السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم - بريس تطوان

السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم

السنن الكونية والاجتماعية
في القرآن الكريم
 
              الأستاذ الدكتور توفيق بن أحمد الغلبزوري
              كلية أصول الدين بجامعة القرويين المملكة المغربية
 
 
 
مقدمة :
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن اتبع هداه، أما بعد :
 فإن الله تعالى أقام نظام الكون ، ونظام المجتمع ، على سنن وقوانين ونواميس مطردة، لها صفة العموم والشمول ، والثبات والدوام ، والاطراد والاستمرار ، فهي لا تتغير ولا تتبدل ، ولا تختلف ولا تتخلف ، ولا تحابي أحدا ، بل الكل في ميزانها سواء.
وهذه السنن الكونية والاجتماعية ، موضوع اهتمام هذا البحث؛ تفسر إلى حد كبير حركة الحضارة والاجتماع والعمران البشري ، وترتكز على الفقه الاجتماعي والحضاري ، هذا الفقه الذي يقوم على دراسة سنن قيام الأمم والدول والمجتمعات والحضارات وسقوطها ، وتخلفها ونهوضها ، وقوتها وضعفها ، ورقيها وانحطاطها ، ونجاحها وإخفاقها ، والتي لا تتخلف نتائجها عن مقدماتها ، ولا تنفك أسبابها عن مسبباتها ، وعدم إدراكها تجعل الإنسان مسخرا؛ بدل أن يكون مسخرا لها.
وواقع المسلمين في العصر الحديث من التخلف الحضاري ، والتدهور الاجتماعي إنما يعزى إلى جهلهم بالسنن في الآفاق وفي المجتمع، ولا سبيل إلى التقدم والرقي والنهوض واستئناف الدورة الحضارية إلا بفهمها وفقهها وحسن  التعامل معها، وإتقان تسخيرها واستثمارها ، واستشراف مستقبلها.
هذا هو موضوع  هذه الدراسة، والذي أقمت فيه خطة تقوم على مقدمة وأربعة مباحث:
تكلمت في المبحث الأول : عن مفهوم السنن الكونية والاجتماعية في اللغة والاصطلاح القرآني.
وفي المبحث الثاني : درست أهمية العلم بالسنن الكونية والاجتماعية وطرق استخلاصه.
وفي المبحث الثالث : بينت خصائص السنن الكونية  والاجتماعية في القرآن الكريم.
وفي المبحث الرابع : آخر هذه المباحث ضربت  أمثلة لنماذج من سنن النهوض الاجتماعي والحضاري في القرآن الكريم ،معرضا عن ذكر سنن السقوط ؛لأنها كتب فيها الكثير، واخترت  تفصيل القول في أم هذه السنن جميعا وهي: ( سنة التغيير) وتحدثت عن السنن الأخرى  حديثا خاطفا مرجئا بسط ذلك إلى فرصة أخرى إن شاء الله ، وأسأل الله تعالى التوفيق والسداد ، والعون والرشاد ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

 
المبحث الأول : مفهوم السنن الكونية والاجتماعية في اللغة والاصطلاح القرآني
1-   مفهوم السنة في اللغة .
لفظ« السنة» الذي جمعه « سنن » تعددت وجوه استعماله في اللغة العربية ، ومن ذلك أن يراد به من المعاني : الطريقة ، والسيرة ، والمثال ، والمنهج، والشريعة ، والإتباع، والعادة والاقتداء، والحكم.
وأذكر هنا أقوال بعض العلماء والأئمة ، وأرباب المعاجم في معنى ” السنة” في اللغة :
قال الرازي في «مختار الصحاح» السنن: الطريقة يقال : استقام فلان على سنن واحد . ويقال : امض على (سننك) و(سننك) أي : على وجهك. وتنح عن (سنن) الطريق ( وسننه) و(سننه) ثلاث لغات, و(السنة) : السيرة 1.
وقال الفيروز- أبادي في القاموس المحيط : و(السنة) بالضم: الوجه، أو حره ، أو دائرته، أو الصورة ، أو الجبهة والجبينان، والسيرة ، والطبيعة…ومن الله : حكمه، وأمره، ونهيه ( إلا أن تأتيهم سنة الأولين)2 أي : معاينة العذاب ، وسنن الطريق: نهجه وجهته، وجاءت الريح سناسن، على طريقة واحدة .3
وقال ابن منظور في لسان العرب” : «وسنة الله : أحكامه وأمره ونهيه ، وسننها الله للناس، بينها ، وسن الله سنة : أي بين طريقا قويما، والسنة السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة؛ قال خالد بن عتبة الهذلي :
فلا تجزعن عن من سيرة أنت سرتها ** فأول راض سنة من يسيرها
وسننتها سنا واستننتها : سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها…وكل من ابتدأ أمرا عمل به قوم من بعد قيل: هو الذي سنه ؛ قال نصيب:
كأني سننت الحب أول عاشق *** من الناس إذ أحببت من بينهم وحدي
وقد تكرر في الحديث ذكر السنة وما تصرف منها ، والأصل فيه الطريقة والسيرة. والسنة : الطريقة، والسنن أيضا،والسنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة معناه من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة ، وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق..والسنة : الطبيعة ..وأمض على سننك : أي وجهك وقصدك، وللطريق سنن أيضا ، وسنن الطريق وسننه وسننه نهجه…والسنة في الأصل : سنة الطريق، وهو طريق سنه أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم..وسنن الطريق وسننه محجته، والسنن الطريقة ، يقال استقام فلان على سنن واحد…والسنن القصد ، سنن الرجل : قصده وهمته..وجاءت الرياح سنائن : إذا جاءت على وجه واحد وطريقة واحدة لاتختلف ..وبنى القوم بيوتهم على سنن واحد : أي على مثال واحد»4
وقال الإمام ابن الأثير في ” النهاية “« السنة وما تصرف منها ، والأصل فيها الطريقة والسيرة …وفي حديث المجوس : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) أي خذوهم على طريقتهم ، وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم، ومنه الحديث: ( لا ينقص عهدهم عن سنة ماحل ) أي : لا ينقص بسعي ساع بالنميمة والإفساد، كما يقال : لا أفسد بين وبينك بمذاهب الأشرار وطرقهم في الفساد ، والسنة : الطريقة والسنن أيضا ، ومنه الحديث : ( ألا رجل يرد عنا من سنن هؤلاء» 5
وقال الإمام الرازي في تفسيره : ( والسنة : الطريقة المستقيمة والمثال المتبع ) 6
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول ، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار)7.
 
2- مفهوم السنة في الاصطلاح القرآني
جاء لفظ ” السنة” في القرآن الكريم بالصيغة الصريحة في ستة عشر موضعا، فجاء مفردا في أربعة عشر موضعا ، ومجمعا في موضعين، وجاء مضافا إلى الله تعالى في تسعة مواضع ، ومضافا إلى الرسل عليهم السلام في موضع واحد ، وجاء نكرة مجردة عن الإضافة في موضع واحد 1
والسنة : وإن أضيفت إلى غير الله تعالى في بعض النصوص ، فإنها لا تنفك عن كونها من خلق الله وإرادته وقدرته سبحانه ، قال العلامة الطاهر ابن عاشور : (( وإضافتها إلى الأولين باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة الله فيهم ، والإضافة لأدنى ملابسة ))2
وفيما يأتي الآيات التي ورد فيها لفظ السنة وفق ترتيبها في القرآن العزيز :
وهي قوله تعالى : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين ) 3
وقوله : ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) 4
وقوله : ( ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يومنون به وقد خلت سنة الأولين).6
وقوله : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا )7
وقوله : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذا جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن يأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا)8
 
وقوله : ( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله سنة الله الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا )9
وقوله : ( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينكم بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وتلوا تقتيلا سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا )10
وقوله : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا)11
وقوله : ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) 12وقوله : ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)13
هذه هي الصيغ الصريحة التي ورد بها لفظ ” السنة ” وهناك نوعان من الصيغ قد يشار إليهما في أثناء البحث : كالصيغ الشرطية التي تؤكد العلاقة الموضوعية بين الشرط والجزاء، والصيغ الإخبارية التي تحمل معنى السنة الكونية والاجتماعية من خلال سياق الآية والآيات . وبمعنى آخر : إن القرآن الكريم أرشد إلى هذه السنن ، فذكرها نصا في بعض الأحيان ، ولم ينص عليها أحيانا أخرى وإنما فهمت من النص دلالة وفحوى .
فتحصل من هذه الآيات الصريحة معاني السنة الواردة في القرآن الكريم وهي ثلاثة :
المعنى الأول : الطريقة الحميدة وهو المعنى المراد في سورة النساء .
المعنى الثاني : سنة الله فيما أباح للرسل ، وهو المراد في موضع الأحزاب الأول .
والمعنى الثالث : العادة المألوفة والمثال المتبع في التعامل مع الأمم حال الطاعة وحال المعصية ، وهو المراد في سورة آل عمران وسائر النصوص القرآنية الأخرى .
وهذا المعنى الثالث هو المقصود في هذا البحث وهو الذي رامه أهل العلم في كلامهم عن سنن الله تعالى .
3- وجه العلاقة بين السنة الكونية والسنة الاجتماعية
هناك فرق دقيق بين مفهومي السنن الكونية والسنن الاجتماعية ، فالسنن الكونية : هي التي تتعلق بالأشياء والظواهر والأحداث المادية والطبيعة غالبا .
أما السنن الاجتماعية : فهي تلك السنن التي تتعلق بسلوك البشر وأفعالهم ومعتقداتهم وسيرتهم في الدنيا ، وفق أحوال الاجتماع والعمران البشري ، وما يترتب على ذلك من نتائج في العاجل والآجل .
ويبين شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الفرق الدقيق فيقول رحمه الله –بعدما ذكر كثيرا من السنن الشرعية والاجتماعية: ( …وهذه السنن كلها سنن تتعلق بدينه ، وأمره ونهيه ، ووعده ووعيده وليست هي السنن المتعلقة بأمور الطبيعة ،كسنته في الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من العادات )14
ويتضح من هذا التقسيم أن مفهوم السنن الاجتماعية هو موضوع هذه الدراسة وهو المختص بالأفراد ، والأمم ، والجماعات ، والحضارات من خلال القرآن الكريم.
 ولكن لو أمعنا النظر ، وأطلعنا النفس في البحث لوجدنا أن سنن الله في المجتمعات البشرية امتداد طبيعي لسننه في المجالات الكونية ، لأنها قوانين واحدة ، وأسباب واحدة ، ونواميس واحدة ، تصدر عن إرادة واحدة ، وتنبثق عن مشيئة واحدة .
يقول الدكتور عبد الكريم زيدان : ( وكل الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث الاجتماعية هو أن أسباب الأولى واضحة بينة مضبوطة ، إذا عرفناها أمكننا الحكم بدقة على نتائجها وميقات هذه النتائج ، فالماء مثلا ينجمد إذا بلغت درجة برودته كذا درجة ، ويصل إلى الغليان إذا وصلت درجة حرارته إلى كذا درجة وبعد كذا من الوقت وهكذا.
أما أسباب الأحداث الاجتماعية فهي بمختلف أنواعها من سياسية واقتصادية وحضارية وعمرانية وغلبة ونصر وهزيمة وخذلان..إلخ.، أسباب دقيقة وكثيرة ومتشعبة ومتشابكة ، وقد يعسر على الكثيرين الإحاطة بها تفصيلا ..ولكن مع هذا العسر يمكن للمتأمل الفاحص الدقيق أن يعرفها ويحيط بها علما، كما يمكنه الجزم بحصول نتائج معينة بناء على أسباب معينة وإن لم يمكنه الجزم بميعاد حصول هذه النتائج فنستطيع مثلا أن نحكم على وجه الجزم واليقين بزوال حكم أو سلطان إذا وجدناه قائما على الظلم والإرهاب ، وإن كنا لانستطيع تحديد وقت زواله على وجه الدقة والضبط كما نحدد ميعاد غروب الشمس أو شروقها..
ومن أجل هذا الفرق بين الأحداث الكونية المادية وبين الأحداث البشرية يغفل الناس كثيرا عن سنة الله في الاجتماع البشري وفي تصرفات وسلوك الأفراد والأمم ، ويظنون أن أمورهم لا تخضع كما تخضع الظواهر الكونية لقانون الأسباب والمسببات 15 .
4- التعريف المختار لسنن الله الاجتماعية :
والتعريف المختار قريب من بعض المعاني اللغوية للسنة وهو  أن يقال : سنة الله الاجتماعية هي العادة المألوفة والطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للناس بناء على أعمالهم في حال طاعة الله تعالى ، وحال عصيانه، ومايترتب على ذلك من نتائج وثواب  وعقاب ، في المعاش قبل المعاد.

المبحث الثاني : أهمية العلم بالسنن الكونية والاجتماعية وطرق استخلاصها .
أ‌-   أهمية العلم بالسنن
إن حاجة المسلمين اليوم إلى فهم هذه السنن وفقهها وحسن التعامل معها ، والتحكم فيها شديدة ؛ حتى يستعيدوا فاعليتهم وقدرتهم على التغيير والإصلاح والبناء ، وبذلك تنتفي العشوائية من حركتهم ، والفوضى الفكرية من عقولهم ، والإرجائية والجبرية من مواقفهم.
وذلك لن يكون بطبيعة الحال إلا بالقضاء على التفسير (الخرافي) للوقائع الاجتماعية ، ولحركة الحضارة البشرية ، ورفع أسباب الخمود والهمود ، والركود والجمود ، التي عطلت العقول عن إدراك سنن الله ونواميسه في الكون والمجتمع ، والتي أخرجت الأمة المسلمة من تدافع عالم المادة والشهادة والحركة إلى حال من السلب والتواكل “، وشاعت فيها عقيدة الجبر والإرجاء التي انحرفت بركن القضاء والقدر إلى تعطيل قانون السببية تعطيلا كاملا .
ولكي يكون المسلك فاعلا مؤثرا لا بد أن يكتشف هذه السنن والقوانين ويحسن تسخيرها واستثمارها ، ويدرك كيفية التعامل معها ، فيصل إلى منزلة مغالبة القدر بقدر أحب إلى الله ، أو يفر من قدر الله إلى قدر الله كما قال الفاروق رضي الله عنه .
وقد بين ابن القيم هذه الحقيقة بكلمة مضيئة فقال : ( بأن دفع القدر الذي وقع واستقر بقدر آخر يرفعه ويزيله ، كدفع قدر المرض بقدر التداوي ، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة ، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان ؛ فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار ؛ لا استسلام لها وترك الحركة والحيلة فإنه عجز ، والله تعالى يلوم على العجز ) 16.
إن العلم بهذه السنن المبينة في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة أمر مهم جدا ؛ بل واجب شرعا ودينا ؛ فلا بد أن ينبري من العلماء من يقوم بهذه الفريضة الشرعية والكفائية الغائبة ، لأنها جزء من الدين فلا غرو أن نجد القرآن الكريم قد خصص مساحات واسعة قد تزيد عن نصف القرآن للتاريخ وسننه وقوانينه ، ومنحنا أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ البشري وفهم حركته .
قال الإمام الألوسي في تفسير قوله تعالى : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) : والمراد من( كل شيء) ما يتعلق بأمور الدين أي بيانا بليغا لكل شيء يتعلق بذلك ، ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم »17
فدخل في جملة أمور الدين عند الألوسي أحوال الأمم التي جرت لهم مع أنبيائهم ، والعلم بها ضرورة لاجتناب المسالك التي تفضي إلى المهالك ، وحتى لا تقع فيها وقعوا فيه من ضلال الأفهام ، وزلات الأقدام .
 وقال الشيخ محمد رشيد رضا : (إن إرشاد الله إيانا إلى أنه له في خلقه سننا ، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علما من العلوم المدونة  ؛ لنستمد ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه ،فيجب على الأمة في مجموعها ، أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه ؛ كما فعلو في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبينها العلماء بالتفصيل » 18.
وهكذا يكون العلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها ، وهو ليس بدعا من العلوم ؛ بل قواعد ثابتة في كتاب الله تعالى ، وأصوله مبثوثة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله وتقريراته ، وعمل الصحابة رضي الله عنهم الذين فقهوا التنزيل ، وأدركوا مراميه ومقاصده ، فصاروا يتصرفون في ضوء هداية السنن بطريقة عملية وتلقائية .
وقد نبه على ذلك صاحب «تفسير المنار» فقال : «ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لهذا العلم ؛ فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية ، التي وضعت لها القواعد والأصول ، وفرعت منها الفروع والمسائل ، ولا شك أن الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن ، وعالمين بمراد الله من ذكرها. وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل ، أنفع من العلم النظري المحض ، وذلك وكذلك كانت علومهم كلها ، ولما اختلفت حالة العصر اختلافا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الكلام وعلم العقائد وغيرها ، كانت محتاجة أيضا إلى تدوين هذا العلم ، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية ، أو علم الاجتماع الديني ، أو علم السياسة الدينية ، سم بما شئت فلا حرج في التسمية »19.
وعلى هذا النهج اللاحب جعلت مدرسة النشار علم السنن الإلهية علما شرعيا أصيلا وإحدى الوسائل الضرورية من أجل فهم رسيد ، واستنباط سديد لمعاني القرآن الكريم ، وهذا الأمر ليس معهودا عند المفسرين من قبل فكانت هذه إضافة منهجية جديدة أضافتها هذه المدرسة في مجال الأدوات والمناهج العلمية المعتمدة في دراسة وتفسير القرآن الكريم 
ويمكن الجزم أن واقع المسلمين اليوم من التخلف الحضاري ، والتدهور الاجتماعي ، وذهاب القوة والعزة والسلطان ، إنما يعزى إلى جهلهم بالسنن الإلهية في الأفاق والأنفس والمجتمعات ، ولا سبيل إلى التقدم والرقي والنهضة واستئناف الدورة الحضارية إلا بفهمها وفقهها ، وحسن التعامل معها ، وإتقان تسخيرها واستثمارها ، واستشراق مستقبلها
ب- طرق استخلاص السنن
وهنا يرد سؤال هو : كيف نكشف هذه السنن والقوانين ، وكيف نستنبطها ونستخلصها ونستخرجها من مكانها ؛ لنهتدي بمعالمها ، ونجني ثمارها ، ونوظفها في حياتنا الاجتماعية ؟
الجواب : إن مصادر ومظان استخراج السنن ترجع إلى أربعة أصول :
 
الأصل الأول : القرآن الكريم
 
القرآن الكريم كلية الشريعة ، وعمدة الملة ، وينبوع الحكمة ، وآية الرسالة ، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه ، ولا نجاة بغيره .22
ولذلك كانت السنن والقوانين مرتبطة ارتباطا وثيقا بوظيفة القرآن ؛ باعتباره كتاب هداية وعملية تغيير ، وإخراجا للناس من الظلمات إلى النور .
فلا غرور –إذن- أننا نجده يقدم لنا أصول منهج متكامل في التعامل مع التاريخ  والمجتمع البشري ، والانتقال بهذا التعامل من مرحلة العرض والجمع فحسب ؛ إلى محاولة استخلاص القوانين التي تحكم هذه الساحة23.
وقد تضمن القرآن خلاصة السنن التي تحكم المجتمعات والأمم ؛ تارة نصا وتارة فحوى ودلالة  ، وتارة أخرى بما يعرض من القصص القرآني ؛ عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها ، وربط الأسباب بالمسببات ، والمقدمات بالنتائج ، بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية التي تحكم عالم المادة ؛ ليعتبر أولوا الأبصار  .
إن القصص القرآني نبع لا ينضب لاستخلاص السنن لمن رزقه الله الفهم والفقه ، وإلا فما فائدة هذا القصص الخالد إذا لم ينشئ عقلا مستنبطا للقوانين والسنن ؛ التي تحكم التجمع الإنساني ، وتتحكم بقيام وسقوط الحضارات ، هل هي حكايات لتجزية الوقت أسقطها الزمن وطواها التاريخ ؟ 24.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :«ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها . والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن، وهي كثيرة »25.
قلت : فذلك قوله تعالى أمرا بالاعتبار : (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذين بين يديه وتفصيل لكل شيء وهدى ورحمة لقوم يومنون »26.
وإذا كان ذلك كذلك؛ فإن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى؛ في مجال الدراسات القرآنية المعاصرة ، ومناهج التفسير الحديث ، أن نتوجه صوب القصص القرآني بالقدر نفسه الذي نتوجه به نحو آيات الأحكام ، واستنبطنا منها هذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع ، لنكتشف فقها حضاريا في إطار علوم الإنسان ، والقوانين الاجتماعية ، التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء ، والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نحسد عليها 27.
الأصل الثاني : السنة النبوية
البيان النبوي هو المصدر الثاني لاستخلاص السنن الكونية والاجتماعية بعد القرآن الكريم، ففيها من القصص ، وضرب الأمثال ، وأحاديث الفتن وأشراط الساعة ، والإخبار بالمغيبات والمستقبليات ،والتطبيقات النبوية ؛ ما يروي ظمأ الباحث عن هذه السنن .
وللأسف فإن الباحثين والدارسين في هذا المجال ، اقتصروا على القرآن الكريم وأهملوا نصوص السنة إلا قليلا على سبيل الاستشهاد فحسب ، مع أن كلاهما وحي إلهي : البلاغ القرآني ، والبيان النبوي ، وبالرغم من الرصيد الضخم والكم الهائل لنصوص السنة النبوية في هذا المجال.
الأصل الثالث : قراءة التاريخ
 أن الكشف عن السنن التي تحكم الحركة الاجتماعية لا يتأتى إلا من السير في الأرض ، واستقراء التاريخ ؛ الذي هو المرآة التي تتجلى فيها سنن الله تعالى ؛ للإفادة منها للحاضر والمستقبل .
والتاريخ في المنهج القرآني لا يسير بالصدفة ، ولا يتحرك عبثا  وفوضى ،  وإنما تحكمه سنن ونواميس كتلك التي تحكم الكون والحياة والأشياء سواء بسواء ، والوقائع التاريخية لا تجري اعتباطا ولا عشوائيا ، إنما تقوم على ارتباط أسبابها بمسبباتها ، وعللها بمعلولاتها، ونتائجها بمقدماتها .
وهذا الفتح القرآني الجليل هو الذي استلهمه العلامة المؤرخ ابن خلدون في وضع مقدمته حيث فرق فيها بين ظاهر علم التاريخ وباطنه، فهو في ظاهره أحداث ووقائع لا يربطها رابط ولا يجمعها جامع ، ( وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق) 28 وبين ميزة كتابه عن المؤرخين قبله : أنه ( أعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا ، وأصبح للحكمة صوانا ، 29 وللتاريخ جرابا )30-31
هذا التأسيس الذي أسس به ابن خلدون لعلم الاجتماع ، طار كل مطار ، وقرع أبواب المدن والأمصار ، فاتجه الفكر الأوروبي بعد قرابة أربعة قرون ؛ في بداية ما يسمى بعصر النهضة ، إلى دراسة التاريخ والكشف عن سننه وقوانينه ، فقامت هناك أبحاث متنوعة ومختلفة حول فلسفة التاريخ ، ونشأت على هذا الأساس مدارس مثالية ومادية ومتوسطة ، نشأت لكي تجسد هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون ، ولكن هذا الجهد البشري كله هو في الحقيقة مدين لهذا التنبيه القرآني .32
إن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير لأن وراءها سننا ثابتة تحركها وتكيفها ، ولهذا يقول الغربيون : التاريخ يعيد نفسه وتقول العرب في أمثالها : ما أشبه الليلة بالبارحة ! ويقول الإمام البيهقي : ( لا توجد حادثة لم يحدث مثلها من قبل) 33 ، ويقول ابن الأثير : ( إنه لا يحدث أمر إلا تقدم هو أو نظيره ) 34
ولذلك حث القرآن الكريم على السير في الأرض حقيقة أو مجازا ؛ وبدراسة التاريخ المنظور أو المسطور ؛ ببصيرة نفاذة ، ووعي حاضر ؛ لاستخلاص العبر واستنباط السنن لتجنب مواقع الخطأ التي قادت الجماعات البشرية ، والأمم والحضارات السابقة إلى السقوط الحضاري ، والدمار الاجتماعي ، ولسلوك سبيل النهوض والبناء.
ولتتأمل معي هذه الآيات :
–       ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) { آل عمران :137}
–       ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) { محمد : 10 }
–       ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) { سورة : ق، الآيتان 36-37}
–       ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) { الحج :46}
إن من نتائج هذه السياحة في الأرض والسير في أرجائها أن تنشئ عقلا سننيا ، ووعيا تاريخيا ، يستمد القواعد الثابتة ، والسنن الجارية من حركة التاريخ نفسه ,
–       وقال الله تعالى واصفا حال يهود بني النضير : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المومنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) { الحشر :2}
فهذه الآية الكريمة تبين أسباب سقوط الأمم وانهيار الحضارات ؛ ليأخذ المسلمون حذرهم ؛ فلا تتسرب إليهم إصابات الأمم السابقة وعللها وأمراضها ، وقد جعل الفقهاء والأصوليون هذه الآية دليلا على حجية القياس الشرعي ، أي قيسوا حالكم بحالهم ، وأن ما حدث لهم سيحدث لكم ، إذا سلكتم طريقتهم ، وسرتهم سيرتهم ؛ وهذا هو المعنى المراد من هذا النص ؛ سواء قلنا مع الجمهور أن معنى ( فاعتبروا) قيسوا ، أو قلنا مع الظاهرية وابن حزم أن معناها واتعظوا.
       وفي أكثر من موضع يؤكد القرآن الكريم أن النظر والتأمل والبحث الموضوعي والعلمي في تاريخ البشرية ، إنما هو جهد مفيد جدا ، لن يكون مردوده إلا على الحاضر والمستقبل ؛ ولا يمكن فرض اتجاه معين على التاريخ ؛ والافتراض سلفا بأن الاقتصاد أو الدين أو الحكم أو الجنس أو ما أشبه، هو الموجه لمسيرة التاريخ ، كلا ، بل الصواب أن نسير في الأرض حقيقة أو مجازا ، وأن ندع التاريخ نفسه يتكلم ليفصح لنا عن سننه الباهرة على أنه ليس بالتاريخ ،  تاريخ المسلمين فحسب ، بل تاريخ البشرية حيثما عرف ، وتاريخ الأمم في أي أرض كانت وفي أي عصر كانت ، وعلى أي ملة كانت ، مسلمة أو غير مسلمة ، فالعبرة لا تؤخذ من سير المؤمنين وحدهم ، بل تؤخذ من المؤمن والكافر ، ومن البر والفاجر ، لأن الفريقين تجري عليهما سنن الله تعالى بالتساوي ، ولا تحابي هذه السنن أحدا شأنها شأن السنن والقوانين الطبيعية ، فقوانين الحرارة والبرودة ، والغليان والانصهار ، والضغط والانفجار ، قوانين كونية عامة ، تتعامل مع الموحدين تعاملها مع الوثنيين( 35).
فالتاريخ العام هو المصدر الأساسي للفقه الحضاري ، والمختبر الحقيقي لصواب الفعل البشري ،قال تعالى : ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )36،اكتشاف سنن السقوط والنهوض من لوازم البناء الحضاري ،والاصطلاح المجتمعي37 .
الأصل الرابع : فقه الواقع .
عرف الإمام ابن القيم أحد نوعي فقه الواقع فقال :  ( أحدهما : فهم الواقع ، والفقه فيه ، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما) 38
وإذا كان هذا التعريف يخص جانب الفقه التشريعي الذي يخضع للمنهج الاستنباطي فإن فقه السنن أي الفقه الاجتماعي الحضاري يخضع للمنهج الاستقرائي لبلوغ نفس الغاية ( علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علما ) وفق تعبير العلامة ابن القيم .
فبالمنهج الاستقرائي أي استقراء حركة الواقع وأحداث الحاضر الفوارة الموارة ، نكتشف السنن الجارية ، والقوانين الثابتة والمطردة التي تحكم هذا الواقع من نهوض وسقوط وتداول حضاري ، لأن البرهان والدليل على ثبات السنن واطرادها هنا يتحقق من الاستقراء ، وليس من الاستنباط ، ولعله هو المراد في تأكيد القرآن في غير ما موضع على ( السير في الأرض) ، واكتشاف السنن الحاكمة لحركة الحياة والأمم والحضارات .
أما آلات هذا المنهج فهي ما أشارت إليه الآية الكريمة : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) 39قال الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية : ( فالله تعالى أخبر أنه أخرج ابن آدم لا يعلم شيئا ، ثم جعل حواسه التي قد وهبها له في البطن سلما إلى إدراك المعارف )40 وفي تفسير الإمام القرطبي : ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أي : ( تعلمون بها وتدركون ) 41
قلت : وذلك عن طريق النظر والمشاهدة والتأمل والاستقراء والتجار التي تفضي إلى استخلاص النتائج ، وصياغة القواعد.

المبحث الثالث : خصائص السنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم :
إن للسنن الكونية والاجتماعية خصائص وسمات أربع وهي : الربانية ، والعموم ، والثبات ، والاطراد ، وبسط ذلك فيما يأتي :
أ‌-    الربانية
إن أهم خصائص السنن في القرآن الكريم هو خاصية الربانية أي ربانية السنن الكونية والاجتماعية ، فهي مرتبطة بالله سبحانه وتعالى خلقا وإيجادا وتقديرا ، وليس ذلك لأحد من الناس ، ولذلك ورد لفظ السنة في القرآن الكريم بإضافتها إلى الله تعالى في مواضع من القرآن الكريم : ( سنة الله ) ، و (كلمات الله) على اختلاف التعبير كما قال سبحانه: ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولو الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) 42 أما إضافتها إلى غير الله من الرسل والأولين ؛ فإن إضافتها إليهم باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة الله فيهم.
والقرآن الكريم حينما يسبغ الطابع الرباني على السنن الكونية والاجتماعية التي تحكم عالم الشهادة ، يريد أن يؤكد الصلة الوثيقة بين العلم والإيمان ، لأن اكتشاف انتظام هذه السنن والقوانين وعملها ينبغي أن يقود إلى الإيمان بالله عزوجل لا إلى الطغيان والاستغناء عنه سبحانه ، فعندما يقرأ الإنسان صفحات الكون أو صفحات التاريخ والإجتماع ، ينبغي أن يقرأها باسم الله الخالق ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم ) 43
إن التوكيد على مصدر السنن والقوانين الذي هو البارئ سبحانه وتعالى ؛ هو الذي يعطيه قيمته الرئيسية ، وميزته الكبرى ، فهو وحده مناط الثقة في أنه المنهج المبرأ من الجهل والهوى والانحراف في التفسير ، هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري والتي نراها مجسمة في جميع المناهج التاريخية والاجتماعية التي صاغها البشر.
 
ب‌-   العموم والشمول
وتتميز هذه السنن أيضا بالعموم والشمول ؛ فهي تنطبق على الناس جميعا ، دون تمييز ودون استثناء ، وبلا محاباة ، فالجزاء فيها من جنس العمل ، والنتائج بمقدماتها ، بغض النظر عن الدين ، والجنس واللون ، والأصل والإيمان ، والكفر ، فالكل في ميزانها سواء ، كما قال تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) 44 فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه وانحرافه  ولو كان أطهر أمة ، وخير مجتمع كمجتمع النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم ، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنا لخطئهم في غزوة أحد ، فلم يسوغ القرآن عملهم ، ولما قالوا حين أصابهم ما أصابهم : أنى هذا ؟ ! وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمين ؟؟ وكيف نهزم ؟ ! أجابهم القرآن بوضوح : ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ، قلتم : أنى هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم ) 45 وبين لهم في آية أخرى هذا الذي هو من عند أنفسهم والذي كان سبب الهزيمة بقوله : ( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) 46 فمن سار على سنن الله في الحرب مثلا ، ظفر بمشيئة الله وإن كان ملحدا أو وثنيا ، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقا أو نبيا ، وعليه يتخرج انهزام المسلمين في غزوة أحد حتى وصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشجوا رأسه وردوه في تلك الحفرة 47
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك العموم والشمول : ( وسنته: عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي ، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ، ولهذا قال ( أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر ) وقال : ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) 49 أي أشباههم ونظراؤهم ، وقال : ( وإذا النفوس زوجت )50 قرن النظير بنظيره ، وقال تعالى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ) 51 وقال : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) 52 فجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة ) 53 ومثال العموم والشمول في السنن النفسية والطبائع الإنسانية في الأفراد والأمم قوله تعالى : ( وخلق الإنسان ضعيفا )54 وقوله : خلق الإنسان من عجل ) 55 ( وكان الإنسان عجولا ) 56( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) 57 فهذه سنن عامة وشاملة في جميع البشر .
ومثال العموم في سنن التغيير : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )58  فهي سنة عامة شاملة لكل بني الإنسان لعموم لفظ ( قوم ) في الآية
ومثال العموم في سنن التداول : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) 59
ومثلها سنة التدافع : ( ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين ) 60 فلفظ (الناس) في الآيتين عام في البشر أجمعين وهذا في القرآن الكريم قليل من كثير وصبابة من غدير.
ج- الثبات والاستمرار
إن من خصائص السنن الكونية والاجتماعية التي عينها القرآن الكريم خاصية الثبات والدوام ، أي أنها لا تتغير ، ولا تتبدل ، ولا تتحول ، وهي تجري على الآخرين كما جرت على الأولين وتعمل في عصر سفن الفضاء عملها في عصر الجمل سفينة الصحراء وثبات السنن وعدم تغيرها وتحولها أمر لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان كما يقال يدل عليه تاريخ الأمم والحضارات والواقع المشهود فكل من جاء بالأسباب وأتى بالموجبات تحققت فيه سنن الله وأحاطت به.
فمثلا من جاء بأسباب الهلاك والدمار وقعت به وفق سنة الله تعالى لا محالة وأن الهلاك لن يتبدل إلى نعيم وفقا لثبات السنن ومن وجب عليه العذاب في الدنيا لإتيانه بأسبابه لا يتحول عنه إلى غيره لأن سننه تعالى تجري على وزان العدل والحكمة ولا يظلم ربك أحدا ، و دليل خاصية الثبات قوله تعالى : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) 61 وقوله سبحانه في سورة فاطر : ( فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا )62
وبين شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين لفظي ( التبديل) و ( التحويل ) مع ضرب الأمثلة ليتضح المراد.
فقال : ( فالتبديل ) : أن تبدل بخلافه ، والتحويل أن تحول من محل إلى محل مثل استفزازه – أي استفزاز الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأرض ليخرجوه فإنهم لا يلبثون خلفه إلا قليلا،63 ولا تتحول هذه السنة بأن يكون هو المخرج وهم اللابثون ، بل متى أخرجوه خرجوا خلفه ، ولو مكث لكان هذا استصحاب حال ، بخلاف ظهور الكفار فإنه كان تبديلا لظهور المؤمنين ، وظهور الكفار إذ كان لا بد من أحدهما .
وأما أهل المكر السيئ والكفار 64  فهي سنة تبديل لا بد لهم من العقوبة ، لا يبدلون بها غيرها ، ولا تتحول عنهم إلى المؤمنين ، وهو وعيد لأهل المكر السيء أن لا يحيق إلا بأهله ولن يتبدلوا به خيرا : يتضمن نفيا وإثباتا ، فلهذا نفى عنه التبديل والتحويل »65 .
والذي يمعن النظر في الآيتين المتقدمتين يجد أن العبارة التي أكد بها الله سبحانه ثبات سننه في خلقه عبارة لا تحتمل الريب واللبس ، ومن ذلك استعمال أداة النفي(لن) تلك الأداة التي تفيد النفي في الاستقبال ؛ فتنفي وقوع التبديل والتحويل في سنن الله تعالى في المستقبل ، وذلك لأن (لن) حرف نفي واستقبال 66 .
ومن الأدلة المتعلقة باللغة كذلك في الآيتين الكريمتين : أن الله تعالى أتى بلفظي (التبديل) و (التحويل) بصيغة التنكير ، فجاءت الكلمتان نكرة ، وسبقتا بأداة نفي وهي (لن) والقاعدة الأصولية اللغوية : أن النكرة في سياق النفي تعم .67
وكذلك فإن المتأمل في قول الله تعالى: (فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا )68، يجد أن الله سبحانه وتعالى كرر النفي مرتين في الآية الكريمة ، وخص كلا من (التبديل ) و (التحويل) بنفي خاص ومستقل ؛ لتأكيد النفي للتبديل والتحويل .69 وكذلك فإن إفراد كل من التبديل والتحويل بنفي مستقل يؤكد أن لكل لفظ من اللفظين معنى خاص دقيق يختص بكل لفظ على حدة  ، وإن كانا يفيدان في عمومهما معنى الثبات .70
ومن ذلك كله تأكيد ثبات السنن الكونية  والاجتماعية في الآفاق والأنفس.
د- الاطراد
والخاصية الرابعة للسنن الكونية والاجتماعية في القرآن الكريم هي : الاطراد أي التكرار والتتابع على نهج واحد وطريقة واحدة لا تختلف ولا تتخلف ؛ كلما وجدت الأسباب ، وتوفرت الشروط ، وانتفعت الموانع ، ولولا الاطراد لم يصح الاعتبار ، وقد قال تعالى : ( قد خلقت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) 71 ، وقال سبحانه : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) 72 وقال : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار )73
والاطراد دليل على أن مقتضى حكمة الله تعالى أن يقضي في الأمور المتماثلة بقضاء متماثل لا بقضاء مخالف ، فإذا كان قد نصر المؤمنين لأنهم مؤمنون ، كان هذا موجبا لنصرهم حيث وجد هذا الوصف ، بخلاف ما إذا عصوا ونقضوا إيمانهم كيوم أحد فإن الذنب كان لهم ، ولهذا قال : ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) فعم كل سنة له ، وهو يعم كل سنته في خلقه وأمره في الطبيعيات والدينيات 74
ويزيد شيخ الاسلام ابن تيمية هذا الأمر شرحا وبيانا فيقول : ( والسنن) و ( أسنان المشط ) ونحو ذلك بلفظ ( السنة ) يدل على التماثل ، فإنه سبحانه إذا لايفوت بين المتماثلين ، وإذا وقع تغيير فذلك لعدم التماثل ، وهذا هو القول أشبه بأصول الجمهور القائلين بالحتمية في الخلق والأمر، وأنه سبحانه يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين ، كما دل القرآن على هذا في مواضع كقوله تعالى : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) 75
ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا ، ولولا القياس واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها ، والاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره، كالأمثال المضروبة في القرآن ، وهي كثيرة ) 76
فالحكمة إذن من كون السنن ثابتة ومطردة هو أن تنضبط الموازين, وتستقر معالم الحكم على الأشياء والأحداث والوقائع والأفراد والأمم والتاريخ والحضارات, وإلا كان الأمر فوضى وعبتا ولعبا, وهو ليس كذلك قطعا وجزما .
 وهو الأصل الذي نبه عليه شيخ المقاصد الإمام الشاطبي لما بين أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال على هذا الوجود على أنها دائمة وغير مختلفة إلى قيام الساعة,كالإخبار عن السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال و أن سنة الله لا تبديل لها, وأن لا تبديل لخلق الله.
ثم يذكرنا  الشاطبي أن هنالك علاقة لزوم بين معرفة الدين واطراد السنن, وأنه لو لم تكن السنن الكونية والاجتماعية مطردة, لم عرف الدين من أصله, فضلا عن تعرف فروعه, لأن الدين لا يعرف إلا بالاعتراف بالنبوة, ولا سبيل للاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة, ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة ولايحصل فعل خارق للعادة إلا  بعد تقرير اطراد العادة   في الحال والاستقبال  كما اطردت في الماضي.
فلو كان الباري عز وجل خلق الناس وخلق الكون من حولهم في تغيير مستمر لما أمكن أن يكون لهم تشريع ثابت لا يتغير, فثبات التشريع في أصوله وعدم تغيره وإطرابه بتغير الزمان والمكان دليل على أن الخلق الذين شرع لهم لا تتغير فطرهم وطبائعهم التي بني عليها التشريع.77
إن القران الكريم بتأكيده المستمر على اطراد السنن الكونية ،والاجتماعية, وتكررها وتسلسلها وتتابعها يكون قد جاء برؤية علمية للتاريخ والاجتماع أي أن هذه السنن مطردة ليست علاقة عشوائية وليست رابطة بين العلل والمعلولات قائمة على الصدفة والاتفاق وإنما هي علاقة ذات طابع موضوعي وعلمي ، لأن أهم مايميز القانون العلمي  الخاضع للاستقراء والملاحظة والتجربة عن بقية المعدلات والفروض هو الاطراد والتتبع وعدم التخلف.
هذا البلاغ القرآني الجليل في مسألة السنن أعرض المسلمون عن هديه، وجنح كثير منهم في العصور الأخيرة إلى إنكار ثبات السنن واطرادها بل إلى تحريم النظر في علل الأشياء وأسبابها, والتوهم بأن هذا الاعتقاد يتعارض مع الإيمان  بقدرة الله تعالى وقضائه, ويناقض التوكل عليه سبحانه ففصلوه السبب والمسبب, وبين المقدمة والنتيجة, فسادت بينهم النظرة العفوية الاستسلامية والرؤية الفوضوية المفككة, التي تنضر إلى أحداث التاريخ والاجتماع والعمران كما لو كانت كومة متراكمة معزولة, منفصلا بعضها عن بعض لا يربطها رابط ولا يجمعها جامع من علل ومعلولات, أسباب ومسببات .
وساد ضرب من الفكر الكلامي, انتشر في أطراف العالم الإسلامي, مند القرن الخامس الهجري متأثرا بالجدل الفلسفي الأجنبي, سعى إلى تعطيل قانون السببية تعطيلا كاملا, ونزع صفة الاطراد عن السنن, بحجة أن الصفات لا تربط بالموجودات ارتباطا لازما بل ترتبط بها ارتباط عادة, فيعتقد هؤلاء مثلا أنه من طبيعة النار الإحراق، ولكن الله تعالى يجعل فيها هذه الصفة لحظة ملامستها !وكذلك السكين ليس من طبيعة القطع, وإنما يخلق الله عز وجل هذه الصفة فيها حين إصرارها على الجلد , وبناء على دلك, أنكروا كل ( باء سببية)في القران الكريم, وبدعوا من خالفهم , ومن قال النار تحرف بقوة أودعها الله فيها فهو مبتدع ضال في زعمهم, ومن متونهم المنظومة في العقيدة.
 
والفعل في التأثير ليس إلا           ***       للواحد القهار جل وعلا
ومن يقل بالطبع أو بالعلة         ***       فداك كفر عند أهل الملة
ومن يقل بالقوة المودعة          ***      فذاك بدعي فلا تلتفت
 
ومرد هذا نفي فكرة الطبع التي كان يقول بها بعض الفلاسفة القدامى إذ يعتقد هؤلاء المتكلمون أن التسليم بوجود الصفات في طبع الأشياء يعطل الإرادة الإلهية, ويجعل هذه الأشياء فاعلة بذاتها, وقد أخطئوا حين ضنوا بأن الاطراد في السنن ينفي المشيئة الإلهية او يعطلها، لأن السنن التي تحكم الوجود، ما هي إلا قدر الله عز وجل ، أنشاه حتى يستطيع الإنسان تسخيره وإستثماره والاستفادة منه في سائر شؤون حياته، وقد كان من نتائج هذا الفكر الكلامي الجانح تعطيل الأخد بأسباب النهوض والبناء والرقي، نشأ عنه تخلف المسلمين الحضاري، وسقوطهم الاجتماعي، والانصراف عن العطاء والعمل إلى  الكلام والمراء والجدل(78).
كما أن التصوف االفلسفي البدعي الذي فشا في المسلمين فشوا كبيرا في العصور المتأخرة كان من أعظم العوامل التي أدت إلى ضعف الوعي باطراد السنن؛ مما أفضى إلى الاستهانة بالعلوم التجريبية، والتفريق بين الشريعة والحقيقة، وإهمال الدنيا وعمارة الأرض والانعزال عن الخلق في الربط والزوايا والتكايا، بحجة التربية والتزكية من أجل الآخرة، وترك الأخذ بالأسباب، والسلبية والتوكل، والإعراض عن التفكيبر العلمي الذي أصله الإسلام – إعراضا يكاد يكون تاما، وانتشار الخرافات والأساطير والبدع بينهم، وميل الناس ميلا عظيما إلى الاشتغال بالخوارق والكرامات، والأضرحة والأولياء والمزارات..

المبحث الرابع: أمثلة ونماذج من سنن النهوض الاجتماعي والحضاري في القرآن الكريم
لقد أولى الباحثون والدارسون اهتماما بالغا وعناية فائقة لسنن السقوط الحضاري في القرآن الكريم، ولم يشتغلوا بالبحث عن سنن النهوض اشتغالهم بسنن السقوط، ولا يخفى_ في ضوء فقه الموازنات والأوليات_ إن حاجة المسلمين الملحة اليوم هي كيف ينهضون بعد سقوط ؟ وكيف يعزون بعد ذل؟ وكيف يتقدمون بعد تراجع؟ وكيف يرقون بعد انحطاط وتخلف؟ وما هي السنن التي ينبغي أن يأخذوا بها من أجل تحقيق ذلك كله؟.
ولذلك آثرت أن أقدم للباحثين في هذه الدراسة إشارات سريعة إلى أمثلة ونماذج من سنن النهوض في القرآن الكريم التي ينبغي أن تنظر الأمة إلى واقعها ومن خلالها، ومنها:
السنة الأولى: سنة التغيير الاجتماعي والحضاري
من المعلوم أن هذه السنة هي أم السنن في القرآن الكريم، وهي قطب الرحي الذي تدور حوله السنن الاجتماعية الأخرى، لأنها الأصل الأصيل للقرآن باعتباره كتاب  هداية، إذ أن الله تعالى إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل لتغيير الأنفس والمجتمعات وإخراجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ولهذا سأطيل بعض النفس فيها، وأشير السنن المنبثقة عنها إشارات خاطفة، لضيق المجال، مرجئا بسطها إلى بحث آخر إن شاء الله.
والتغيير في اللغة: تغير الشيء عن حاله: أي تحول، وغيره: حوله وبدله كأنه جعله على غير ما كان، وغير عليه الأمر: حوله (79).
وأما في الاصطلاح القرآني فلم يبعد عن معناه اللغوي، قال الراغب: » والتغيير يقال على وجهين: أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال: غيرت داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غيرت غلامي ودابتي: إذا أبدلتهما بغيرهما. نحو: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)80 «(81).
وهذه الآية هي قاعدة التغيير وأساسه، وهي من الكليات القرآنية التي تنبثق عنها فروع وجزئيات كثيرة.
فالتغيير إذن، هو انتقال وتحول من وضع إلى وضع آخر، ومن حال إلى حال آخر، ولأنه سنة عامة، فتركيزنا هنا على الجانب الإيجابي منه، وهو التغيير نحو الأحسن؛ حيث قضى الله تعالى أنه لا يغير واقع مجتمع حتى يبدأ أفراده بتغيير ما بداخل أنفسهم من عقائد ومفاهيم وأفكار وأخلاق، ويصلحوا أحوالهم وأوضاعهم، فيغير الله تعالى حينئذ ما بهم، ويأخذ بأيديهم .
إن الأقوام والمجتمعات، لا تتغير إلا بمغير، وهو مغير من داخلها، لا من خارجها، وهو أن تغير ما بأنفسها لغير الله مابها، أي تغييره من الشر إلى الخير، ومن الانحراف إلى الاستقامة،  ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الغواية إلى الرشد، ومن الكسل إلى العمل، فيغير الله حالها من الضعف إلى القوة، ومن الذل إلى العزة، ومن التشردم إلى الوحدة، ومن الانفراط إلى التماسك، ومن القنوط إلى الأمل، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاستضعاف إلى التمكين(82).
إن أساس كل تغيير وفق سنة الله الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتحول هو ( التغيير النفسي) أو بتعبير القرآن (تغيير ما بالأنفس) فجعل القرآن علاقة عضوية وثيقة العرى بين تغيير ما بداخل النفس وتغيير الواقع الاجتماعي.
خلافا لقوانين المادية التاريخية التي تجعل الإنسان كائنا سلبيا لا إرادة له إزاء قوة المادة أو قوة الاقتصاد ووسائل الإنتاج يقول كارل ماركس » في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس، تراهم يقومون علاقات محدودة لا غنى عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم«(83)
وبتبدل وسائل الإنتاج وتغيرها، يتغير كل (البناء الفوقي الهائل) وكافة العلاقات الاجتماعية، وقد بلغ هذا الاتجاه القسري أقصى حدته عند أحد أعمدة الفلسفة الماركسية الكبار وهو جورج بليخا نوف الذي جعل الإنسان في حركة التاريخ معلولا لا علة حينما قال:
» …. والبشر إذ يتصورون أن علاقات اجتماعية محددة قد خلقت بفضل اختيارهم الحر، إنما يقعون من جديد في الوهم الأبدي الذي يجعلهم لا يعون أنفسهم كمعولات…  «84
هكذا بين القرآن الكريم أثر الإنسان في التغيير وأنه مركز الثقل في حركة التاريخ، وجعله مدار الحركة التاريخية، وأوكل إليه مهمة التغيير والبناء، وكلفه بتحقيق الخلافة الإلهية على الأرض، وإنشاء العمران عليها.
وقد ذكر القرآن سنة التغيير في أكثر من موضع تارة بالنص، وتارة بالفحوى، فما دل بعبارته الآية السابقة: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (85)، وقوله تعالى ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم)(86). قال الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية: » ومعنى هذه الآية الأخبار بأن الله عز وجل إذا أنعم على قوم نعمة، فانه بلطفه ورحمته لا يبدا بتغييرها وتكديرها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد وتحسن منهم، فإذا فعلوا ذلك وتلبسوا بالتكسب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم، غير الله عليهم نعمته عليهم بنقمته منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا وغيروا ما كان يجب ان يكون عليه، فغير الله تلك النعمة بأن نقلها الى غيرهم من الأنصار، وأحل بهم عقوبته « (87).
ومما دل من الآيات بفحواه على سبيل التغيير قوله تعالى: ( فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلام عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به)(88)، وقوله: ( فلو نسو ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون)(89) وقوله: – ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)(90) وقوله : ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون)(91)، وقوله: ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)(92)، وقوله: ( لـقد كان لسبا في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة وربـ غـفـور فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط واثل وشي ء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي الا الكفور.(93) وقوله: ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا)(94).
هذه الآيات وغيرها مما هو من جنسها تجعل المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة ( البناء التحتي)، في حين تجعل الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي (الفوقي) ولا يتغير البناء العلوي للمجتمعات إلا بتغير القاعدة، فخارج الإنسان يصنعه داخل الإنسان، نحو الأسوأ أو نحو الأحسن.
إن القرآن يؤمن بأن العمليتين ينبغي أن تسير جنبا إلى جنب، عملية صياغة الإنسان لمحتواه الداخلي وصياغته للبناء الخارجي، ولهذا سمي الحديث إصلاح الناس لأنفسهم إذا اتجه اتجاها صالحا » بالجهاد الأكبر « وسمى إصلاح المجتمع » بالجهاد الأصغر« ومع أن الحديث ضعيف كما حكم الأئمة النقاد، فإنه يوافق أصول الشريعة ومقاصدها العامة، ولا بأس من الاستشهاد به في هذا المجال، إذ لا تعلق له بالحرام والحلال.
وقد ربط الإسلام الجهاد الأصغر بالأكبر، واعتبر الأول إذا انفصل عن الثاني فقد محتواه ومضمونه، وفقد قدرته على النهوض الحضاري الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية، اقرأ مثلا آية في كتاب الله .
في كتاب الله تعرض لحالة من حالات انفصال (البناء الخارجي ) عن عملية ( البناء الداخلي ) يقول الله سبحانه وتعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعيه في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) 95
ومن المعلوم أن هذا التغيير لا بد أن يرتكز ثلاتة مقومات أو تتوفر في ثلاثة شروط :96
أولها – العقيدة:
إن إصلاح العقيدة وتثبيتها وتقويتها أهم ما يعتمد عليه تغيير ما بالأنفس ، ولذا كان أول ما يدعو إليه الرسل أقوامهم هو التوحيد الخالص وكان النداء الأول في كل رسالة (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) 97ولذا ظل رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم طوال العهد المكي ثلاثة عاما في مكة وكل همه وكل عمله والتغيير النفسي والفكري أي غرس عقيدة التوحيد، وما وما تثمر من الإيمان بالآخرة ،وعمل الصالحات ،ومكارم الأخلاق ،وفي تلك السنون كلها لم تنزل فيها تشريعات ولا نظم اجتماعية ولا قوانين دولية .
ثانيها –الإنسان :
وبهذا صنع (الإنسان المؤمن )الذي يقود التغيير ،ويفجر الطاقات المبدعة ،وينشئ الحياة الطيبة ،ويصنع الحضارة الشامخة ،وذلك حين غير هذا الإنسان من أعماقه  ،وأصلحه من داخله في دار الأرقم المؤسسة الأولى لتكوين هذه الأنفس الزكية98 ( قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) .99
ولذلك كان أساس تغيير الأمم والمجتمعات ونهوضها هو وإصلاح تلك المضغة التي قال فيها الني صلى الله عليه وسلم ( إن الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب 100( ولذلك أيضا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر يقول في الدعاء ( اللهم آت نفوسنا تقواها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها* .
ثالثها – الزمن
لأن الزمن عامل رئيس لإنضاج عملية التغيير ، ذلك أن التغيير الحقيقي للمجتمعات والأمم والحضارات يتطلب زمنا كافيا حتى يبدو صلاحه ويؤتي ثماره يانعة وسائغة –وينبثق عن هذا الشرط سنتان ضروريتان ، سنة التدرج ،وسنة الأجل المسمى
أ- سنة التدرج
والمراد بها أخد الناس بالتغيير شيئا فشيئا ومرحلة فمرحلة .
فقد جعل الله تعالى التدرج سنة كونية وسنة شرعية أيضا فاقتضت حكمته خلق السماوات والأرض في ستة أيام قال سبحانه : ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في  ستة أيام ثم استوى على العرش )101 وكان قادرا أن يقول لها : كن فتكون وخلق الإنسان أطوارا ومنازل من النطفة إلى العلقة إلى المضغة فالعظام واللحم .
هذا من الناحية الكونية وأما من الناحية الشرعية فقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى التوحيد وتثبيت العقيدة السليمة ثم كان التشريع شيئا فشيئا فقد فرضت فرائض وحرمت محرمات بالتدريج102 وفي هذا المعنى تقول عائشة رضي الله عنها ( إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: (لا ندع الخمر ولا الزنى أبدا ) 103
من هنا كان على الذين يدعون إلى التغيير لإصلاح الأمم والمجتمعات  واستئناف الدورة الحضارية للحياة الإسلامية أن يراعوا سنة التدريج في تحقيق ما يريدون من أهداف نبيلة، وغايات شريفة .

سنة الأجل المسمى
والسنة الثانية المتممة للسنة السابقة ، أن لكل شيء أجلا مسمى يبلغ فيه نضجه وكما له ، فلا ينبغي أن يستعجل الشيء قبل أن يبلغ أجله المقدر لمثله ومن القواعد المقررة في الإسلام أن “من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ” فان الزرع إذا حصد قبل إبانه، والثمر إذا قطف قبل أوانه لا ينتقع به النفع المرجو بل يضر ولا ينفع 104 وكذلك التغيير لا يتم بجرة قلم ولا بين عشية وضحاها وغنما جعل الله لكل شيء أجلا مسمى .
ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين بالصبر،وعدم الاستعجال قال الله تعالى 🙁 خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون )105،وقال 🙁 ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا )106 وقال 🙁 ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم اجلهم… )107 وقال سبحانه لرسوله الكريم:  ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم )108.
وضرب الله تعالى لرسوله وللمؤمنين معه مثلا بمن خلا قبلهم من أصحاب الرسالات والذين صبروا على شدة الابتلاء وطول الطريق وصعوبة انتظار النصر ولم يستعجلوا ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ (إن نصر الله قريب) 109 أجل إن نصر الله قريب ولكن سنة الله اقتضت أن له موعدا وأجلا مسمى ولا يعجل الله بعجلة احد من خلقه 110.

السنة الثانية : سنة التداول الحضاري
وهي سنة تحكم حركة الحياة وحركة التاريخ تتمثل في نظام التعاقب والتناوب الحضاري ودليلها قوله تعالى 🙁 إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين)111
السنة الثالثة : سنة التدافع الحضاري
وهي سنة عامة وثابتة ومطردة تحكم كل المجتمعات والحضارات وأصلها قوله تعالى : ( ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين )112 وقوله سبحانه : (ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصر الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) 113
قال ابن العباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية 🙁 ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنون وخربوا البلاد والمساجد وقال سائر المفسرين : ( ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض أي هلكت )
( ولكن الله ذو فضل على العالمين تبن ان دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة )114
السنة الرابعة : سنة النصر والتمكين
وهذه السنة الحضارية لا تكون إلا بعد سنة أخرى وهي سنة الابتلاء والتمحيص ولذلك لما سئل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى 🙁 أيهما أفضل للرجل : أن يمكن أو يبتلى  ؟ كان من دقيق استنباطه وفهمه لكتاب الله عز وجل أن قال 🙁 لا يمكن حتى يبتلى ) أو لعله فهم ذلك من قوله تعالى 🙁 وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين )
والأدلة من كتاب الله على هذه السنة كثيرة وغزيرة منها :
قوله تعالى  : ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم )115
وقوله : ( ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز )116 وقوله : (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون )117 وقوله : ( وكان حقا علنا نصر المؤمنين ) 118
ولكن هذا النصر التمكين لا يتحقق في السنن القرآنية إلا مع الأخذ بالأسباب وتوفر الشروط وانتفاء الموانع .

 
ثبت المصادر والمراجع
القرآن الكريم
1-   أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق للدكتور محمد كنعان ، كتاب ” الأمة” ط1 ، المحرم 1411 ه تقديم ، عمر عبيد حسنة
2-   إعلام الموقعين عن رب العالمين لإبن قيم الجوزية تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد دار الفكر بيروت
3-   الإعلان بالتوبيخ لمن دم التاريخ للسخاوي
4-   التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور طبعة 1984 الدار التونسية للنشر
5-   تفسير الألوسي :المسمى روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني طبعة دار إحياء التراث العربي
6-   التفسير الإسلامي للتاريخ للدكتور عماد الدين خليل دار العلم للملايين بيروت ط 1 1975 م
7-   تفسير بن عطية المسمى :المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ط 1 الدوحة قطر محرم 1398 ه ديسمبر 1977 م
8-   تفسير الرازي الإسلامي المسمى مفاتيح الغيب طبعة دار الفكر
9-   تفسير القرطبي المسمى : الجامع لأحكام القرآن ط 1 دار الفكر بيروت الغيب طبعة دار الفكر
10-                      تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا ط 2 دار الفكر
11-                      تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول للإمام  شهاب بالدين القراضي ط 1 1418 ه – 1997 م دار الفكر بيروت
12-                      جامع الرسائل ابن تيمية  (المجموعة الأولى) ت : د محمد رشاد سالم ط 2 1405 ه – 1984 م مطبعة المدني القاهرة
13-                      السنن الإلهية في الأمم  و الجماعات و الأفراد للدكتور عبد الكريم زيدان ط 3 1423 ه – 2002 م مؤسسة الرسالة بيروت
14-                      السنن الشرعية وأثرها في تغيير الأنفس والمجتمعات من خلال تفسير القرطبي لسيد سعيد السيد عبد الغني بحث للدكتوراه مرقوت بكلية الآداب جامعة ابن طفيل بالقنيطرة
15-                      صحيح البخاري دار الكتب العلمية بيروت 1420 ه- 1999 م
16-                      صحيح مسلم دار ابن حزم بيروت ط 1 1416 ه- 1995 م
17-                      الصحوة الإسلامية من المراهقة إلى الرشد للدكتور يوسف القرضاوي ط1 1423 ه 2002 م دار الشروق مصر
18-                      علم السنن وأهميته في الآفاق والأنفس للدكتور محمد أمحزون مجلة البيان اللندنية العدد 207 السنة 19 دي القعدة 1425 ه ديسمبر /يناير 2005 م
19-                      العامل الإقتصادي في التلرخ لجورج باليخانوف دار الطليعة بيروت ط 1 1978 م ترجمة جورج طرابيشي .
20-                      فقه سنن النفس والمجتمع في السنة النبوية لإدريس العلمي رسالة الدكتورة مرقونة بكلية الآداب جامعة محمد الأول بوجدة
21-                      فقه التغيير للدكتور يوسف القرضاوي مجلة المنار الجديد المصرية جمادى الأخيرة 1419 ه أكتوبر 1998 م 
22-                      القاموس المحيط للفيروز أبادي ط 6 مؤسسة الرسالة بيروت 1419 ه /1998 م 
23-                      الكامل في التاريخ  لإبن الأثير
24-                      لسان العرب لابن منظور ط 3 دار إحياء التراث العربي بيروت 1419 ه/1999 م
25-                      المبشرات بانتصار الإسلام ط 1 1417 ه/1996 م مكتبة وهبة القاهرة
26-                      مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية جمع وترتيب عبد الرحمن محمد ابن قاسم وابنه مكتبة المعارف الرباط
27-                      مختار الصحاح للرازي ط 5 المكتبة العصرية بيروت 1420 ه/1999 م
28-                      مدارج السالكين لابن القيم
29-                      المسلمون وفقه السنن  للدكتور محمد أمحزون مجلة المنار الجديد العصرية 24 س 6 شعبان 1424 ه أكتوبر 2003 م 
30-                      مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني تحقيق صفوان عدنان داوودي ط 2  1418 ه/1997 م دار القلم بدمشق ودار الشامية ببيروت
31-                      مقدمة ابن خلدون ط 2 1420 0 200 م المكتبة العصرية بيروت
32-                      مقدمات في التفسير الموضوعي لمحمد باقر الصدر ط 2 1981 م دار التعارف بيروت لبنان
33-                      مغني اللبيب عن الكتب الأعاريب لابن هشام  تحقيق الدكتور صلاح عبد العزيز علي السيد ط 1 1424 ه 2004 م دار السلام القاهرة
34-                      الموافقات لأبي إسحق الشاطبي ت مشهور ابن حسن آل سلمان ط 1 دار ابن عفان المملكة العربية السعودية 1417 ه 1997 م
35-                      النهاية في غريب الحديث والأثر لإبن الأثير تحقيق الشيخ خليل المأمون شيحا ط 1 1422 ه 2001 م دار المعرفة بيروت
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
1  مختار الصحاح للرازي ، مادة سنن، ص155.
2  الكهف 55 .
3  القاموس المحيط للفيروز أبادي، مادة سنن: ص 1207
4  لسان العرب لابن منظور ، مادة سنن 6/395
5  النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الجزري ، مادة سنن 1/813
6  تفسير الرازي 9/11.
7  مجموع الفتاوى لابن تيمية 13/20.
1  فقه سنن النفس والمجتمع في السنة النبوية لأخينا الدكتور إدريس العلمي ص: 18، أطروحة دكتوراه، مرقونة بكلية الآداب جامعة محمد الأول بوجدة .
2  التحرير والتنوير لابن عاشور 14/25
3  آل عمران : 137
4  النساء : 26
6  الحجر : الآيات 10-13
7  الإسراء : 76،77
8  الكهف : 54
9  الأحزاب:38
10  الأحزاب الآيات :60/62
11  فاطر الآيات : 42-44
12  غافر 84
13  الفتح الآيتان : 22-23
14  جامع الرسائل لابن تيمية ص: 52 المجموعة الاولى ، تحقيق د. محمد رشاد سالم. مطبعة المدني ، القاهرة ، ط2 1405ه-1984م
15  السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد ، للدكتور عبد الكريم زيدان ، ص : 24 .25
16  مدارج السالكين لابن القيم 1/437
17  روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للآلوسي 14/214 دار إحياء التراث العربي
18  تفسير المنار 4/140 ، ط 2 ، دار الفكر
19  المصدر السابق 4/ 139
22  الموافقات للإمام الشاطبي 4 / 144 تحقيق : مشهور وحسن آل سلمان
23  التفسير الإسلامي للتاريخ ، للدكتور عماد الدين خليل ، ص : 8
24  27  انظر : أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق ، كتاب الأمة ، مقدمة عمر عبيد حسنة ، ص13
25  رسالة في لفظ السنة في القرآن لابن تيمية ضمن جامع الرسائل (المجموعة الأولى )ص : 55 ، تحقيق  د . محمد رشاد سالم 
26  سورة يوسف الأية : 111
27  انظر : أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق ، كتاب  الأمة ، مقدمة عمر عبيد حسنة ، ص14
28  مقدمة ابن خلدون ، ص  10 تحقيق د. درويش جويدي
29   والصوان بضم الصاد وكسرها : الوعاء ، يقال جعل الثوب في (صوانه): وهو وعاؤه الذي يصان فيه أنظر مختار الصحاح للرازي ، مادة : صون.
30 والجراب : وعاء الزاد المصدر السابق ، مادة جرب
-31   المقدمة  ص: 13 73
32  أنظر مقدمات في التفسير الموضوعي لمحمد باقر الصدر ، ص:72-73
33  الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ، الإمام السخاوي ص 33
34  الكامل في التاريخ لابن الأثير 1/8
35  الصحو ة الاسلامية بين الجمود والتطرف ، للدكتور يوسف القرضاوي ، ص 104.
36  الروم : 9
37  أزمتنا الحضارية في ضوء سنن الله في الخلق 14
38  إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 1/87، تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد.
39  {النحل :78}
40  المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 8/480 تحقيق عبد الله بن ابراهيم الأنصاري والسيد عبد العال السيد ابراهيم ، ط الدوحة بقطر.
41  الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي  10/151 ، دار الفكر ، بيروت ط1 /1407ه 1987
42  سورة الفتح : الآيتان 22/23
43  سورة العلق : الآيات 1-5
44  النساء : 123
45  آل عمران : 165
46  آل عمران 152
47  تفسير المنار : ص 141
49   الصافات : 22
50  التكوير : 7
51  البقرة 214
52  التوبة 100
53  مجموع الفتاوى 13/23
54  النساء : 28
55  الأنبياء : 37
56 الإسراء :11
57  الكهف 53
58  الرعد :11
59  آل عمران 141
60  البقرة : 251
61  الأحزاب 62
62  فاطر : 43
63  الإشارة  إلى قوله تعالى : ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها ، وإذا لايلبثون خلفك إلا قليلا ) الإسراء 77
64  الإشارة إلى قوله تعالى ( استكبارا في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) سورة فاطر : الآية 43
65    رسالة في لفظ السنة في القرآن ، لابن تيمية ، ( ضمن كتاب جامع الرسائل ، ص 55-56
66  أنظر مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام  1/381 ، تحقيق دكتور صلاح عبد العزيز علي السيد
67  شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول للإمام القرافي ، ص: 143 ، ط دار الفكر
68  فاطر : 43
69  أنظر : روح المعاني للألوسي –تفسير سورة فاطر الآية 43 22/206
70  أنظر : السنن الشرعية وأثرها في تغيير الأنفس والمجتمعات من خلال تفسير القرطبي لأخينا سيد سعيد السيد عبد الغني ، ص 145 ، بحث للدكتوراه ، مرقون بكلية الآداب بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
71  آل عمران : 137-138
72  يوسف : 111
73  الحشر : 2
74  رسالة في لفظ السنة في القرآن لابن تيمية ( جامع الرسائل) ، ص 54
75  القلم : 35
76  المصدر السابق ص:55
77  الموافقات  للإمام الشاطبي 2/ص 483 وما بعدها, كتاب المقاصد, المسألة الثالثة عشر والرابعة عشر, تحقيق مشهور حسن ال سلمان
78  أنظر المسلمون وفقه السنن للدكتور محمد أمحزون ص: 29 – 30 – 31 ، مجلة المنار الجديد: ع 24، س 6. شعبان 1424 ه أكتوبر 2003
79  لسان العرب: مادة (غير)
80  الرعد: 11
81  مفردات ألفاظ القرآن للراغب الاصفهاني مادة (غير ) ص: 619 بتحقيق: صفوان عدنانداودي
82  الصحوة الإسلامية من المراهقة الى الرشد، للدكتور يوسف القرضاوي، ص: 115 والمبشرات بانتصار الاسلام،ص: 87 لنفس المؤلف
83  شبهات حول الاسلام لمحمد قطب: ص: 212.
84  العامل الاقتصادي في التاريخ، لجورج بليخا نوف: ص: 22
85  الرعد: 11
86 الأنفال: 53
87  تفسير إبن عطية المسمى المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 6 / 433
88  المائدة: 14
89  الأنعام: 45
90  الأعراف:  96
91  المائدة:  65 -66
92 الاسراء: 16
93  سبأ : الآيات 15 – 17
94  الجن: 16
95  البقرة : 205
96  أنظر : علم السنن وأهميته في الآفاق والأنفس ، للدكتور محمد أمحزون ، -مجلة ا-البيان –اللندنية ص: 107 العدد-207، السنة 19 ، ذو القعدة ، 142 ه – ديسمبر/ يناير 200م
97  الأعراف : 59
98  في فقه التغيير للدكتور يوسف القرضاوي ، مجلة المنار الجديد المصرية ، ص: 9 جمادى الآخرة 1419- أكتوبر 1998
99  الشمس : 9-10
100  أخرجه البخاري ، كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه رقم 52 وفي البيوع : باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات ، ومسلم في كتاب المساقاة : باب لعن آكل الربا ومؤكله رقم : (1599)
*  أخرجه مسلم رقم 2722
101   الأعراف 53
102  الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف ، للدكتور يوسف القرضاوي ، ص 107
103   أخرجه البخاري : كتاب فضائل القرآن ، باب تأليف القرآن رقم 4993
104 الصحوة الإسلامية : ص 108
105   الأنبياء :37
106  الإسراء :11
107  يونس : 11
108  الأحقاف :35
109  البقرة : 214
110  المرجع السابق : ص 109
111  آل عمران : 141
112  البقرة : 251
113  الحج : 40
114  تفسير القرطبي 3/260
115  سورة محمد : 7
116  الحج : 38
117  الصافات : 171 -173
118  الروم : 47

 


شاهد أيضا