أحمد محمد الإدريسي.. الضليع في أسرار لغة الضاد - بريس تطوان - أخبار تطوان

أحمد محمد الإدريسي.. الضليع في أسرار لغة الضاد

بريس تطوان

عندما يرحل هذا النوع من الناس، تتملكني رغبة شديدة في البكاء… عرفت الأستاذ أحمد الإدريسي منذ نعومة أظافري، إذ كان ووالدي صديقين منذ أواسط الخمسينات بمدينة الناظور.

لم اكن قد ولدت بعد، لكني سمعت ذلك منهما مباشرة، وايضا عن طريق بعض أصدقائهما المشتركين. محمد نوري (كاتب وباحث).

– يلقبه أصدقاؤه ب “العالم” (نسبة إلى العلم)، لأنه يعد على رأس الراسخين في أسرار اللغة العربية، والضالعين في فهم واستيعاب التراث الشعري العربي، ثم لأنه موسوعة ثقافية، كانت تمشي على قدمين.

– ولد بحي العيون سنة 1936، حفظ القرآن على يد الفقيه بنسعيدان في أحد كتاتيب حيه، ثم انتقل إلى المدرسة القرآنية الحسنية بالمشور السعيد، حصل على شهادة الدروس الإبتدائية، والتحق بالمعهد الرسمي (ثانوية القاضي عياض)، وبعده بمدرسة المعلمين، التي كانت تقع آنذاك في حي “باب الصعيدة”.

– بعد تخرجه أواسط خمسينات القرن الماضي، عمل معلما في مرتيل وتطوان، تدرج في مختلف أسلاك التربية والتعليم: معلم بمدرسة سيدي بركة الإبتدائية، أستاذ منتدب بثانوية جابر بن حيان، حارس عام خارجي بثانوية القاضي عياض، مدير ثانوية الشيخ أمزيان بالناظور، مدير ثانوية الإمام الأصيلي بأصيلة.

– كان تطلعه المعرفي بدون حدود، وقد زاوج بين مهامه التعليمية، والاستمرار في الدراسة، ففي سنة 1970 حصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط (فرع فاس)، وحصل على الإجازة في القانون من كلية الحقوق بالرباط  سنة 1974.

– بعد التحاقه أستاذا بكلية آداب الرباط موسم (1972/1973)، نال دبلوم الدراسات العليا من الكلية ذاتها سنة 1976 عن أطروحة في موضوع “أصول النحو العربي من خلال كتاب (الاقتراح) للسيوطي في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة”. وفي سنة 1987 حصل على دكتوراه الدولة في الأداب العربي (تخصص علم اللغة) من كلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث قدم للمناقشة أطروحة متميزة حول “تداوليات الخطاب ولسانيات السكاكي”.

– مازال جيل من تلامذته، الذين عاصروه في منتصف ستينيات القرن العشرين في ثانوية القاضي عياض، يذكرون فضله عليهم، حيث كان يشجعهم على الكتابة الأدبية في المجلات الحائطية (كان لكل قسم مجلة يشرف عليها ويحرص أن تكون هي الأفضل)، ويحثهم على عشق المسرح والتمثيل، بعد أن فتح قاعة أبواب المسرح المتواجدة بالثانوية أمامهم. وكان له الفضل في إنشاء فرقة الهلال التطوانية للموسيقى، فقد تكونت نواتها الأولى على يديه، داخل ثانوية القاضي عياض.

– نظرا لخبرته الطويلة في سلك التفتيش (مفتش إقليمي سابق بنيابة التعليم بمدينة القنيطرة)، والإدارة التعليمية (مدير سابق لمدرسة المعلمين بالرباط)، فقد عين عضوا في اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، وساهم في بلورة الميثاق الوطني للتربية والتكوين الصادر عن اللجنة المذكورة.

– استهوته السياسة، فانجذب نحو التدبير الجماعي، وهو في ذروة عمره، حيث تقلد سنة 1993 مسؤولية رئاسة بلدية سيدي المنظري يتطوان، كما ترأس المجلس الإقليمي، ويذكر الذين عاصروه خلال هذه الفترة أنه كان مسؤولا توفرت فيه كل القيم الممتازة.

– وهب حياته للدراسات اللغوية، وترك العديد من الأبحاث، عندما يكتب لها الصدور بين دفتي كتاب ضخم، سيكتشف الباحثون الجامعيون أهمية وقيمة هذا (العالم)، الذي رد للغة الضاد اعتبارها في زمن الاستيلاب اللغوي في بلادنا.

– كانت تربطه علاقة صداقة وطيدة مع أبرز الكتاب والمبدعين المغاربة، وفي المقدمة منهم الأديب العالمي الراحل محمد شكري، الذي كان كثيرا ما يستشير أجمد الإدريسي، كلما غمض عليه سر من أسرار التعبير العربي.

– كان وراء هذا العالم اللغوي الكبير والده “السي محمد”، الحلاق الشعبي في حي (النيارين)، الذي كان يتعامل بكل أريحية مع زبنائه من سكان حي العيوم إذ، كان يحلق للفقراء منهم دون أن يتقاضى أجرا على أتعابه.

– التحق بالرفيق الأعلى يوم 18 ديسمبر 2005، ودفن بمسقط رأسه، بعد أن شيع جثمانه في محفل رهيب، حضرته ثلة من المثقفين من مختلف الأجيال إلى جانب عدد من تلامذته العارفين بعلمه وفضله الكبيرين.

نقلا عن كتاب رجال من تطوان

للمؤلفان: محمد البشير المسري -حسن بيريش

منشورات جمعية تطاون أسمير

(بريس تطوان)

يتبع…


شاهد أيضا