أسماء سفراء تطوان في عهد المولى إسماعيل (4) - بريس تطوان - أخبار تطوان

أسماء سفراء تطوان في عهد المولى إسماعيل (4)

بريس تطوان

وصف شارل بنز:

أما وصف شارل بنز – لزيارة السفير تميم كما ورد في كتاب تاريخ تطوان لمحمد داود بترجمة عبد الغفور الفقاي فقد تناول إلى جانب وصف الرحلة ملخصا للاتفاقية المبرمة بين الطرفين المغربي والفرنسي:

كان الحاج محمد تميم اذي شغل منصب باشا تطوان ثم مدينة سلا، أول سفير أرسله جلالة الملك مولاي اسماعيل إلى بلاط الملك لويس الرابع عشر وذلك في شتاء شتنبر سنة 1681م وقد نزل إلى ميناء بريست في 17 أكتوبر سنة 1681 ولم يصل إلى باريس إلا في 30 ديسمبر. وكانت مقابلته للويس الرابع عشر في 4 يناير سنة 1682 – 24 ذي الحجة عام 1093هـ.

وعلى إثر تلك المقابلة ابتدأت المفاوضة بين تميم من جهة والوزيرين – كولبير دوكرواسي، – وسنيلي من جهة أخرى، تلك المفاوضة التي انتهت بإبرام المعاهدة التجارية المعروفة بمعاهدة 29 يناير 1682 (20 محرم 1093) والتي ما زالت آثارها ماثلة حتى اليوم. ولئن كان شهرا يناير وفبراير (حيث جرت تلك المحادثات) مهمين في تاريخ العلاقات الفرنسية المغربية، فإنهما لم يكونا أقل أهمية منهما في حياة السفير الحاج محمد تميم.

ولقد خصصت صحف ذلك العهد عدة أحاديث عجيبة عن إقامته بالعاصمة الفرنسية، ستكون لنا مساعدة على تتبعه أثناء تجوله بباريس والإشارة إلى أعماله بما شاهده من مناظر المدينة وآثارها القديمة.

وفي اليوم الذي أعقب يوم المقابلة، أقام تميم مأدبة غذاء تكريما للملك لويس الرابع عشر، وكان السفير يتحدث إليه باللغة الإسبانية، ويقوم الضابط البحري دوريموندى بمهام ترجمان أثناء ذلك الحديث. وفي نفس ذلك اليوم ذهب السفير إلى مسرح سان جرمان لمشاهدة أوبرا أطيس من وضع كينوو لولي، وقد أعجب بذلك كثيرا، كما حضر أيضا عرض “بالي” انتصار الحب لنفس المؤلفين، وذلك على خشبة مسرح الأكاديمية الموسيقية الملكية، ولقد سببت تلك المناظر عجبا شديدا لدى أعضاء الوفد الذين كانوا برفقة تميم لدرجة أن أحدهم امتنع عن النظر إلى ما يجرى على خشبة المسرح قائلا إن ذلك ضرب من السحر.

وبتاريخ 12 يناير: زار السفير كنيسة نوتردام حيث أستقبل على أنغام الأرغن وصعد إلى أبراجها لمشاهدة مدينة باريس، وقد قال حينئذ: إنه يرى بها ثلاث مدن بعضها فوق بعض وذلك لشدة علو منازلها.

وعندما زار المكتبة الملكية، اندهش لكثرة ما ألفى بها من الكتب العربية ومن بينها مصحف، وقد أخذه ووضعه على جبهته وجبينه وفمه بعلامات أجلال وتعظيم خاصة.

وفي أثناء مأدبة عشاء أقامها لويس الرابع عشر، سأله هل كان مسرورا بمقامه بباريس؟ فأجاب بأنه قد بكى عندما أمره مولاه السلطان بالسفر إلى باريس، ولكن بكاءه سيكون أشد عندما يهم بمغادرتها، ثم استفهمه الملك عن رأيه في مدينة باريس، فأجاب قائلا إني في حيرة لأنني إذا ما عدت إلى بلادي وقصصت على الناس ما شاهدته هنا، فإنهم لن يصدقوني، ثم أضاف قائلا إنه لا غرابة في ذلك، لأنه هو بنفسه لو لم يزر باريس، لما آمن بوجود ما وقع بصره عليه، وأنه قد عني بوصف كل ما شاهده في كتاب سماه (كتاب العجائب) ولقد أضار محرر جريدة مركور الذي روى هذا الحديث أن الملك سر بهذا الجواب وقال على رؤوس إلا شهاد: إن السفير رجل ظريف.

وفي أوائل فبراير، زار قصر فرساي فأعجب بحرجه وخاصة بما وجد به من اوان فضية.

وفي اليوم العاشر من الشهر المذكور بعد ما شاهد للمرة الثانية أوبرا “أطيس” استقبل من طرف لويس الرابع عشر مقابلة الوداع، فألقى الحاج تميم خطابا بين يديه أشاد فيه بشخصية الملك وبعظمته، وعبر فيه عن إعجابه الفائق بما شاهده بالديار الفرنسية، وعن سروره بالوصول إلى الإحراز على سلام ذي فائدة كبرى لمولاه السلطان، ثم دعا الله أن يمنح كافة إفريقيا لمولاي إسماعيل، وباقي أجزاء المعمورة للملك الفرنسي,

وقد مكث السفير بعد ذلك بضعة أسابيع بالعاصمة، زار أثناءها مدرسة CUATRE NATIONS فوجد بمكتبتها عدة كتب عربية، كما زار ملجأ LA CHARITE فأعجب بنظامه وبالنظام السائد فيه، ورأى راهبا يقصد بعض المرضى فأبدى استغرابه من ذلك، وذكر أن عملية القصد لا تجرى ببلاده في فصل الشتاء، بل إن ذلك لا يكون إلى في فصل الصيف فقط.

ثم سيق بعد ذلك إلى الصيدلية حيث عرضت عليه عدة مساحيق للأحجار الكريمة، ومما استرعى انتباهه، مسحوق الياقوت الأحمر واللؤلؤ والزبرجد والمرجان الأحمر والأبيض والعنبر وغيرها، وعندما سئل عن رأيه في ذلك أجاب بأن كل هذا يصدر من بلده مثل العلوم الطبية أيضا. (هذا يدل على أن المغرب كان مصدرا لكل هذه المواد الثمينة وغيرها في تلك الفترة).

ومما رواه صحفيو ذلك العصر، أن أغرب ما لوحظ، هو أن السفير عندما مر بحجرة الجرحى بذلك الملجأ نهض الكثير منهم ومن بينهم خمسة أو ستة كانوا منذ أكثر من ثلاثة أشهر عديمي الحركة، فلقد فعل حب الاستطلاع في هذه المناسبة ما عجز الدواء عن فعله بمثل هذه السرعة.

ثم زار معهد السوربون ومكتبته، وحضر موسم DESPRES SAINT GERMAIN وشاهد أثناءه حفلة تمثيلية إيطالية، إذ أن تميم كان يعرف اللغة الإيطالية، وقد رسم انطوان تروفان العضو بأطاديمية الرسم، صورة للسفير ورفاقه وهو بإحدى شرفات المسرح ينصتون بانتباه وبصحبتهم الضابط الترجمان M.DERAYMONDIS الذي لزم الحاج تميم منذ وصوله لميناء بريست.

وعند زيارته لمطبعتين من مطابع المدينة، طلب في إحداهما أن تحضر إليه حروف عربية، فأحضرت في الحال وركب منها بعض الأسطر، كما طبع اسمه واسم أفراد حاشيته وسلم لهم ذلك.

وقبل مغادرته لباريز بيومين وصلته من الملك لويس الرابع عشر بضع هدايا مهمة.

وتعطينا هذه المشاهد التي رأها السفير تمم عن النهضة الكبرى التي كانت تطبع حياة العصر الأوربي وخصوصا الفرنسي في تلك الفترة، وفي سائر العلوم والمجالات، وما حققته من تطور كبير في الفنون والحضارات.

ولو استفاد المغرب في هذه الفترة من المطبعة ومن الحروف العربية التي استظهرت للسفير تميم، وتم جلبها للمغرب لتغير كل شيء قطعا.

الكتاب: سفراء تطوان على عهد الدولة العلوية

للمؤلف: محمد الحبيب الخراز

(بريس تطوان)

يتبع


شاهد أيضا