الفرح كذبة - بريس تطوان

الفرح كذبة

 

ذات فرح..
لم يحدث أن لامستُ الروح بي أو اقتربت من توأمها القابع في المرآة حتى.. لم يحدث أن تعرفت عن نفسي أو أدركت من أنا ولماذا أنا؟…
لم يحدث أن عانقت أناملي اليراع وصارت تنبش عن سطح أبيض لتنتحر.. ولا تجاوزت أنفاسي الكون بمجراته وصاحت أين أنا؟…
الفرح سحابة أنانية تتملكنا، تجمدنا وتذيب شعورنا نحونا… بساط سحري يقلنا نحو الفضاء للحظات آنية ثم يرمي بنا متى ارتطم بالأحجار الغبية.. لنعود أدراجنا نحو الوجه الصادق للحياة حيث الروح ساكنة.
هو سبيل للهروب من الحقيقة، ملجأ يشرع أبوابه أمامنا هنيهات ثم يصدنا، ونور يتسلل خلسة يعمينا وينجلي..
أتساءل أحيانا ما دور الفرح في الحياة؟!! مادام قدومه ضئيلا كالحلم السريع دوما، سرعان ما نستفيق بخيبة وكأنها الصاعقة، وكأنها كذبة لا صحة لها ولا أساس.
فلا عمر انتظارنا له يقاس بعدد المرات التي اجتاح فيها قلوبنا، ولا مرة لبى نداء القلوب فيها وحقق أماني الحالمين وأدعية القانتين. فقط تحايل على السنين المتعاقبة.. حتى صارت نظرتنا له نظرة خوف وذعر، إذ اعتدنا على الهلع في كل مرة احتوانا الفرح.. فلطالما سمعت الناس يرددون، بعد موجة ضحك وسعادة: «الله يخرج هاد الضحك على خير»، أو «الله يدوم ما تعودناش على هاد الفرحة»، وكأننا نجزم بأن لحظات السعادة تلك -بل نجزم بالفعل- أنها عابرة وأنها بداية لعنة قادمة ستعكر صفو أيامنا الآتية… بل هذا ما يحدث بالفعل.. لست أدري إن كانت فعلا حقيقة أم أنها تهيؤات تجرعناها من موروث ثقافي خلد الأسطورة.. لكن ما أعلمه ويعلمه غيري من الخائبين أن النقيض هو المرآة الحقيقة لأرواحنا، هو الرؤية التي تتضح كلما عبرنا أزمنة الحزن بثبات، وهو الخوض في بيادر النفس كذلك..
ولأن أنجح اللوحات التي رسمت وأشهر القصائد التي كتبت وأروع الكلمات التي قيلت لم يكن أصحابها سعداء لحظتها! ولأن أصدق الأصدقاء لم يولدوا من رحم الفرح بل بعد مخاض عسير وضعف وهوان وتعب ويأس.. ولأن بعد العواصف القاسية ينقشع الصفاء.. يسعنا القول إن الحزن سيد المشاعر، نعمة إلهية، هبة ربانية واعتراف بقوة الإنسان.. شعور ثمين يمكن صاحبه من امتلاك الروح وإحكام قبضته عليها، من الدنو إليها وإدراك آمالها وأمانيها، من توسيع النظرة، رسم السبيل الصحيح واتخاذ القرارات الصائبة.. ومن اللجوء إلى نفسه والانصات إلى الأصوات التي تسكنه، والتي لا تصله حين يخطفه الفرح الكاذب…!
فالشعور بالحزن بطولة في حد ذاتها، تغلب على قسوة الحياة ورجوع إلى الجوهر في خضم معارك المظاهر المزيفة. اصطناع الفرح وادعاء السعادة تلك التي لا تمثل إلا فترة راحة تتخلل مسلسلا طويلا أبطاله مكافحون حقيقيون يحاربون من أجل الوصول إلى جواهرهم الثمينة.

 
مريم كرودي/ بريس تطوان


شاهد أيضا