الجريدة الأولى بتطوان _
إحصائيات الزوار
المتواجدون حاليا 612
زوار اليوم 100263
 
صوت وصورة

تطوان.... الزاوية الوزانية مولاي محمد تحتفل بالمولد النبوي الشريف


مداخلة النائب البرلماني اسماعيل البقالي عن دائرة شفشاون

 
البحث بالموقع
 
تسجل بالنشرة البريدية

 
صفحتنا على الفايسبوك
 
 


أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google

أضيف في 11 ماي 2011 الساعة 39 : 00




الحوار بين الثقافات وقضايا العصر:

" العولمة وآثارها على الخصوصيات الثقافية "

مقدمة:

في فجر الألفية الثالثة صارت قضية العولمة من أهم قضايا العصر المثارة على الساحة الدولية. وهي قضية تخص الدول المتقدمة كما تخص الدول النامية، لأنها- كما يؤكد مروّجو العولمة – ستغير نهج الحياة في مختلف المجتمعات وتزيل الحواجز بين الدول وتجعلنا نعيش في شبه قرية ضخمة يسهل فيها اتصال سكانها بعضهم ببعض. لقد أصبحنا نعيش بالفعل في عصر اختزال المسافات وتقدم وسائل الاتصالات والمعلوماتية، فأصبحت العلاقة بين الدول علاقة أفقية كوكبية النطاق، ولكننا ما زلنا نتساءل كيف سيتم الحوار بين سكان هذه القرية الضخمة التي يتحدثون عنها في إطار العولمة؟ هل يا ترى سيتحدث الجميع لغة واحدة أم ستَنشط حركة الترجمة مِن وإلى جميع اللغات الحية التي يتعامل بها البشر على كوكب الأرض؟ وهل سيكون لكل شعب من الشعوب خصوصيته الثقافية أم سيصبح جميع سكان «القرية الضخمة» ذوي ثقافة واحدة موحدة أيضا؟

تحديد مفهوم العولمة:

لعل السؤال الأول الذي يتطلب الإجابة عليه هو: ما هي العولمة وما الهدف منها؟ والإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر السهل، ولكن حين نتأمل ما يدور في العالم من تطورات، نلاحظ أن معظم دول العالم حاليا سواء دول مجموعة الثمانية، وهي  المجموعة التي تضم الدول الصناعية الكبرى: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واليابان وإنجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا، وكذلك مجموعة الاتحاد الأوروبي والتي تضم 15 دولة الأوروبية، إلى جانب بعض دول أوروبا الشرقية، وكذلك معظم التكتلات الدولية التي يدور الكون حاليا في فلكها - لقد اتفقت تلك الدول على جعل العالم بلا حدود وبلا حواجز ليصبح قرية ضخمة كما يرددون- لقد جعلوا الاتصال فيما بين دول العالم مستمرا وميسرا عن طريق شبكة اتصالات موحدة هي الإنترنت، ويريدون أن يخضعوا جميع سكان العالم لقانون إنساني موحد يطبق على العالم كله وهو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويسعون حاليا إلى فرض نظام تجاري عالمي موحد وشامل ومتداخل ويخضع لأنظمة موحدة تضعها منظمة التجارة العالمية في جنيف والتي يشترك في عضويتها معظم دول العالم التي اشتركت في وضع إطار مفاوضات جولة أورغواي والتي استمرت أكثر من ثماني سنوات لوضع الأطر الأساسية للنظام التجاري العالمي الجديد الذي حل محل اتفاقية الجات للتجارة الدولية في الماضي. إنهم يريدون -بموجب هذا النظام التجاري العالمي الجديد- فتح الأسواق بلا جمارك أو رسوم جمركية تُفرض على بضائع قادمة من دولة لأخرى، وإلغاء الاحتكار بجميع أشكاله، وعدم تقييد تداول المنتجات الأجنبية، بل تسويقها بنفس أساليب تسويق المنتجات الوطنية، وفتح الأسواق الوطنية أمام هذه المنتجات الأجنبية، بحيث تكون أسعارها مقاربة لأسعار المنتجات الوطنية وعدم فرض قيود عليها، وأن تكون للمستهلك حرية شراء المنتجات الوطنية أو المنتجات المستوردة وعدم إجباره على شراء منتجات بلده. هذا ما تسعى المنظمة العالمية للتجارة إلى تطبيقه، وهذه هي نقطة انطلاق «العولمة» وتبذل حاليا الجهود الجبارة لتحقيق هذا الهدف وهذه السياسة الدولية الجديدة التي أطلقوا عليها بالإنجليزية مصطلح Globalization وهو المصطلح الذي ترجم إلى العربية بكلمة العولمة.

ولكن أين تعدد اللغات والثقافات في هذا الكيان الموحد الواحد؟ هذا السؤال طرحته فرنسا لتحذر العالم من مغبة تطبيق مبدأ العولمة في جميع المجالات، تساءلت فرنسا في المحافل الدولية: وماذا سيبقى من التعددية الثقافية Diversité Culturelle ؟ إن التعددية الثقافية هي الكنز الباقي عبر الأجيال. إنها نتاج انصهار الحضارات التي تعاقبت على هذا الكون منذ بدء الخليقة ومهما توحدت العلوم والمقاييس فلا يمكن أن تتوحد الثقافات واللغات في ثقافة واحدة موحدة أو في لغة واحدة يتحدث بها جميع سكان الكون. لقد جعل الله لغة لكل نوع من مخلوقاته حتى الطيور لها لغة خاصة بها كما أخبرنا الله في كتابه الكريم «منطق الطير» أي لغة الطيور، ولا يمكن لأي قوة في العالم أن تنجح في القضاء على الخصوصيات الثقافية Spécificités Culturelles لأي شعب من الشعوب.

العولمة وتأثيرها على الخصوصيات الثقافية:

نحن في الدول النامية مبهورون بالتقدم التكنولوجي الهائل الذي حققه الغرب في مجال الاتصالات والإنترنت وفي العلوم الطبية، وخاصة في البيولوجيا مع اكتشاف الجينوم البشري أي الخريطة الوراثية للإنسان، مما سيقلب كثيرا من المفاهيم ويزلزل كثيرا من المعتقدات. ولقد عايشنا خلال الخمسين سنة الأخيرة اختراعات مذهلة غيرت وجه العالم خاصة اختراع الطائرات وأشعة الليزر والكمبيوتر. كذلك عاصرنا خلال العشرين سنة الأخيرة أحداثا تاريخية هزت كيان المجتمع الدولي مثل انهيار سور برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي الذي كان قطبا سياسيا وأيديولوجيا يتقاسم الهيمنة على العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا الانهيار برزت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها وكأنها شرطي العالم الذي يريد أن يفرض نظامه وثقافته على جميع الدول، وبدأت السياسة الجديدة للولايات المتحدة تهدف إلى «أمركة» العالم Américanisation du Monde وذلك تحقيقا للحكم الأمريكي الذي بدأ مع الرئيس الأمريكي روزفلت (1858-1919) حين قال قولته المأثورة: « إن أمركة العالم هي مصير وقدَر أمتنا (أي الأمة الأمريكية) » وهذا التفكير المتعصب هو ما كان ينادي به المستر أفرز جنجريتش، الزعيم السابق للأغلبية الجمهورية المتحكمة في الكونغرس الأمريكية، والذي أعلن أمام الكونغرس في عام 1995: « إن العنصر الأمريكي هو الأسمى و الأرقى ومن ثم الأحق بالهيمنة على العالم ».

أليست هذه السياسة الأمريكية نوعا جديدا من «التميز العنصري»؟ أعضاء البرلمان الأمريكي (الكونغرس)، أي ممثلو الشعب الأمريكي يعتقدون أنهم أرقى شعب في العالم وأن ثقافتهم الأمريكية أحق بالهيمنة على العالم، وليس على العالم إلا أن يقبل النظام العالمي الجديد الذي يريدون أن يفرضوه عليه تحت مصطلح العولمة؟! أين إذن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، واحترام المعتقدات الدينية والفلسفية والأيديولوجية والخصوصيات الثقافية للشعوب المختلفة؟

مما لا شك فيه أن شعوب العالم أجمع، بما فيها الشعوب العربية والإسلامية، يجب أن تتضافر جهودها لمواجهة التحديات الكبيرة التي ستفرضها عليها العولمة، وما سيترتب عليها من آثار مدمّرة على الخصوصيات الثقافية لكل شعب من هذه الشعوب. لذا فعلى المسلمين أن يسارعوا بالدخول مع الغربيين في حوار مثمر في سبيل صياغة مقاييس العولمة خاصة العولمة الثقافية، على أن يكون الارتكاز على حماية الخصوصيات الثقافية لكل شعب من الشعوب وكل حضارة من الحضارات.

إننا نواجه اليوم تحديات عصرية حادة، إذ كيف يمكننا أن ننمي الوعي الكوكبي عند أبنائنا ليستطيعوا الاندماج في النظام العالمي الكوكبي الجديد مع المحافظة في نفس الوقت على خصوصياتنا الثقافية المرتكزة على أصول وثوابت ديننا الإسلامي الحنيف؟! لا بد لنا أن نقف في مواجهة تيار العولمة الثقافية الذي يهدف إلى فرض ثقافة القوة العظمى الوحيدة في العالم حاليا، وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تحاول الهيمنة على ثقافات العالم بعد أن خلت الساحة من سائر القوى الكبرى التي كانت تقف لها بالمرصاد. يجب علينا أن نثبّت وجودنا على الساحة، وأن نجعل خصوصياتنا الثقافية العربية الإسلامية تتفاعل مع الثقافة الأوروبية والثقافة الصينية والثقافة اليابانية والثقافة الهندية ومختلف ثقافات أمريكا اللاتينية، لأن تفاعل كل هذه الثقافات مع بعضها سيؤدي إلى مواجهة الثقافة الأمريكية والوقوف في وجهها حتى لا تبتلعنا جميعاً.

تحديد الخصوصيات الثقافية الإسلامية:

أول خطوة في طريق الحفاظ على الخصوصيات الثقافية، هي إثبات الهوية والحفاظ عليها، فهل لدينا أزمة هوية في الدول العربية والإسلامية؟ أو بالأحرى ما هي مكونات الهوية العربية الإسلامية التي نريد أن نثبّتها ونتحدى بها الهوية الأمريكية؟ إن إثبات هويتنا قضية شائكة ستُدخلنا في متاهات، ولكن ما نستطيع أن نؤكد عليه ونثبّته ونتمسك به هو الخصوصية الدينية، أي الدين الإسلامي كمنبع للثقافة وللحضارة العربية الإسلامية. إن جوهر الدين الإسلامي الحنيف هو توجيه استخلاف الإنسان في الأرض حتى يتوصل إلى إقامة أمة متوازنة (أمة وسطا) يسود فيها السلام والعدل والمساواة الإنسانية بين الناس جميعا، فيعيش الإنسان حياة متسقة مع حركة الكون. والخطاب القرآني يحث المسلمين بل الناس جميعا على التعاون فيها بينهم ) يا َأَيُهَا النًاسُ إنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعَوباًً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...( والتعارف فيما بين الناس يبدأ أول ما يبدأ بالحوار فيما بينهم. ويحدد لنا القرآن الكريم الأصول التي يجب أن تكون أساسا للحوار ويضع ثوابت لهذا الحوار مثلما جاء في الآيتين الكريمتين: ) اُُُُدْعُ إِلَى سَبِيلِ ربِّكَ بِاُلْحِكْمَةِ وَاُلْمَوْعِظَةِ اُلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالٌَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..([1] و ) وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ اُلْكِتَابِ إِلاّ بِاُلٌتِي هِيَ أَحْسَنُ...([2].

أ‌.        عالمية الإسلام:

إن جوهر الدين الإسلامي يرتكز على أن الخطاب القرآني موجه للناس جميعا وليس لقبيلة أو قوم أو حتى للمسلمين فقط كما يعتقد الغربيون خطأ، بل إن القرآن يخاطب البشر كلهم جميعا بلا استثناء، والدليل على ذلك أن كثيرا من آياته تبدأ بنداء إلى الناس كافة بقوله تعالى ) يَا أَُيُهَا اُلنٌاسُ(. وكلمة الناس في اللغة العربية معناها الجنس البشري في مقابل الجن أو الحيوان. ولقد وَردت كلمة الناس بهذا المفهوم في القرآن أكثر من 200 مرة. ونذكر هنا للدلالة على ذلك الآيات الكريمة من 6 إلى 8 من سورة الزلزلة:  )يَوْمَئِذِ يَصْدُرُ اُلنٌاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ % فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ% وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍٍ شَرّاً يَرَهُ.( هذا الخطاب ليس موجها للمسلمين فقط ولا للمؤمنين فقط، ولكن للجنس البشري برمته. فالناس جميعا سواء أكانوا مسلمين أو يهودا أو مسيحيين أو حتى كفرة، وسواء أكانوا متمدنين يعيشون في أرقى الحضارات أو متوحشين يعيشون وسط الغابات الاستوائية، يعيشون دائما في قبائل وشعوب ويتعارفون بعضهم ببعض، وفي نهاية معيشتهم على الأرض يتوفاهم الله، ثم يوم الزلزلة الكبرى يبعثهم من قبورهم جميعا ليريهم أعمالهم على الأرض سواء أكانت هذه الأعمال خيرا أم شرا، ويحاسبهم الحساب الأعظم عليها بنفس معايير العدل السماوية سواء آمنوا بها في حياتهم على الأرض أم لم يؤمنوا بها. إن مصطلح (الناس) في الخطاب القرآني قد اشتمل على البشر أو الإنسانية جمعاء، ولكن هذا ما يهمنا في نطاق بحثنا هذا، لم يلتصق اسم النبي محمد    eبقوم ما في القرآن الكريم ولم يرد في الخطاب القرآني أبدا تعبير (قوم محمد) أو (قوم مكة)، بل كان الخطاب الموجه إلى الرسول محمد e مصاغ بصيغة مختلفة تماما عما وَرد بالنسبة لجميع الأنبياء والرسل السابقين. لقد وجه الله سبحانه وتعالى خطابه إلى محمد  eبتعبير: )قُلْ يَا أَيُهَا النٌاسُ إِنٌمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيُرُ مُبِينُ( [3]لماذا هذه الصيغة بالذات للرسول محمد e ؟ لأن الدين الذي جاء به محمد e هو الإسلام أي ختام الأديان السماوية والكتاب الذي نزل على محمد e هو القرآن هو (الخِتمة) كما يقول العامة في مصر. الخطاب القرآني إذن هو خاتمة الخطاب المتصل الذي بدأه الله سبحانه وتعالى مع أبو الأنبياء وأولهم وهو آدم عليه السلام وختمه مع محمد e آخر الأنبياء والمرسلين: )َإِنَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنٌبِيئِنَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْماَعِيلَ وَإِسْحاَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَََسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهاَرُونَ وَسُلَيْماَنَ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً % ...وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً[4]( .

إن الخطاب الذي يوجهه الله عز وجل لآخر الأنبياء يجب أن يكون خطابا شاملا للناس جميعا، لأنه آخر خطاب من الله إلى العالم أجمع، والدليل على ذلك نجده في الآيتين الكريمتين: )وَمَا أَرْسَلْناَكَ إِلاَّ كافَّةً لِلنٌاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً([5] و )وَمَا أَرْسَلْناَكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ([6].

في هاتين الآيتين الكريمتين تأكيد على شمولية الرسالة المحمدية، فلم يكتف الخطاب القرآني بمصطلح (الناس) بل زاد عليه كلمة (كافة) للتأكيد على أن محمداً e ليس نبي المسلمين فقط، ولكنه نبي مرسل إلى جميع الناس في كافة أنحاء المعمورة. ثم تأتي الآية الثانية لتزيد التأكيد وتوضحه وتحدده في نفس الوقت، وذلك بكلمة (العالمين). وتعبير (رحمة للعالمين) يمكن أن يفسر بتفسيرات شتى، ولكن ما يهمنا التأكيد عليه هنا، أن كلمة العالمين هنا في صيغة الجمع وليس في صيغة المثنى كما يعتقد البعض، كلمة العالمين هنا هي جمع كلمة (عالم)، فإذا كانت الكلمة في حالة رفع تكون (العالمون) أما إذا كانت في حالة نصب أو جر كما هو الحال في (رحمة للعالمين) أو (رب العالمين) ففي الحالتين الكلمة مجرورة وتعني جميع العوالم. وقد تمت ترجمة كلمة العالمين بالإنجليزية في ترجمات القرآن الكريم بكلمة (Univers) وترجمت الكلمة بالفرنسية L`univers وما نود الوصول إليه هنا هو أن هذه الكلمة يشتق منها كلمة Universalism  ومعناها العالمية أي الشمولية بما نستطيع معه أن نخلص إلى المقولة؛ إن الرسالة التي كُلف بها الرسول محمد e هي رسالة عالمية Universal، فقد أرسله الله سبحانه وتعالى (رحمة للعالمين) أي أرسله إلى العالم أجمع ولم يرسله للمسلمين فقط، أو لأهل مكة فقط، أو للعرب فقط، بل للعالمين To the   Universe ومن ثم فإن الإسلام هو الدين الصالح للعالم أجمع، لذا يجب أن يعرف العالم ما هي الأسس والمبادئ والقيم التي يرتكز عليها الإسلام.

ب. حقوق الإنسان في الإسلام:

لقد أثبتنا في الصفحة السابقة أن الإسلام يخاطب الناس جميعاً ولم يرد في الخطاب القرآني تفضيل قوم على قوم آخرين، وإنما يعتبر الناس جميعاً أمة واحدة: )إِنَّ هَذِهِ أمَّتُكم أمَّةًواَحِدَةً وَأَنَا رَبكُمْ فَاعْبُدُونِِِ([7] ، ولا يقر الإسلام العنصرية أو التحيز لجنس على آخر أو تفضيل لون على لون، وإنما جاء ذكر الألوان في الخطاب القرآني للدلالة على قدرة الله في الخلق: )وَمِنْ ءَاياَتِهِ خَلْقُ السَّماوات وَالأَرْضِ وَاخْتِلاََفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ للعالمينَ([8]، وجاء الحديث الشريف ليؤكد على أنه لا فضل لقوم على قوم أو للون على لون، وإنما معيار التفضيل عند الله يرتكز على دعامة مختلفة تماما: «كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم»[9]. هذه هي المساواة المطلقة بين البشر بدون تفرقة أو عنصرية أو تمييز بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو اللغة أو حتى الدين، طالما أن المعيار كما جاء في الحديث الشريف هو لفظ «التقوى» وليس «الإسلام». إن هذه المبادئ التي أرساها الدين الإسلامي وأعلنها الرسول محمد e منذ 14 قرنا من الزمان، هي نفس المبادئ والمعايير التي أقرها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان منذ 50 عاما فقط، حيث نصت المادة الثانية من هذا الميثاق على الآتي:

«جميع الأفراد لهم  نفس الحقوق والحريات بدون تفرقة من أي نوع  مثل الجنس أو اللون أو النوع أو اللغة أو الدين أو الآراء السياسية أو الوطنية أو الوضع الاجتماعي أو الملكية أو الميلاد أو أي أوضاع أخرى».

لقد أكد الإسلام على كل هذه المبادئ كمعايير أساسية للحياة في مجتمع يسود فيه الأمن والسلام، وهو ما تنادي به الأمم المتحدة منذ إنشائها.

ج. الإسلام دين السلام:

إن السلام والسلم ومشتقاتهما من المصطلحات القرآنية التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في أكثر من مائة آية، بينما لم تذكر مصطلحات الحرب ومشتقاتها إلا 6 مرات فقط، ولا عجب في ذلك فكلمة «إسلام» نفسها مشتقة من «سلم»، فالإسلام يدعو كل الذين آمنوا، وليس المسلمين فقط، للدخول في السلم: ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ...([10]. فالسِّلم إذن هو القاعدة، أما الاستثناء فهو خُطوات الشيطان التي تقود إلى الهلاك وإلى الحروب وحتى إن كان مُقدّراً على الإنسان أن يخوضها لحروب، فهو يفعل ذلك كارهاً: )كُتِبَ عَلَيْكًُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ...([11]. ولا يستقر السلام إلا على أساس من العدل بين الناس جميعاً واعتبار الناس جميعاً سواسية وإن اختلفوا في أطوالهم وأحجامهم، إلا أنهم يكمّلون بعضهم بعضاً: «الناس سواسية كأسنان المشط»[12].

من منطلق هذه المفاهيم الإسلامية، نستطيع أن نؤكد أن الإسلام أقر المساواة بين البشر والعدالة، كميزان للعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد وفيما بين المجتمعات، حيث حثّ الخطاب القرآني على احترام العقود والعهود والمواثيق: )وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْماَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا...([13]. هذا حث صريح على احترام المواثيق  عامة، أي المواثيق والعهود مع المسلمين وغير المسلمين مع كافة البشر، وهذا المبدأ هو أساس المواطنة الإنسانية، لأن احترام الكلمة (الأيمان) أو العهد يجعل التعامل بين الناس والشعوب مبنياً على الثقة والوفاء والالتزام مما يجعل التعاون والتكافل والتعاضد مفاهيم يجب أن تسود بين الناس جميعاً على ركيزة من البر المطلق: )...وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْواَنِ...( [14]على هذا الأساس فإن الحوار بين الشعوب والحضارات يكون بالتعاون على الخير والابتعاد عن العدوان وذلك لصالح الإنسان، فلا يستطيع أي شعب أن يعيش ولا أية دولة أن تستمر إلا بالاندماج في المجتمع الدولي، لتكون عنصراً فعالاً من عناصر الأسرة الدولية، وتواكب التطور والتقدم في جميع المجالات: الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والصناعية والتكنولوجية والثقافية.

والهدف من الحوار مع الآخر خاصة مع الغربيين، هو التأثير الإسلامي في الساحة الدولية وخاصة في المحافل الدولية عبر المؤتمرات العالمية التي تعقدها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى لوضع الأسس والمعايير الحديثة للمنظور الجديد للعالم، ولكي تؤثر ثقافتنا العربية الإسلامية على الثقافة الأوربية والثقافة الأمريكية مثلما نتأثر نحن بهما.

كيفية الحفاظ على الخصوصيات الثقافية:

لقد آن الأوان للتقارب والتكاتف مع الدول الأوربية ودول الشرق الأقصى وخاصة الصين واليابان، وهما المرشحتان للصعود لتغيير واقع الجيوبوليتك العالمية Géopolitique وهما الكتلتان اللتان سوف يكون لهما دور هام في الحقبة التاريخية القادمة، وستصبحان مركزاً عالمياً جديداً للاقتصاد والإنتاج، ومن ثم السياسة والثقافة. وأشد ما يخشاه الأمريكيون هو ثقافة الدول الشرق آسيوية، وذلك لأن هذه الدول تتمسك بخصوصياتها الثقافية تمسكاً شديداً وتحافظ على تلك الخصوصيات محافظة شديدة لتمنع تغلغل الثقافة الأمريكية فيها، حتى لا تنخر في عظامها كالسرطان مثلما فعلت أمريكا في كثير من الدول العربية الإسلامية.

وهناك ملحوظة هامة جداً في هذا المجال، فبالرغم من أن الصينيين واليابانيين يجيدون اللغة الأمريكية (الإنجليزية) إجادة تامة، إلا أن إجادة لغة الأمريكان لم تجعل الصينيين واليابانيين يعتنقون الثقافة الأمريكية. لقد تعلموا لغة الأمريكان ليتعرفوا على العلوم والتكنولوجيا الأمريكية، وبعد أن فهموا هذه العلوم جيداً طوروها وأضافوا إليها وقاموا باختراعاتهم واكتشافاتهم التي فاقت التكنولوجيا الأمريكية، ولكن الأمر الملفت للنظر والذي يجب أن نقف أمامه طويلاً للاسترشاد به، هو أن الصينيين واليابانيين لم ينبهروا بالثقافة الأمريكية، ولم يتخذوها نهجاً لحياتهم، ولم يتركوها تؤثر على حياتهم الاجتماعية، ولا على عاداتهم وتقاليدهم، بل جعلوا بينهم وبين الثقافة الأمريكية سداً منيعاً ليحافظوا على خصوصياتهم الثقافية. فهل ننتهج نهجهم ونحذو حذوهم لنحافظ على هويتنا وخصوصياتنا العربية الإسلامية؟ أم نترك ثقافة الماكدونالدز والهامبورجر والكوكاكولا والعنف والاغتصاب والشذوذ الجنسي المباح وسيادة الدولار تطغى وتهيمن على خصوصيات الثقافة الإسلامية المرتكزة على التآخي والإيثار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيتاء ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

إننا نؤيد العولمة العلمية والتكنولوجية والتقنية، ونؤيد إلغاء الحواجز من أجل نظام جديد في الميادين السياسية والاقتصادية، ولكننا نرفض رفضاً باتاً العولمة الاجتماعية والثقافية. إن الاتحاد الأوروبي الذي يسعى حالياً إلى ترسيخ هوية أوروبية جديدة سياسياً واقتصادياً ونقدياً، يرفض بشدة العولمة الثقافية التي تريد الولايات المتحدة فرضها عليه وعلى العالم أجمع، ويتشبث بالخصوصيات الثقافية الأوروبية. ولعل فرنسا أن تكون من أشد الدول والشعوب رفضاً للعولمة الثقافية، وتمسكاً بالخصوصية الثقافية، هي فرنسا التي تتمسك بموقف متشدد في هذا الصدد والتي اتخذت إجراءات قانونية صارمة سواء داخل فرنسا أو خارجها للمحافظة على لغتها الفرنسية، لقد سنت فرنسا قانوناً يحظر استخدام اللغة الإنجليزية في وسائل الإعلام وفي التجارة وفي المحلات التجارية... إلخ، وكذلك خارج فرنسا في محافل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، حيث ترفض فرنسا رفضاً باتاً قبول أية قرارات أو وثائق أو مستندات باللغة الإنجليزية، وتصر على أن تقوم الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بترجمة ذلك إلى اللغة الفرنسية. فماذا فعلت الدول العربية والإسلامية للحفاظ على خصوصياتها الثقافية وأولها اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، التي أصبحت يتيمة في ديارها وأصبح من يجيدها «عملة صعبة» نادرة الوجود لأنها «ممنوعة من الصرف» فلم يعد تدريس اللغة العربية وعلومها يحظى باهتمام العرب والمسلمين الذين تكالبوا على تعليم أولادهم اللغات الأجنبية، وأهملوا تدريس اللغة العربية تماماً في العقدين الماضيين.

إننا نشاهد للأسف الشديد أولادنا يتخلون رويدا رويداً عن هويتهم الثقافية العربية الإسلامية عن جهل ودون إدراك أو دراية بخطورة ما يفعلون في تكالبهم على تعلم اللغة الإنجليزية وفي ارتداء الجينز والكاسكيت الأمريكاني وأكل الهامبورجرز وشرب الكوكاكولا والتهافت على محلات ماكدونالدز وعلى موسيقى الجاز. ويرجع ذلك إلى غياب التوعية الثقافية والتوجيه والإرشاد سواء في المدارس من قبل معلميهم، أو في المنزل من قبل والديهم. إن الأهل والأساتذة يحثونهم على إجادة اللغة الإنجليزية، ويقولون لهم إن المستقبل والعلم والتكنولوجيا في تعلم لغة الحاسب الآلي والإنترنت، وإن الذي لا يجيد اللغة الإنجليزية يعتبر جاهلاً ولن يكون له أي مستقبل في مجال العلم والتكنولوجيا، بل إن الأهل يبذلون قصارى جهدهم حتى يرسلوا أبناءهم إلى الدول الأوربية وعلى الأخص إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستزادة من العلم وللحصول على أعلى الشهادات العلمية في مختلف العلوم الحديثة، ويضحون في سبيل تحقيق هذا الهدف بكل ما هو نفيس وغالي. فلا عجب أن اهتم أولادنا باللغة الإنجليزية وبدراسة العلوم والتكنولوجيا، ومن ثم إهمال اللغة العربية و العلوم الإسلامية وعدم الاكتراث بها طالما أن كل المطلوب منهم هو الحصول على الدرجة الأدنى التي تسمح لهم بالمرور من سنة دراسية إلى أخرى دون حتى النجاح في اللغة العربية (معظم الدول العربية تجيز نجاح الطالب الذي يحصل على 40 % فقط من الدرجات في مادة اللغة العربية).

سيستمر الحال على ما هو عليه في غياب أية توعية من الأهل والمعلمين. سيستمر هذا الحال المُرّ في مدارسنا وجامعاتنا التي أصبحت تتباهى في إعلاناتها بتعليم اللغات الأجنبية ولا تذكر بتاتاً تعليم اللغة العربية، كأنما أصبح تعليم اللغة العربية وصمة عار وعلامة تخلف وجهل يجب عدم ذكرها في الإعلانات عن المدارس والجامعات الجديدة.

إذا أردنا الحفاظ على خصوصياتنا الثقافية، فعلينا أن نقف وقفة مع النفس لنعيد حساباتنا، ونؤكد هويتنا، ولنبدأ من البداية، من أول مرحلة التعليم في مدارسنا والتأكيد على تدريس لغتنا العربية وتدريس تراثنا العربي الإسلامي الثرى إلى جانب تدريس اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة والتكنولوجيا. يجب أن يكون هناك توازن في تدريس اللغة العربية والتراث العربي والإسلامي، وتدريس المواد العلمية واللغات الأجنبية، وألا تطغى هذه الأخيرة على الأولى. كذلك يجب تنمية الوعي القومي والانتماء العربي الإسلامي في نفوس أولادنا وإقناعهم بأن هناك فرقاً شاسعاً بين تعلم لغات وعلوم وحضارة أمة من الأمم، وبين اعتناق هذه الحضارة والانتماء إليها. ولنأخذ مثال الدول الشرق آسيوية: الصين واليابان والهند، وكذلك دول أمريكا اللاتينية التي درست وأجادت اللغة الإنجليزية دون الانتماء والذوبان في الثقافة الأمريكية.

وهنا يبرز دور المثقفين من العلماء المسلمين للتأثير على الحكومات وعلى المسؤولين عن التربية والتعليم في الدول العربية الإسلامية، للتركيز على تدريس اللغة العربية ورفع شأنها، وتدريس التراث العربي القديم، والتعريف بالعلماء العرب القدماء الذين كان لهم فضل كبير على النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر، والذين استمدت العلوم الحديثة من اختراعاتهم واكتشافاتهم الكثير والكثير. كذلك يجب التأكيد على  أهمية دور المؤسسات والهيئات العربية الإسلامية المنوط بها نشر الثقافة والعلوم العربية والإسلامية مثل هيئة الإسيسكو والتي تضطلع بدور هام وطلائعي. في هذا المجال تجدر الإشارة إليه هنا والإشادة به ونرجو لها الاستمرار في القيام بهذه المهمة والاضطلاع بهذا الدور الرائد. وهناك أيضاً مهمة نقل هذا التراث العربي القديم إلى الغرب ولا شك أن الإسيسكو تقوم بنشاط ملموس في هذا المجال.

إن الطريق شاق وطويل أمام المسلمين لإقناع العالم وخاصة الغرب، بأهمية الخصوصيات الثقافية الإسلامية التي لا تتعارض البتة مع المواثيق والقوانين الدولية، ولكنها يمكن أن تكمّلها وتثريها بما فيها من مفاهيم وروحانيات الغرب في أمَسِّ الحاجة إليها. إن الإسلام ليس دين جمود غير قابل للتطور كما يتصورون، بل إنه مسموح فيه بالاجتهاد لمسايرة التطور في العصر الحديث دون المساس بالثوابت الراسخة التي لا تقبل التعديل. علينا أن نقارب بين الخصوصيات الثقافية الإسلامية وبين العولمة، ونشرح للغربيين بطريقة برجماتية Pragmatique ما هي الأسس التي تحدد معالم الخصوصيات الثقافية الإسلامية والتي تعتبر القاسم المشترك لشعوب الأمة الإسلامية التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون)خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(.

ولعل من أهم دعائم الخصوصية الثقافية الإسلامية التي يجب أن نركز عليها في حوار الحضارات هي عالمية الإسلام ومقولة أن الإسلام يصلح لكل مكان وكل زمان. من البديهي أن كل مسلم يؤمن بأن التشريعات الإسلامية المنزّلة، شاملة وصالحة لكل زمان ومكان. ولكن للأسف فإن الغربيين غير المسلمين لا يعرفون ذلك. فماذا بإمكاننا أن نفعل حتى نوصل لهم رسالة الإسلام الحقيقية، ونقنعهم بتشريعاته السماوية الصالحة لكل العصور ولكل الشعوب، وحتى نمحو من ذاكرتهم الصورة المشوهة التي عُلقت في أذهانهم عبر القرون عن الإسلام والمسلمين. إن ما يراه الغربيون اليوم من أحوال وأفعال المسلمين وخاصة في الآونة الأخيرة، لا يشجعهم إطلاقاً على استمرارية الحوار مع المسلمين ومحاولة فهم جوهر الدين الإسلامي. وذلك لأن بعض المسلمين أو بالأحرى بعض التجمعات الإسلامية المتطرفة يغالي أعضاؤها في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويتشددون ويتطرفون ويجرفهم تيار التطرف والغلو إلى العنف. هؤلاء المتطرفون يتركون لب الدين الحنيف ويتمسكون بالمظاهر الخارجية والقشور (مثل رداء المرأة وجلباب الرجل واللحية والشارب، وهل يجوز للرجل مصافحة النساء... إلى آخر هذه الأمور التي ليست لها الأهمية التي يعطونها لها). وينسى المتطرفون في غمرة غلوهم وتشددهم وتطرفهم أن الله سبحانه وتعالى نهانا عن الغلو في الدين، كما نسوا أن الله أراد لأمة الإسلام أن تكون أمة وسطاً : )وَكذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ...([15].

إنني أطالب المسؤولين في جميع الدول الإسلامية بالتكاتف والتعاضد لمواصلة الحوار مع الأديان الأخرى، وخاصة مع الغربيين سواء في الدول الأمريكية أو الدول الأوروبية حتى نرد لمسلمي أوروبا وأمريكا شعورهم بالفخر لانتمائهم إلى الإسلام. إننا ملايين من المسلمين نعيش هناك في أوروبا وأمريكا ونتمسك بالإسلام ونرفع رايته وسط أهالي هذه الدول وغالبيتهم من المسيحيين، وإن كانوا لا يمارسون شعائر دينهم، ولكنهم متمسكون بخصوصياتهم الثقافية ومبادئهم الدينية المرتكزة على الدين المسيحي. وعلينا نحن المسلمين المقيمين في الدول الغربية أن نطالب بحقنا في أن تؤخذ خصوصياتنا الثقافية هذه، في الاعتبار عند سَن القوانين الجديدة أو إعادة صياغة دساتير هذه الدول الغربية لتراعي وجود ملايين المسلمين المقيمين حالياً في الدول الغربية، دون أن تؤخذ في الاعتبار خصوصياتهم الثقافية في قوانين ودساتير هذه الدول الغربية.

الخلاصة:

إن الحوار الهادف مع الآخر، يجب أن يخضع لثوابت وأصول حددها لنا القرآن الكريم في كثير من آياته الكريمة، وحثنا على المحافظة على تلك الآداب خاصة في الحوار مع أهل الكتاب. ويجب أن يكون الحوار متواصلا مع جميع الحضارات والثقافات في العالم خاصة في عصرنا هذا عصر الاتصالات والإنترنت. لقد أصبح من واجبات المسلمين العمل على مواصلة الحوار مع الآخر لتصحيح صورة الإسلام المشوهة التي علقت في أذهان الغربيين عبر القرون نتيجة للجهل بالإسلام وبخصوصيات الثقافة العربية الإسلامية. لقد آن الأوان ليعرف العالم أجمع رسالة الإسلام السمحة وعلى المسلمين المحافظة على هويتهم الثقافية المرتكزة على اللغة العربية، لغة القرآن، وعلى الثوابت الفقهية في الفكر الإسلامي أي ما يمكن أن نطلق عليه بالمفهوم المعاصر الخصوصيات الثقافية للشعوب العربية والإسلامية.

علينا أن نتمسك بالخصوصيات الإسلامية المرتكزة على مفهوم أن الإسلام دين عالمي يصلح لكل مكان ولكل زمان، والرسول محمدe هو رسول عالمي لم يرسل إلى قوم بالتحديد، مثلما سبق وذكرنا، فقد خصه الخطاب القرآني بتعبير استثنائي ولم يلصق اسمه أبدا باسم قومه أو بلدته أو مدينته، بل ذكر اسمه دائما مقترنا بكلمة الناس أو العالم أجمع مثلما جاء في الآية الكريمة: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ( أن الرسول محمد e مرسل إلى الأمم جميعا، وإذا ترجمنا كلمة الأمم جميعا إلى الإنجليزية والفرنسية سنصل إلى  Globe فنشتق منها Globalization  أي العولمة، وهو ما نود الوصول إليه لنؤكد أن الرسالة المحمدية هي رسالة العولمة التي بعث بها الله سبحانه وتعالى رسوله محمد e منذ 14 قرنا من الزمان قبل أن يكتشف خبراء الاقتصاد والسياسة الغربيين المفهوم الجديد الذي أطلقوا عليه مصطلح العولمة والذي لم ينتشر إلا منذ 7 سنوات فقط.

وإذا كنا نؤيد العولمة في مجالات السياسة والعلوم والتكنولوجيا، فإننا نرفض تماما العولمة الثقافية ونطالب كل الشعوب بالتعاون والتعاضد والتحالف ضد من ينادون بالعولمة الثقافية والذين يريدون فرض لغة واحدة على العالم وفرض ثقافة واحدة على جميع الشعوب، وهذا الاتجاه مرفوض رفضا قاطعا حيث أن كل الشعوب وكل الأمم لها ثقافتها الخاصة التي يجب أن تحافظ عليها وتربي الأجيال القادمة على التمسك بها والمحافظة عليها. وعلى الأمة الإسلامية أن تحافظ على خصوصياتها العربية الإسلامية أمام الهجمات الشرسة التي تريد الهيمنة على عقول الناس جميعا، وتفرض عليهم أسلوب تفكير واحد وكأنهم «روبو» أي إنسان آلي، وكأنما يريدون أن يضعوا هذا الإنسان في قالب واحد أي يستنسخونه ويلغون انفرا ديته Individualité  ليصبح كل الناس على شاكلتهم، وهذا ما يرفضه الإسلام ويجب أن يتكاتف المسلمون للوقوف ضد هذا الاتجاه المدمّر، لأن الأسس والمبادئ والقيم التي أقرها الإسلام منذ 14 قرنا من الزمان، والمرتكزة على المساواة والعدل والسلم والتعاون، والالتزام بالمواثيق والعهود والمجادلة مع أهل الكتاب، وعدم الغلو في الدين أو التعصب، وعدم المفاضلة بين الناس أو التفريق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو العرقية أو اللغة أو الدين، كل هذه الأسس تحفظ للإنسان المسلم هويته الإسلامية وخصوصياته الثقافية التي يجب عليه المحافظة عليها، بل نشرها وتعريفها للآخرين وخاصة للغربيين وصانعي القرارات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم.

ولعل أبلغ دليل على عالمية الإسلام، هو أنه عاش في قلب أوروبا 8 قرون متصلة وأقام فيها حضارة من أعرق الحضارات التي عرفتها الإنسانية، فما الذي يمنع المسلمون اليوم من التمسك بالخصوصيات الثقافية الإسلامية التي ارتكزت عليها حضارة الأندلس واستمرت لمدة 8 قرون. إن ذلك لن يتحقق إلا إذا سارع المسلمون للّحاق بالركب للاضطلاع بدور فعال في المحافل الدولية. إن المجتمع الدولي في حاجة إلى المسلمين وإلى معرفة خصوصياتهم الثقافية لإثراء التراث العالمي للإنسانية وللتفاعل مع الثقافات والحضارات الأخرى في إطار حوار هادف ومستمر ومتميز.

 



[1]   سورة النحل، الآية: 125.

[2] سورة العنكبوت، الآية: 46.

[3]  سورة الحج، الآية: 49.

[4] سورة النساء، الآيتان: 163-164.

[5]  سورة سبأ، الآية: 28.

[6] سورة الأنبياء، الآية: 107.

[7]  سورة الأنبياء، الآية: 92.

[8]  سورة الروم، الآية: 22.

[9]  حديث صحيح.

[10]  سورة البقرة، الآية: 208.

[11]  سورة البقرة، الآية: 216.

[12] حديث صحيح.

[13]  سورة النحل، الآية: 91.

[14]  سورة المائدة، الآية: 2.

[15]  سورة البقرة، الآية: 143.

 

 







 

 هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم
اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



جلسة حاسوبية (2)

جلسة مع الحاسوب (1)

بيداغوجيا الإدماج بين النظري والتطبيقي

احذروا أكل الخبز

ترقبونا

المغرب التطواني يعود إلى سكة الانتصارات

أندية أوروبية كبرى تعاود النظر في دوري السوبر الانفصالي

تأسيس جمعية "صداقة وصحافة" بتطوان

إيتو أفضل لاعب افريقي للمرة الرابعة

حجز قارب زودياكا محملا بالمخدرات بمنطقة تارغة إقليم تطوان

جلسة حاسوبية (2)

جلسة مع الحاسوب (1)

بيداغوجيا الإدماج بين النظري والتطبيقي

احذروا أكل الخبز

ترقبونا

المغرب التطواني يعود إلى سكة الانتصارات

أندية أوروبية كبرى تعاود النظر في دوري السوبر الانفصالي

تأسيس جمعية "صداقة وصحافة" بتطوان

إيتو أفضل لاعب افريقي للمرة الرابعة

حجز قارب زودياكا محملا بالمخدرات بمنطقة تارغة إقليم تطوان





 
بانر إعلاني
 
مقالات وآراء

ماذا بعد...القدس عاصمة لإسرائيل ؟

 
البريد الإلكتروني [email protected]