الجريدة الأولى بتطوان _ عندمــا يحلــم..العقــلاء
مساحة إعلانية

الدروس الصيفية المكثفة 2017

 
PUB


 
صوت وصورة

دعوة إلى القضاء بتحمل مسؤوليته التاريخية (الحلقة 3)


رأي الساكنة بتطوان حول نفق كويلمة

 
البحث بالموقع
 
ركن العاطفة

ماذا بعد العيد؟

 
إعلانات تهمكم
 
 


عندمــا يحلــم..العقــلاء


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 11 دجنبر 2013 الساعة 54 : 16



عندمــا يحلــم..العقــلاء


    للفنان الإسباني فرانسسكو جويا  Francisco Goyaصورة جعل عنوانها "أحلام العقل" يصور بها رجلا منهوك القوى، جلس على كرسيه إلى جوار منضدة، مادا ساقيه على الأرض، ملتفة منهما ساق على ساق، والرأس – مستورا بالذراعين– منكب على سطح المنضدة، وحول الجسد المهدود هومت كائنات غريبة مخيفة، منها ذوات الجناح كأنها الخفافيش ركبت عليها رؤوس البوم، ومنها الرابض على الأرض ربضة الفهد المفترس يتحفز لفريسته،...

      

 


     ترى هل رقد الرجل في جلسته رقدة النعاس، أو غفا غفوة السارح في أحلامه ؟ لسنا ندري، لكن تأويلات المؤولين من نقاد الفن، تذهب في تفسير الصورة مذاهب شتى، فتأويل منها يقول أن الصورة رمز للعقل إذا غفا فتدهمنا مع غفوته وحوش الخرافة والضلال، وتأويل آخر يقول أنها رمز للعقل وقد انتصر بغزواته، فشمل مخمورا بنصره، وظن أنه قد أصبح وحده سيد الموقف ومالك الزمام، فما لبث أن أحاطت به أسباب الهلع والجزع..

التأويل الأول هو تأويل المؤمن بالعقل وقدرته، وهو يحث الناس على أن يمضوا مع عقولهم قدما في جرأة وبسالة، لتخلو الحياة من أوهامها وأشباحها، والتأويل الثاني هو تأويل المرتاب في العقل وقدرته، فيرى لزاما أن يستند العقل إلى إيمان حتى لا ينحرف عن جادة الهداية والصواب.

والمعنى هو على أي حال في بطن الفنان، لكني لا أعرف لماذا ذهب أصحاب التأويل مذاهب شتى، وقد أشار الفنان إلى مراده بعبارة كتبها على جانب المنضدة التي استلقى عليها الرجل برأسه وذراعيه، إذ كتب يقول : "إذا العقل  استغنى عن الخيال، تولدت أشباح مخيفة" أما إذا اقترنا، فانتظر منهما المعجزات..وإذن فقد أصاب صاحبنا المنهار ما أصابه، لأنه أراد أن يعتمد على العقل وحده غير متوكئ على خيال.


 

 

وما العقل، وما الخيال؟  -قبل أن نمضي في الحديث.. لعل أوجز عبارة توضحهما وتقارن بينهما، هي أن نقول أن العقل يعالج الواقع كما يقع، وأما الخيال فيصور الممكن، الذي لو أسعفته الظروف، خرج من عالم الإمكان إلى عالم الواقع. 

إنك – بالعقل – تشتري وتبيع وتبني البيوت وتنسج الثياب وتتقي البرد والحر، وبالعقل يحكم الحاكمون ويخطط الساسة وبالعقل تصنع الأجهزة العلمية، وتجري البحوث، وتركب العقاقير، ويهزم المرض.. لكنك – بالخيال – تصعد الجبال وأنت على كرسيك جالس، وتحيا حياة القصور إذا لم تكن من أهلها، وتفتك بالأعداء في ميدان القتال، وأنت راقد في مخدعك، إنك – بالخيال – ترسم لنفسك ما شئت من صور، وإنما يمتاز خيال من يخال بمدى قربه أو بعده عما يمكن تحقيقه لو زالت العوائق من الطريق، فإذا شطحت بخيالك نحو المستحيل، كان ذلك هو تخليط المجانين، وأما إذا قيدت خيالك بقيود المستطاع، كان هو الخيال الذي يحلم به العقلاء.

فإعفاء الخيال من قيود الواقع، يخلق للمجنون عالما كعالم الوحوش المجنحة التي رسمها جويا في الصورة التي ذكرناها، كذلك يخلق تلك الوحوش أن نضرب في أرض الواقع صما بكما، لا نهتدي بفكرة تخيلناها ورسمناها في الأذهان لتسير على هداها.

ونسوق مثلا للعاقل كيف يحلم بالواقع المرجو قبل وقوعه، فيرسل لخياله العنان بمقدار ما يمكن ذلك الخيال من السير المستقيم الذي لا يكبو معه ولا يتعثر، مثل فرانسيس بيكون Francis Bacon حين تخيل في كتاب له صغير، اسمه "أطلنطس الجديدة" ما يتمناه للإنسان من حياة علمية عملية، يتخلص فيها مما كان قد أحاط به إبان العصور الوسطى، من جو كله "كلام في كلام". فهذا نص، وهذا تحليله، وهذا شرح لتحليله، وذلك هو الشرح على الشرح، والتحليل للتحليل. فينتقل الدارس من فقرة في كتاب إلى فقرة أخرى في كتاب، ثم من مقدمة على صفحة إلى نتيجة تلزم عنها على صفحة أخرى. وهكذا كانت رحلة الدارسين تبدأ على الورق وتنتهي على الورق : كلام يسبقه كلام ويلحقه كلام، ثم يقال عن أصحابه انهم "علماء".

فحلم فرانسيس بيكون بيوم يغير فيه الإنسان معنى "العلم" فلا يطلق هذه الكلمة العظيمة إلا على ذلك الضرب من الكلام الذي لا يكاد يثبته صاحبه على صفحات كتابه، حتى يثب إلى حياة الناس عملا ينفع، وله في مقارنة "العلم" بمعناه اللفظي القديم، و "العلم" بمعناه التطبيقي الجديد، تشبيهات رائعة، فهو بمعناه القديم كالغانية تكون للمتعة لا للثمر والإنجاب، هو بمعناه القديم كالطفل في وسعه أن يتكلم لكن ليس في وسعه أن ينسل البنين، إنه بمعناه القديم كالمرأة العاقر، تناقش وتناقش، لكنها لا تلد.

 


إن العلماء بالمعنى القديم هم كالعناكب ينسجون النسج من أجوافهم، وإذا كان ذلك لا يقدم من الدنيا ولا يؤخر، فكذلك لا يقدم منها ولا يؤخر، أن يجيء علماء من طراز جديد، يزعمون لأنفسهم أنهم علماء"تجريبيون"، ثم لا يزيدون على تكديس المعلومات فوق المعلومات. والإحصاءات فوق الإحصاءات، فذلك التجميع يجعل منهم طائفة من النمل، تخزن  مخزونها دون أن تغير منه شيئا وأما العلماء الذين كان يحلم بهم بيكون فهم كالنحل، يمتصون من الطبيعة رحيقها، ثم يصيرونه بمعداتهم عسلا حلو المذاق.

العلم قوة –  وهذه عبارة قالها بيكون – بمعنى أنه أداة لتغيير البيئة المحيطة بنا على النحو الذي يحقق أغراضنا، فإذا كنت قد حصلت "كلاما" تسميه علما، ثم لا تعرف كيف تستخدمه أداة للتغيير والخلق، فاعلم انك لم تحصل من "العلم" شيئا.

كان ذلك حلما حلم به عاقل عاش في القرن السادس عشر، حين لم يكن يعرف الناس من أمور دنياهم إلا قليلا، جاءهم عن طريق خبرات القرون الطويلة، ولم يكن قد طاف برؤوسهم أنه هو العلم الطبيعي وتطبيقه الذي في يده أن يثب بالحياة طيرانا إلى أجواز الفضاء وغوصا إلى جوف الأرض وأغوار الماء – بهذا وحده، وبأمثاله يتغير وجه الدنيا.

لكن هذا كله كان عند فرانسيس بيكون خيالا يتخيله لا واقعا يعيشه، ثم جاء العلم بعدئذ ليصير الخيال علما وعملا، وفي هذا التكامل بين الخيال المقيد البناء، والعلم الذي يتحول إلى عمل، يقيم الإنسان لنفسه حياة مطردة السير إلى امام وإلى أعلى، ناجيا من أشباح الخرافة والجهالة التي رسمها "جويا" في صورته "أحلام العقل" رسمها خطرا مخيفا يدهم الإنسان إذا ما عقله غفا، حالما كان ذلك العقل أو صاحيا.


والله الموفق

11/12/2013

محمد الشودري

 


 

 



loading...




تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها


1- الدراسة

mohamed ben abdelah

الدراسة المصطلحية تتم على مستويين الأول: خاص بالدارسين الباحثين المتخصصين، والثاني: يهم عموم طلبة العلم وهم مطالبون بقسط من الدراسة المصطلحية.
ثم حصر طرق معرفة

في 12 دجنبر 2013 الساعة 12 : 17

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- منار

redouan bakkali

سلامة الإنسان في حفض اللسان
من غربل الناس نخلوه

في 12 دجنبر 2013 الساعة 28 : 17

أبلغ عن تعليق غير لائق


3- الشغوف بالقراءة

إنصاف

يبدو أن صاحب التعليق رقم  (2 ) لم يجد من كلام يعلق به على المقال إلا تلك الكلمات الغامضة والغير المناسبة – حسب رأيي – للموضوع، وبذلك لم يدرك سيادته ما أراده الكاتب الذي تبعا لسياق المقال ترجم بأسلوبه الخاص وبتعبيره الأدبي والفني تلك الصورة التي حاول أن يجسدها الفنان الإسباني Goya والتي جعل عنوانها : "أحلام العقل" كما هو الأمر بالنسبة لما أعرب عنه المفكر المبدع فرنسيس بيكون Francis Bacon من فلسفة وتصور، لذلك يمكن القول مرة أخرى بأن كاتب التعليق التبس عليه الأمر ولم يستطع بما تفضل به أن يفرق – مع الأسف – بين المعنى الذي هو في بطن الفنان كما جاء في المقال وجسده صاحبه كإبداع فني رائع في الصورة وبين صاحب المقال الذي حاول نقل ذلك بما أمكنه من تعبير وهو نفس الإلتباس الذي وقع فيه صاحبنا في عدم تمكنه من التفريق بين الضاد والظاء في كلمتي حفظ وحفض كما جاء في التعليق. وهذا الخلط بين الحرفين لم يغفله علماء اللغة الأجلاء إذ أشاروا في دراستهم القيمة والمفيدة إلى أن عدد حروف الظاء  (93 ) كلمة ومنها الكثير غير مستعمل في عصرنا، والمتداول منها في الوقت الحاضر  (32 ) كلمة فقط وما بقي ينسب كله إلى حرف الضاد، فعليك يا سيدي بحفظها.
حفظ الله لغتنا لغة الضاد من عبث العابثين مع فائق الإحترام والتقدير.


في 14 دجنبر 2013 الساعة 20 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق


4- إستعطاف

mohamed geniari

بكامل الشكر . أسأت الفهم والمعنى الحقيقي لهذه الكلمات حيت أن بسياق هذه الجملتين إشارة بكل مقال مقام .تختلف الكتابات من كاتب وناقد من المعنى الحقيقي للنقد بصور غير الصورة الحقيقية شكرا أختي لكن لن تنسى بكل المقاييس بالنقد ذراية بالمعنى
مامن شك تعليق إستلطافي

في 17 دجنبر 2013 الساعة 50 : 10

أبلغ عن تعليق غير لائق


5- أين البؤرة الفكرية

souad

في كينونة الموضوع وتعليقات الناس.
جميل جدا أن نجد كتابة مقالة أو إفادة للقارء و نجد تعليقات من طرف القارئ
جدل وإشكالية ،الغريب هو كيف نحس بالمصداقية أو المتعة في تنشيط الفكر.

في 17 دجنبر 2013 الساعة 34 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


6- donia

على القارئ

على القارئ

في 17 دجنبر 2013 الساعة 06 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق


7- لو كان

ألاء

عادت بنا رياح إلى مجرات أناس ولدت على بساط خالية الأقلام

في 17 دجنبر 2013 الساعة 14 : 16

أبلغ عن تعليق غير لائق


8- best

redouan bakkali

كتابة رائعة للأستاذ الشودري

في 18 دجنبر 2013 الساعة 33 : 09

أبلغ عن تعليق غير لائق


 

 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم
اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



وزان :مجموعة حاملي الشهادات المعطلين القدامى تراقب تدبير مطالبها المشروعة عن وعي وحكمة عقل.

يا شمسُ‏

عندمــا يحلــم..العقــلاء

مواعظ وحكم مؤثرة (1)

عندمــــا ينفجـــر الكـــون... نجــوم مــــن مطــاط ! 2/1

عندمــــا ينفجـــر الكـــون... نجوم مــن مطــاط ! 2/2

عندمــا يحلــم..العقــلاء





 
إعلانات .
‎ ‎
 
بانر إعلاني
 
تسجل بالنشرة البريدية

 
مقالات وآراء

"الزمان الإنساني وشروط التكامل الاجتماعي في الإسلام"

 
صفحتنا على الفايسبوك
 
موضوع أكثر مشاهدة

تطوان: من محمد الشودري إلى من يعنيه الأمر ( خبر عاجل بالتعاليق)

 
البريد الإلكتروني [email protected]