بريس تطوان
بعد مرور أسبوعين على موجة التدفق الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة عبر منطقة تاراخال، لا تزال تداعيات الأزمة تلقي بثقلها على المدينة، في وقت لم تُحسم فيه بعد مجموعة من الملفات المرتبطة بالمهاجرين والقاصرين والأمن واللجوء، وسط استمرار الجدل حول ملابسات ما حدث وأسبابه.
وتكشف التطورات التي أعقبت الأزمة عن وضع استثنائي أثقل كاهل الخدمات الأساسية، وأثار مخاوف أمنية متزايدة، فيما رفعت أحياء عدة أصواتها للمطالبة بتعزيز الحضور الأمني، بما في ذلك المطالبة بدور أكبر للجيش في الميدان.
أعداد الوافدين.. أرقام متغيرة دون حصيلة نهائية
من أبرز علامات الغموض التي رافقت الأزمة عدم وجود رقم رسمي نهائي بشأن عدد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة خلال ساعات التدفق الجماعي.
فالتقديرات الرسمية الإسبانية انتقلت من نحو 40 ألف شخص إلى 70 ألفا، قبل أن تظهر أرقام جديدة تتحدث عن قرابة 80 ألفا، في حين لم تنعكس هذه الأرقام بشكل واضح في البيانات الدورية التي تنشرها وزارة الداخلية الإسبانية حول عمليات الدخول والهجرة.
وبالرغم من بدء عمليات الإعادة إلى المغرب بشكل سريع، فإن آلاف الأشخاص ظلوا داخل المدينة. وتشير تقديرات مختلفة إلى وجود ما بين 8 آلاف و10 آلاف شخص، بينما تتحدث سلطات المدينة عن نحو 9 آلاف، في مقابل تقدير لوزارة الداخلية الإسبانية بحوالي 5 آلاف.
وتزداد صعوبة تحديد العدد الحقيقي بسبب اختباء عدد من الأشخاص في مناطق جبلية ووعرة وأراضٍ خاصة، ما يجعل عملية رصدهم وإحصائهم معقدة.
اللجوء والترحيل.. مسار طويل يواجه نقص الموارد
ولا تبدو عملية إنهاء وجود هؤلاء الأشخاص في سبتة سهلة أو سريعة، إذ يتعين أولا تحديد هوية الأشخاص الذين لم يغادروا طوعا، قبل مباشرة الإجراءات القانونية الخاصة بالإعادة أو الترحيل.
كما أن ملف اللجوء يمثل تحديا إضافيا، خصوصا مع توقع تقدم عدد كبير من المغاربة بطلبات للحصول على الحماية، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم الملفات وتأخير البت فيها.
ورغم تأكيد وزارة الداخلية الإسبانية العمل على تسريع الإجراءات، فإنها لم تقدم جدولا زمنيا واضحا لإنهاء العملية. ويشير مسؤول سابق في شرطة الأجانب، رامون كاوديفيا، إلى أن إخراج هذه الأعداد من المدينة سيحتاج إلى وقت طويل، بالنظر إلى حجم الإجراءات والموارد البشرية المطلوبة.
شاطئ «الترامبولين».. بؤرة جديدة للتوتر
تحول شاطئ «الترامبولين» إلى أحد أبرز مظاهر الأزمة، بعدما أصبح مكانا لتجمع أعداد كبيرة من الوافدين، في ظروف أثارت مخاوف مرتبطة بالنظافة والصحة العامة والأمن.
وسجلت المنطقة عددا من المشاجرات والمواجهات بين الموجودين فيها، الأمر الذي دفع السلطات إلى تعزيز الإجراءات الأمنية. وأعلنت وزارة الداخلية الإسبانية إرسال وحدة من قوات التدخل والوقاية تضم 45 شرطيا إضافيا.
وفي موازاة ذلك، تواجه السلطات تحديا أكثر تعقيدا يتعلق بالقاصرين، إذ تجاوز عدد القاصرين المسجلين 1500 شخص. ويطرح هذا الملف إشكالات قانونية وعملية بشأن إعادة جمعهم مع أسرهم، خصوصا في ما يتعلق بالجهة التي يتعين تسليم القاصر إليها والإجراءات التي يجب اتباعها بين المغرب وإسبانيا.
المغرب.. تعاون في الإعادة وجدال حول خلفيات الأزمة
في خضم الأزمة، حرص مسؤولون ووزراء إسبان على إبراز تعاون المغرب، خصوصا بعدما قبل إعادة مواطنيه الذين وصلوا إلى سبتة.
لكن هذا التعاون لم ينهِ الأسئلة المتعلقة بما سبق الأزمة، ولا سيما كيف تمكنت أعداد كبيرة من الأشخاص من الوصول إلى المنطقة الحدودية ثم العبور باتجاه المدينة.
ويشير التقرير إلى أن محاولات الدخول كانت قد تصاعدت خلال الأيام السابقة للأزمة، مع تسجيل محاولات متكررة للعبور بحرا، بينما كانت تحذيرات أمنية قد سبقت موجة التدفق الجماعي.
كما تورد المعطيات الواردة في التقرير تقديرات لمنظمة «كاميناندو فرونتيراس» تتحدث عن أكثر من 140 وفاة مرتبطة بمحاولات العبور، ما يسلط الضوء على الكلفة الإنسانية الثقيلة للأزمة الحدودية.
استنفار مغربي على الحدود تحسبا لمحاولة جديدة
ومع تداول دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيم محاولة دخول جماعية جديدة في 15 غشت، رفعت السلطات المغربية مستوى التأهب في المناطق القريبة من سبتة.
وشملت الإجراءات تعزيز المراقبة في المناطق الجبلية والحدودية، إلى جانب تشديد الحضور الأمني برا وبحرا وجوا، في محاولة لمنع تكرار سيناريو التدفق الجماعي الذي شهدته المدينة نهاية يوليوز.
ويثير هذا الانتشار المكثف تساؤلات حول توقيته، خاصة أن المنطقة كانت قد شهدت في الأيام التي سبقت أزمة 30 يوليوز محاولات متكررة للعبور، وفق ما أورده التقرير.
خلافات بين الأجهزة الأمنية الإسبانية
وأظهرت الأزمة كذلك وجود ارتباك في طريقة تدبير الوضع على الجانب الإسباني، خصوصا في ما يتعلق بالتنسيق بين الشرطة الوطنية والحرس المدني.
فقد برز خلاف بين عناصر وقيادات الجهازين بشأن تدبير إحدى نقاط العبور، في وقت كانت فيه مئات الأشخاص يحاولون الوصول إلى المدينة.
وأثارت مشاهد إغلاق البوابة الحدودية وتبادل المسؤوليات تساؤلات حول مستوى التنسيق بين الأجهزة خلال الساعات الحرجة للأزمة.
أما الجيش الإسباني، فقد جرى في البداية الاستعداد لنشر وحداته ومعداته، قبل تعديل خطة التدخل لاحقا، ليتم انتشار العسكريين تحت قيادة الحرس المدني.
ويعيد ذلك إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوات المسلحة في مواجهة الأزمات الحدودية داخل سبتة.
سبتة بعد 15 يوما.. آثار تتجاوز الجانب الأمني
بعد أسبوعين من الأزمة، لا تزال آثارها واضحة في مختلف جوانب الحياة داخل سبتة. فحالة القلق انتشرت بين السكان، فيما تأثرت الحركة الاقتصادية، وتحدثت تقارير عن خسائر لحقت بعدد من الأنشطة التجارية، بالتزامن مع ضغط إضافي على الأجهزة القضائية بسبب ارتفاع عدد الملفات.
كما أدى الشعور بعدم الأمان إلى لجوء بعض السكان إلى تقليص تحركاتهم والبقاء في منازلهم، رغم عدم صدور قرارات رسمية بفرض قيود على الحركة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر الذي لم يجد جوابا واضحا حتى الآن هو: ما الذي أدى إلى اندلاع أزمة 30 يوليوز بهذا الحجم وفي ذلك التوقيت؟
فبعد مرور أسبوعين، لا تزال ملابسات التدفق الجماعي، وحجم المسؤوليات، وطبيعة التحركات التي سبقته، من أبرز الملفات التي تنتظر توضيحات، بينما تحاول سبتة تجاوز واحدة من أكثر أزماتها الحدودية تأثيرا، واستعادة الهدوء في مدينة تركت الأحداث الأخيرة آثارا عميقة على سكانها ومؤسساتها واقتصادها.
