حبر تطوان وفخرها، العلامة المحدث الأثري الصاعقة”. “مجدد القرن”، وأشهر عالم أشرق نوره بأفق تطوان، بعد الإمام سيدي علي بركة.

لا نعرف عن حياته الشيء الكثير سوى ما وجد متفرقا في ثنايا المصادر المعاصرة له، التي تشير إلى أن ولادته كانت يوم الجمعة ثامن وعشرين رجب عام اثنين بعد المئة والألف (1102 هـ).

روى الشيخ أحمد بن ناصر الدرعي، ورحل رفقة شيخه أحمد بن مبارك اللمطي إلى المشرق، فأخذ عنه دراية ورواية علوما شتى أثناء الطريق وأجازه فيما قرأه عليه، وما يدخل تحت روايته. وفي المشرق لقي عددا من الشيوخ، فجلس إلى درسهم، وسمع منهم واستجازهم، وفي مقدمتهم أبو طاهر الكردي الكوراني مفتي الحرمين ومسند مصره. وكتب له شيوخه إجازاتهم بما قرأه عليهم، وما ثبت عنده أنه من روايتهم. وقد أورد مجموعة منها في فهرسته.

كان عالما كبير، دراكا بحاثا، برع في الفقه والحديث والقراءات وسائر الفنون. أعجوبة زمانه في الحفظ والفهم، يحفظ كثيرا من المتون، ويكررها عن ظاهرقلبه، كمختصر خليل، وألفية ابن مالك، ولاميته، ومختصر السبكي، والسنوسي في المنطق، والصغرى والكبرى، والتسهيل وغير ذلك. يحقق المسائل ويدققها ولا يرضى بالتقليد في جلها. وكان يميل إلى تحكيم العقل في الأمور النقلية والعقلية حتى اتهم بالاعتزال. وكان يقيم درس التفسير بين العشاءين في الجامع الذي عند باب الملاح بتطوان، وممن جلس إليه: محمد بن علي الورزازي، ومحمد بن الحسن الجنوي، وعبد الرزاق بن حمادوش الجزائري. ويروي هذا الأخير في رحلته أن العلامة أحمد الورزازي كان معتنيا بتفسير الكشاف، يطالعه ويستحسن آراءه، ويصوب منازعه، مما جعل أصابع الاتهام تشير إليه بالاعتزال، فأوذي بسبب ذلك وسجن.

والحق أنه لم يكن معتزليا، ولا ممجدا للرأي على عادة غلاة العقلانية، وإنما كان يجتهد ما وسعه الاجتهاد في المسائل، ويعترض ويرد، ويأخذ من كلام العلماء ما يوافق رأيه، ويجري على مذهبه في النظر والاختيار. “بيد أن فكره المستقل الحر صادف بيئة هامدة ران عليها التقليد الأعمى، وانتفشت فيها الحرفية الضيقة، فكانت تترعج لأي محاولة اجتهادية تناوش المألوف والمعتاد وما جرى به العمل”.

كان العلامة الورزازي صعب المراس، شديد الشكيمة على الولاة، لا يخشى منهم أحدا، ولا يبالي في كلمة الحق لا بجاهل ولا بعالم. وإذا قيل له في ذلك يقول: “لم يبلغ قدري أن أوت في كلمة الحق. ومما يروى عنه أنه قدم إلى مراكش عام (1177هـ) لمقابلة السلطان محمد بن عبد الله، فلما أقبل على السلطان وكان بالمسجد مع بعض خاصته، وهو لا يعرفه. فقال: يا هؤلاء الناس فيكم السيد محمد بن عبد الله؟. فلما عرف به تصافح معه وقال له: لا يحل لك من الله أن تسكن النصارى في مدائن المسلمين، ويرفعون فوق ديارهم العلامات وفيهن التصاوير. وقال له أيضا:  لماذا تعطي المال من بيت المسلمين لمن لا يستحقه، فأنت المسؤول عنه بين يدي الله؟. وقال كلاما لا يقدر أحد أن يقوله إلا هو، ولما أراد الرجوع إلى تطوان أعطاه السلطان خمسمائة ريال. ردها عليه، فقال له السلطان: هي حلال من ورث. فقال له: إن كان ولا بد فافد بها بعض الأساري من بلاد الروم”.

وقد تتلمذ على يديه جميع غفير من علماء ذلك العصر، فأخذ عنه محشي الزرقاني العلامة محمد بن الحسن البناني، وعمه أبو عبد الله محمد بن عبد السلام البناني شارح الزقاقية. ودرس عليه الشيخ أحمد الحضيكي ورقات الإمام الحرمين في أصول الفقه، وبعض جمع الجوامع لابن السبكي، وبعض مختصر خليل. كما درس عليه العلامة محمد بن الحسن الجنوي صحيح البخاري، وصحيح مسلم، والموطأ، وشمائل الترمذي، وألفية العراقي في اصطلاح الحديث، ومختصر خليل، والتسهيل وغيرها.

ومن تلامذته أيضا العلامة محمد بن عبد السلام الناصري، التقاه أثناء رحلته لزيارة القطب مولاي عبد السلام بن مشيش، فنزل تطوان والتقى به، وأخذ عنه.

وأثناء زياراته المتعددة إلى سوس، ومراكش، أخذ عنه كثير من طلبة المغرب وشيوخه، واستجازوه لإسناده وعلمه وصلاحه. ويذكر أن الرواية أبا عبد الله الحضيكي قد لازمه وخدمه مدة إقامته بسوس، فأخذ عنه أثناءها مختصر خليل، وجمع الجوامع، والورقات لإمام الحرمين، وأجازه بعد أن سمع منه.

ودرس الفقيه الورزازي في مقسط رأسه موطأ الإمام مالك، وصحيح البخاري، وشمائل الترمذي، وجمع الجوامع للسبكي، والتلخيص ومختصر السنوسي في المنطق، وتحفة ابن عاصم، والتفسير وأوائل التسهيل وغير ذلك.

وقد بلغ من علو كعبه في العلوم والمعارف، وما كان يتصف به من التحقيق في الإدراكات والفهوم، أن وصفه الفقيه العلم الأديب محمد بن علي الجزائري الحنفي بـ: (شيخ المشايخ) حينما قال:

خليلي عاد السعد والعود أحمد *** وقد زارنا شيخ المشايخ أحمد

رأينا محياه السعيد وباله *** وأبدى لنا أنواره تتوقد

وأشهد إن الشمس قد طلعت لنا *** من المغرب الأقصى ولا أتردد

وعده أبو حفص الفاسي من أعلم علماء عصره وأعملهم، ففي (الروضة المقصودة) أن السلطان أبا عبد الله محمد بن عبد الله العلوي سأل الشيخ أبا حفص الفاسي حين بويع من أعلم الناس وأعملهم فقال له: “الأحمدون، يعني بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي، وأحمد بن عبد الله الغربي الرباطي، وأحمد بن محمد الورزازي الذي كان قاطنا بتطوان، فصدقه ووافقه، وكان بالمجلس أعيان علماء الحضرة الفاسية كالشيخ التاودي وغيره”.

كان مترجما يحج بيت الله كثيرا، فقد حج مرتين وزار بيت المقدس، وأخير تلميذه محمد بن أحمد الحضيكي أنه جاء من الحرم المكي وحده على رجليه إلى بيت المقدس، ووقعت له مع علماء مصر مناظرة ثم أجازوه، كما كانت له مع فقهاء فاس وقائع ومباحث علمية.

توفي رحمه الله بتطوان ضحوة يوم الإثنين عام تسعة وسبعين ومئة وألف (1179هـ). ودفن بالمسجد الكائن على يسار الداخل إلى مصلى الجنائز بباب المقابر، وقبره هو المرتفع في القوس الوسطى، وبجانبه قبر منحن لتلميذه وأحد أقاربه الشيخ محمد بن علي الورزيزي.

خلف العلامة أبو العباس أحمد الورزازي آثارا جليلة من بينها مجموعة من النوازل في مجلد، وفهرسته التي هي قيد الدرس.

العنوان: فهارس علماء تطوان (تطوان من خلال كتب التراجم والطبقات)

للمؤلف: عدنان الوهابي

منشورات باب الحكمة

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا